ملخص
خاطر المخرج السينمائي البريطاني كريستوفر نولان في دخول عالم الشاعر هوميروس في ملحمة "الأوديسة"، لكنه خرج بفيلم ملحمي أيضاً، يحول الأحداث والوقائع الاسطورية إلى مشاهد باهرة، بمداها البصري وبعدها الأسطوري.
كان نجاح فيلم "أوبنهايمر" لكريستوفر نولان استثنائياً. بدا أن المخرج الإنجليزي قد استقر على طريقه وصوته، حين حقق فيلماً كبيراً بمواصفات صناعة السينما، يحكي قصة إنسانية حساسة عن صانع القنبلة الذرية، لكن والأهم عما أحدثه الاختراع في مفهوم الحروب، من تبعات ما زلنا نعيشها. هكذا حين أعلن تبني نولان لمشروع إعادة تقديم ملحمة الأوديسة في فيلم سينمائي جديد، هي التي قدمت في أفلام سينمائية من قبل، فجّر الخبر- ونولان طبعاً يحب التفجيرات - أسئلة عن دوافع هذا الاختيار. الأوديسة التي تتحدث عن علاقة البشر بالآلهة، الملحمة الأسطورية هي وشقيقتها الإلياذة، لشاعرهما هوميروس، أسستا الأدب الإغريقي تقريباً كما نعرفه.
ما الذي يريد نولان أن يقوله عبر عالم ملحمي على الورق، لكن وحوشه إذ تتجسد على شاشة السينما، قد تبدو سخيفة طفولية، أو فات حتى أوانها؟
الإجابة الأولية ربما أن نولان يطمع أن يزيد في مجده، بالاستعارة من مجد هوميروس. الأوديسة، وهي الأقيم أدبياً من الإلياذة، في صورتها السينمائية اليوم، وبتقنية آيماكس، فضلاً عما توصلت إليه أحدث التقنيات عموماً، ستكون أكثر من أخّاذة بصرياً وسمعياً. لا يفتقد نولان الحرفة، ولا الجرأة. لقد صمم تفجيراً حقيقياً وهو يصوِّر "أوبنهايمر"، ولن يبخل على إخراجه للأوديسة بأي جنون إجرائي، في سبيل الوصول إلى أفخم وأوقع صورة. غير أن السؤال لا يتعلق بالصورة فقط.
الأوديسة بالنسبة إلى الكلاسيكيين والدارسين المتخصصين عملٌ ينهض على الالتباس، يمكن تأويله بألف طريقة، ما ضمن الخلود لتحفة أدبية ما برحت تبحث وتدرّس إلى اليوم في جامعات العالم أجمع. ولعلّ هوميروس هذا الشاعر المؤلف ليس شخصاً واحداً أصلاً، بل مجموعة من الشعراء الشفاهيين الذين تناقلوا القصة وأضافوا لها على مرّ السنين كلٌ بحسب ذوقه.
غير أن السينما في تصورها الأميركي على الأقل، عدوة الالتباس، وصناعها يريدون وقائع ثابتة، وشخصيات واضحة حتى في تركيبها، وطبعاً جزاءات قاطعة. الشخصيات في الأوديسة تنطوي على تعقيد أخلاقي كبير، أوديسوس، ملك إيثاكا الذي ينتصر في حرب طروادة شخص ذكي صحيح ومقاتل عتيد، لكنه محتال أساساً. والملك أغاممنون مدين لخدعته في تقديم الحصان هدية لطروادة، وإلا ما انتصر على المدينة وأسقط حصونها. إنه احتيال يرتبط بنوع من خفة الظل. في الملحمة حين يلتقي أوديسوس بوحش العين الواحدة "السيكلوب" يقول إن اسمه "لا أحد"، حتى إذا طعنه أودسيوس أخذ الوحش يصيح "لا أحد طعنني"، وفرّ البطل هارباً.
بطبيعة الحال، سيكون للسيناريست/ المخرج حق طرح ترجمته الخاصة للأوديسة. والترجمة هي اختيار واحد بين احتمالات عديدة. فأي خيار ذاك الذي اهتدى إليه كريستوفر نولان؟
أوديسوس كما رواه نولان
تتناول الأوديسة رحلة تيه أوديسوس بعد الانتصار في طريق عودته إلى إيثاكا. بينما ركزت الإلياذة على التعقيدت السياسية للأعوام الأخيرة في حرب طروادة. ولا يمكن لنولان ألا يقدم مَشاهد حصان طروادة. وإذا شئنا صراحة فهذا أيضاً ما نريد كمشاهدين الفرجة عليه. يخاطب نولان تعلقنا الطفولي بملحمة إن لم نكن قرأناها صغاراً فالأكيد أننا شاهدنا أفلاماً أميركية أخرى عنها، ولو بإبهار على قدر عصرها. نولان نفسه يقول إنه فتن بالملحمة طفلاً، وقرر مبكراً جداً أن يصنع فيلماً عنها.
