ملخص
تشير الأرقام الرسمية إلى أن صافي الهجرة في المملكة المتحدة يزداد منذ 1994، وتلفت إلى أن الأجانب يضيفون عبئاً على الموازنة الحكومية ودافعي الضرائب، ولكن ما هي نسبة المهاجرين واللاجئين الذين يعيشون على الدعم الحكومي، وكيف يتوزعون على الخريطة الجغرافية لبريطانيا؟
خرج جيم راتكليف، وهو سابع أغنى رجل في بريطانيا، أمس بتصريح أثار جدلاً واسعاً، واستدعى من رئيس الحكومة كير ستارمر شخصياً مطالبته بالاعتذار، إذ قال إن المملكة المتحدة باتت مستعمرة من قبل المهاجرين واللاجئين. صحيح أن راتكليف البالغ من العمر 73 سنة، تراجع لاحقاً واعتذر عن كلامه، ولكنه ترك تساؤلات حقيقية بشأن حضور الأجانب في الخريطة السكانية والاقتصادية للدولة الأوروبية.
وفقاً للأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية، كان عدد سكان بريطانيا 58 مليون نسمة منتصف عام 2000، ثم بلغ في 2020 نحو 67 مليون نسمة، وقارب 70 مليوناً في 2025 وفق التقديرات الرسمية، وبحسب أحدث بيانات التعداد السكاني يبدو أن 16 في المئة (7 ملايين نسمة) من سكان المملكة المتحدة، قد ولدوا خارج البلاد، وعندما يتعلق الأمر بإنجلترا وويلز فقط يرتفع هذا العدد إلى 11.4 مليون شخص.
في أرقام الهجرة غير الشرعية، وصل 65922 شخصاً إلى المملكة المتحدة عبر البحر منذ تولي ستارمر منصبه في يوليو (تموز) 2024، وهو أكبر عدد يسجل من "لاجئي القوارب" في عهد أي رئيس وزراء عرفته البلاد في تاريخها، أما محصلة الهجرة عموماً فتقول الأرقام إن عدد الوافدين إلى الدولة يفوق المغادرين منذ عام 1994.
في عهد رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، والذي فتح أبواب الهجرة على مصرعيها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020، عبر بحر المانش من سواحل فرنسا نحو 66 ألف لاجئ، وفي زمن سلفه ريشي سوناك وصل إلى الشواطئ الإنجليزية نحو 51 ألفاً ركبوا القوارب المطاطية وحلموا بـ"الجنة البريطانية".
وكلما استدعي الحديث عن المهاجرين يترافق مع أسئلة تتعلق بتوزعهم الجغرافي في البلاد، وكلفة إقامتهم على خزينة الدولة، وتشير بيانات رسمية إلى أن ضاحية "برنت" الواقعة شمال غربي بريطانيا، تضم أكبر عدد من الذين ولدوا في الخارج ويقيمون في المملكة المتحدة، بنسبة تزيد على 56 في المئة من إجمالي سكان المنطقة.
ثمة عشر مناطق أخرى في بريطانيا تزيد أو تقارب نسبة المولودين في الخارج عن نصف سكانها، وهي "وستمنستر" بنسبة 55.6 في المئة، "كينسينغتون وتشيلسي" 54 في المئة، "نيوهام" 53.7 في المئة، "هاروو" 51 في المئة، "إيلينغ" 51 في المئة، مركز مدينة لندن نحو 50 في المئة، وكذلك منطقة "هونسلو" بنسبة مشابهة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مالياً، حذر تقرير مختص أخيراً من أن نظام اللجوء "المعطل" يخلق "موجة انتقال" إلى حياة تعتمد كلياً على إعانات الدولة، وجاء ذلك في وقت كشفت فيه الأرقام أنه على رغم تعهدات الحكومة بإجراءات صارمة لضبط الحدود، فإن عدد المهاجرين واللاجئين الذين يطالبون بالدعم المالي الشامل قد تضاعف منذ عام 2022.
بلغة الأرقام، وحتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، هناك نحو 125 ألف لاجئ يتلقون المساعدات التي يبلغ متوسطها أكثر من ألف استرليني شهرياً (تعادل ما يزيد على 1300 دولار)، إضافة إلى ما يتجاوز 50 ألفاً آخرين تم تصنيفهم على أنهم غير قادرين على العودة إلى بلدانهم الأصلية بحجة الخشية من انتهاكات حقوق الإنسان.
عندما بدأ جمع البيانات للمرة الأولى في أبريل (نيسان) 2022، كان هناك نحو 65 ألف لاجئ و3221 شخصاً يتمتعون بوضع إنساني خاص، يتلقون الدعم، وفي المجمل تقول الأرقام إن ثلاثة أرباع اللاجئين وثلثي الحاصلين على إقامة دائمة، إلى جانب 60 في المئة من أصحاب الوضع الإنساني، لا يعملون ويعتمدون على مساعدات الدولة.