لكن قبل الحرب، يرسم نولان لبطله أوديسوس (مات ديمون) صورة مثالية لمقاتل منضبط وخيِّر. حين يذهب لاصطياد خنزير فإنه يقرر أن يطلق سهماً تحذيرياً للحيوان قبل الانقضاض عليه، ولو كلفه هذا جرحاً في ساقه، فقط لأنه "يقاتل بشرف". إنها الوسيلة التي يستحوذ بها نولان على تعاطفنا الكامل والمسبق مع أوديسوس. مطبِّقاً هكذا الدرس الأول في الدليل الكلاسيكي لكتابة السيناريو الأميركي "اجعل المتفرج يتعاطف كلياً مع بطلك، ويرتبط به". ما يناقض بالطبع فلسفة ملحمة هوميروس.
الرؤية الأحادية المثالية التي يمكن حتى وصفها بالمتصلبة تمتد إلى بقية السرد الفيلمي. سينخرط في الحرب، لأن أغاممنون هدده بأن ينتزع منه ابنه إن لم يشارك. إلا أنه يعرف أن السبب الحقيقي للحرب ليس استعادة هيلين الزوجة الهاربة بل السيطرة على طرق التجارة (في إسقاط سياسي على ما يبدو!). المشاهد الأولى من الفيلم تجعلنا نصطف مع أوديسوس وجنوده بعد تجربة الاختناق في حصان طروادة، ثم تحقيق هدفهم باختراق حصون المدينة بغير شرف. كأنه فيلم حربي أميركي عادي، يزين التدخل الأميركي في بلاد الآخرين على أنه انحياز للعدل.
نولان كسيناريست يعود بالزمن إلى الوراء (فلاشباك)، ويتقدم إلى الأمام (فلاشفورورد) من أجل صناعة سرد رشيق وجذاب، وفي الوقت نفسه رواية أكبر عدد ممكن من الأحداث التي نحفظها من الأوديسة. من القصر المظلم الجاهز للاشتعال حيث خطّاب بينلوبي (آن هاثاوي) زوجة أوديسوس الآن بعد أكثر أعوام على غيابه. في حضور ابنه قليل الحيلة هزيل البنية تيليماك (توم هالاند في أضعف أداء تقريباً في الفيلم). إلى مشاهد ركوب أوديسوس البحر مع رجاله المنتصرين، وقراره الانفصال عن أسطول أغاممنون، أي بداية المغامرات المشوقة.
مشاهد البحر أقوى في التمثيل والتنفيذ من مشاهد القصر الأولى. وبعيداً من المعارك مع الوحوش الخياليين، يصوِّر نولان في البحر فعلاً وعلى مراكب حقيقية. موسيقى لودفيج غورانسون تضفي على الرحلة لمسة روحية آسرة.
إبهار سينمائي
هكذا يتحقق التدفق السينمائي من مشاهد مقدَّمة بإخراج وتصوير جبّارين، يربطها مونتاج حيوي (جينيفر لام) يقطع لا سيما أثناء رحلة أوديسوس في الأماكن المناسبة تماماً، ويجعلنا متنبهين على الدوام، منتظرين محطة أوديسوس التالية. أما خصوم البطل فهم على الدوام أشرار. على رغم أنه هو وبحّارته، لا يتوقفون عن خرق قانون زيوس (قانون ضيافة الغريب واحترامه، على أساس أنه قد يكون إلهاً متخفياً)، وكما أحرقوا طروادة، يحرقون الجزر التي ينزلون عليها مطالبين بالمؤن والطعام. يبرر أوديسوس أفعاله المعتدية مرة بحزنه على رجاله المفقودين في الرحلة ورغبته في الانتقام لهم، أو بحاجتهم للطعام والشراب. ويستغرب كل مرة، لماذا يخذلهم الحظ، فتارة يتعرضون لوحش العين الواحدة، أو لإغارة العمالقة! وهو تتابع مشهدي مروِع حقاً.
هذا التقسيم للعالم بين أبيض وأسود، يتخلله تتابع لحكاية الساحرة سيرسي (سامنثا مورتن في أحد أجمل الأداءات في الفيلم) التي تحوّل الرجال إلى خنازير، وربما حوّلت آخرين إلى أسود أو إلى نمور، وحتى شقيقتها أضحت غراباً. للمرة الأولى تقريباً في الفيلم، يتمكن نولان من رسم شخصية متناقضة ومركبة حقاً.
حكاية ربما تستحق فيلماً مستقلاً (كرست الكاتبة مادلين ميلر رواية كاملة عن هذه الشخصية). سيرسي لا تغيِّر مَنْ يعتدون عليها، لكنها تردهم إلى أصول طبائعهم. هكذا يمسي تقاطع أوديسوس معها، كاشفاً لمعدن رجاله، لا لمعدنه هو النبيل بالطبع كما شاء له نولان.