وارتفع عدد اللاجئين الذين حصلوا على إقامة دائمة بعد خمس سنوات من العيش في بريطانيا، من نحو 96 ألفاً إلى ما يقارب 219 ألف شخص منذ أبريل 2022، كذلك صعد عدد الذين حصلوا على إقامة للعيش أو العمل أو الدراسة، لمدة تتراوح بين ستة أشهر إلى خمس سنوات، من قرابة 69 ألفاً إلى نحو77 ألفاً، خلال أقل من 4 سنوات.
تبدو الأرقام مفزعة، ولكن اللاجئين والمقيمين موقتاً وذوي الوضع الإنساني الخاص، الذين يحصلون على المساعدات لا يشكلون أكثر من 7 في المئة من الذين يعيشون على دعم الدولة، أما البقية فهم من مواطني المملكة المتحدة وإيرلندا والاتحاد الأوروبي، وقد زادوا بنسبة 47 في المئة خلال تلك السنوات الأربع إلى نحو 7.8 مليون.
بحسب بيانات نشرتها صحيفة "ديلي ميل"، أكثر من 1.2 مليون مواطن أجنبي مسجلين في برنامج الدعم الشامل "يونيفرسال كريديت"، أكثر من نصفهم ينتمون لدول الاتحاد الأوروبي، ويشكلون نسبة 9.6 في المئة من إجمالي الحاصلين على الدعم، في حين يشكل الحائزون على الإقامة الدائمة 2.7 في المئة، واللاجئون 1.5 في المئة، أصحاب الإقامة الموقتة 0.9 في المئة، وذوو الوضع الإنساني الخاص 0.4 في المئة.
وقالت هيلين واتلي، وزيرة العمل في حكومة "الظل"، لصحيفة "صنداي إكسبريس" إن البلاد تشهد "انتقالاً مباشراً من نظام اللجوء إلى نظام الإعانات، وفشل حزب العمال الحاكم في وقف القوارب يعني أن فاتورة دعم المهاجرين مستمرة في الارتفاع بينما لا تقدر الخزينة أصلاً على تحمل تكلفة مطالبات سكان المملكة المتحدة".
الحكومة تقول إن طالبي اللجوء لا يمكنهم الحصول على الإعانات حتى يبت في طلباتهم، وكذلك الحال بالنسبة لمعظم المهاجرين الذين يحملون تأشيرات موقتة، مشددة عبر متحدث باسمها، على 1.5 في المئة فقط من طالبي الدعم الشامل هم من اللاجئين، وعموماً انخفضت نسبة طالبي الدعم من الرعايا الأجانب منذ أكتوبر 2024.
والواقع أن كثيراً من الأرقام المتعلقة بالأجانب يستغلها اليمين المتشدد في المملكة المتحدة للتحريض على الهجرة واللجوء، ولأن الشارع بات يصغي للرواية الشعبوية، ويلتف حول أحزاب مثل "ريفورم" الذي يقوده النائب نايجل فاراج، وجدت الحكومة العمالية نفسها أمام استحقاق تشديد القيود على كافة أنواع الهجرة إلى بريطانيا.
وزيرة الداخلية شبانة محمود خرجت قبل أشهر قليلة لتعلن إنهاء مرحلة "الملاذات الذهبية"، وقالت إن التأهل للإقامة الدائمة سيتطلب شروطاً كثيرة، ومساهمة مجتمعية ومالية كبيرة من المهاجرين، وإلا سيضطرون للانتظار عقدين قبل أن يتقدموا بطلب الحصول عليها، أو أنهم يواجهون الترحيل والإبعاد إلى أوطانهم إن كانوا لاجئين.
والتشدد في ضبط الهجرة ووقف اللجوء إلى المملكة المتحدة يركز فقط على عبء يشكله جزء من الأجانب على خزينة الدولة، ويتجاهل مساهمة بقيتهم في الاقتصاد الوطني، وحتى في الحياة الاجتماعية على مستويات مختلفة، فقد باتت بريطانيا تعرف كواحدة من أكثر بلدان العالم تنوعاً في الثقافات والخلفيات الدينية والقومية وغيرها.
بحسب "المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية"، سوف يتقلص الاقتصاد البريطاني بنسبة 3.6 في المئة بحلول عام 2040، إذا انخفض صافي الهجرة إلى الصفر، مما سيجبر الحكومة على رفع الضرائب لمكافحة عجز أكبر في الموازنة العامة، وبخاصة إذا استمر انخفاض معدلات المواليد في المملكة المتحدة كما هو اليوم.
في هذا السيناريو، يقول الدكتور بنجامين كاسويل، كبير الاقتصاديين في المعهد، إن "الحكومة ستعوض الانكماش بالاقتراض، ويزداد عجز الموازنة بنحو 0.8 في المئة من الناتج المحلي، أو 37 مليار جنيه بحلول 2040"، وهي تقديرات تستند إلى افتراض تتبع الإنفاق الحكومي والضرائب حتى 2030 لتقديرات مكتب المسؤولية المالية.