ومع الإبهار في مشاهد العواصف، فإن ذروة الجمالية والشعرية في هذا الفيلم، ربما تقع في مكان آخر. في جزء من الرحلة يمرّ أوديسوس على الحوريات المغنيات. يطالب جنوده بسد آذانهم بالشمع، كي لا يسمعوا إنشادهن فيستسلموا ويفقدوا حيواتهم. على أن أوديسوس نفسه، يصغي إلى الغناء وهو مكبل اليدين والقدمين ويصرخ بحرقة. نولان يجعلنا نختبر الغناء، من موقع البحارة المحرومين، عبر كتم الصوت، بينما أوديسوس وحده يصغي وتأكله اللوعة. كان نولان قد طبق الحيلة نفسها لكتم الصوت في مشهد اختبار القنبلة الذرية في "أوبنهايمر"، وكان الصمت مرعباً أكثر. يصف أوديسوس الغناء لاحقاً: "إنه كل ما تمنيته يوماً، وكل ما تمنيت ألا تتمناه". وكأن أجمل مشاهد هذا الفيلم، هي تقريباً الأقل لجوئاً إلى التقنية، وأكثرها تخففاً من ألعاب الحاوي نولان.
صدمة الذنب
في مقابل أداءات عادية لممثلين ليست لديهم مساحة لا زمنية ولا نفسية للتعبير، تضيء هالة الحورية كاليبسو (تشارلز ثيرون في أداء أثيري)، وهي التي يصل إليها أوديسوس وحيداً فتداويه وتحبه لسنوات، ولا يغادر جزيرتها. مع كاليبسو، يبدأ أوديسوس في اكتشاف صدمته، ويروي لها الأجزاء التي يتذكرها من رحلته بعد عكوفه لسنوات على تناول اللوتس المهدئ المساعد على النسيان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هنا فقط يشرع في تذكر الحرب كعمل ليس من أكبر الأعمال إنسانية. وتصبح معضلة أدويسوس هي التغلب على هذا الشعور بالذنب كي يعود إلى بيته إيثاكا. وبالطبع يخالف هذا التفسير من نولان مجدداً أوديسة هوميروس. يريد نولان أن يبث في فيلمه قيم عصرنا، القيم الصورية بالطبع النابذة للحرب والقتل، وهذا يناقض منطق الملحمة من جانب، ويناقض ما سيقترفه أوديسوس نفسه في الفيلم لاحقاً من مذبحة كاملة في حق خطاب زوجته بينلوبي حين يعود إلى قصره.
غير أن حضور بينلوبي يفتح باب الجدل حول تهميش النساء في أوديسة نولان. الشخصيات النسائية هنا مساعدة للبطل أو مغلوب عليها تماماً. المتخصصون في الأوديسة يرون بدورهم أن الملحمة اتسمت بالميسوجينية وأن للمرة الأولى في عمل أدبي خاطب رجلٌ امرأة قائلاً: "اخرسي". في جملة حوارية واحدة تعلِّق بينلوبي على هذا التحيز الجنسي في قانون فيلم الأوديسة، حين تواجه خبل ابنها الوحيد قائلة: "لقد حكمت إيثاكا لعشرين عاماً بكل حكمة وذكاء، لكن العشرين عاماً لا قيمة لها أمام شاربك الذي بدأ ينمو".
وعلى العموم، ليست هذه إشكاليتنا الوحيدة في الفيلم. لأن أوديسة نولان، على محاولاته تجميلها، تظل ذكورية نرجسية تحمل الرؤية الاستعلائية المعتادة. فلو صدقت إرادة نولان في نقد رؤية الأوديسة الدموية، وأراد حقاً أن ينقلب عليها، فلماذا لم يختر لبطله طريق السلام فعلاً كما نصحته كاليبسو قبل أن يغادر جزيرتها: "تخل عن القتال... وعش"؟ إنه التناقض الجوهري في فيلم نولان. أوديسوس في النهاية ليس سوى انعكاس للجندي الأميركي الذي ينحاز لأداء الواجب وينصاع لأوامر قادته في الذهاب للحرب حتى وهو يعرف أنها مجرد ذريعة للاستيلاء على غنائم الآخرين. وإنه يحارب حقاً وبكل شراسة واستباحة للدم، وينتصر.
ثم يعود ليتغنى بالإنسانية وبسلامة ضميره وكروب ما بعد صدماته، يعود ليبشر بالسلام الذي ينبغي أن يعم العالم، والقتال الذي يجب أن يتوقف. أوديسوس نولان يتمايز في صفة وحيدة، فبعد أن تحدى الآلهة بما يكفي في رحلاته، وأدّى ثأره، ها هو يقرر أن يزيحها ويتخذ موقعها، فيوقِّع على نفسه العقاب بالنفي مع زوجته الوفية الحبيبة إلى أجمل بقاع العالم، ويتجه تحديداً إلى الغرب. وكأن أوديسوس أو كريستوفر نولان لا يمكن أن ينتصر إلا مرتين.