ملخص
تتكرر في أفلام كريستوفر نولان هواجس العائلة الغائبة والآباء المنفصلين عن أبنائهم والصراع مع الزمن، لكن "الأوديسة" لا تبدد الغموض الذي يحيط بحياته الخاصة وعلاقاته الأسرية. ومع انفتاح أعماله الحديثة على أسئلة الحرب والسياسة والأخلاق، تبقى محاولة العثور على سيرته داخل أفلامه قائمة على التخمين، في ظل إصراره على أن تتحدث السينما عنه بدلاً من المقابلات.
ماذا نعرف حقاً عن كريستوفر نولان؟ فعلى رغم أن أفلامه ربما تكون الأكثر مشاهدة ونقاشاً بين أعمال أي مخرج في هذا القرن، لا يزال عملاق السينما الجماهيرية البريطاني لغزاً. فكثيراً ما يكشف المخرجون عبر أعمالهم عن أشد جوانب ذواتهم عرياً وخصوصية. وينطبق ذلك على ستيفن سبيلبرغ، الذي صبغ طلاق والديه المضطرب، بطرق مختلفة، كل ما صنعه تقريباً، أو مارتن سكورسيزي، الذي تشكلت أعماله كلها تحت تأثير نشأته الإيطالية الكاثوليكية. لكن نولان، بعد 13 فيلماً، لا يبدو أنه جعلنا أكثر فهماً له. أو بلغة السينما: ما السر الدفين الذي يفسر شخصية نولان وأعماله؟
قد يقدم أحدث أفلام نولان، "الأوديسة"، أوضح نظرة حتى الآن إلى عقل رجل قاوم دائماً القراءات التقليدية القائمة على نظرية "المخرج المؤلف"، وإن لم يكن ذلك يعني كثيراً بالضرورة. فقد قال نولان لمجلة "هوليوود ريبورتر" عام 2015: "كلما عرفت أكثر عن الشخص الذي يصنع الأفلام، قلت قدرتك على الاكتفاء بمشاهدة الأفلام"، مضيفاً: "لا أريد أن أكون حاضراً في أذهان الناس إطلاقاً أثناء مشاهدتهم الأفلام". وبعبارة أخرى، يفضل أن يدع أفلامه تتحدث عنه (لكن كيف يمكن سماع ما تقوله أفلامه، وحواراتها كثيراً ما تضيع وسط الموسيقى والمؤثرات الصوتية الصاخبة؟)
يقتبس فيلم "الأوديسة" الملحمة اليونانية الكلاسيكية، ويؤدي فيه مات ديمون دور بطل الحرب أوديسيوس، الذي يخوض رحلة طويلة وشاقة عائداً إلى إيثاكا، إذ زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنه تيليماخوس (الذي يؤدي دوره توم هولاند بأداء جاد، بعيداً هذه المرة من الحماسة الساذجة والاندهاش الدائم اللذين يطبعان شخصيته في أفلام "سبايدرمان"). وفي مجمل أعمال نولان، غالباً ما يتجلى حضور العائلة من خلال غيابها. فالزوجات الراحلات كثيرات في "تذكار"Memento و"ذا بريستيج" The Prestige و"استهلال" Inception و"بين النجوم" Interstellar. وفي ثلاثية "فارس الظلام"، يترك موت والدي باتمان منذ زمن فراغاً، فيتقدم خادمه الفطن، الذي يؤدي دوره مايكل كين، ليكون أباً بديلاً. ويفصل نولان مراراً الآباء عن أبنائهم، سواء بمنفى يفرضه القانون، كما في حال كوب الذي يؤدي دوره ليوناردو دي كابريو في "استهلال"، أو باستكشاف فضائي يمتد عقوداً، كما في حال كوبر الذي يؤديه ماثيو ماكونهي في "بين النجوم". وبهذا المعنى، يعيد "الأوديسة" صياغة قصة رواها نولان مرات عدة من قبل.
ومع ذلك، يظل ما تقوله هذه الأنماط عن نفسية نولان أقل وضوحاً. ويعتقد على نطاق واسع أن مخرجين مثل ويس أندرسون وبول توماس أندرسون جعلوا العلاقات المضطربة مع الوالدين، أو ما يسمى "الآباء السيئين"، هاجساً متكرراً في أعمالهم لاستكشاف طفولاتهم المشحونة بالتوتر. وبسبب إحجام نولان عن الحديث عن حياته الخاصة في المقابلات، لا نعرف كثيراً عن طفولته، لكن ما نعرفه لا يوحي بقصة نشأة صادمة. فوالدته كريستين أميركية عملت مضيفة طيران ومعلمة، أما والده بريندن، الذي توفي عام 2009، فكان مسؤولاً تنفيذياً بريطانياً في مجال الإعلان، وكان أيضاً، بحسب جميع الروايات، أباً محباً وداعماً. وكان تشجيعه هو الذي وجه نولان وشقيقه الأصغر جوناثان نحو العمل في السينما، إذ اصطحبهما في سن مبكرة لمشاهدة أفلام مثل "حرب النجوم" و"2001: أوديسة الفضاء"، ثم زودهما بكاميرا ليجربا صناعة الأفلام وهما طفلان.
ونولان نفسه أب لأربعة أبناء، باتوا جميعاً شباباً، وقد يغري ذلك بقراءة أعماله، لا من خلال طفولته، بل من خلال أبوته الراهنة. فعند مشاهدة "الأوديسة"، قد تفترض أنه يجد نفسه أقرب إلى أوديسيوس، رب الأسرة المثقل بالمحن، منه إلى تيليماخوس. فكلاهما رجل في موقع قيادة: أوديسيوس يقود الجيش اليوناني، ونولان يقود طاقماً سينمائياً يضم مئات الأشخاص، وكلاهما تفرض عليه واجباته المهنية الابتعاد من أسرته، وكلاهما يخوض حرباً مع الزمن. لكن حتى هذه القراءة قد تبسط الأمور أكثر مما ينبغي، فالعمل لم ينتزع نولان من أسرته في الحقيقة، بل يبدو، على نحو متزايد، أن العكس هو الصحيح. فزوجته إيما توماس منتجة تعاونت معه في كل أفلامه، وعمل أبناؤه جميعاً خلف الكواليس في "الأوديسة"، وبذلك لم يضطر نولان، خلافاً لأوديسيوس، إلى ترك عائلته وراءه.
لكن ثمة علاقة عائلية رئيسة أخرى في حياة نولان، وهنا تصبح الأمور أكثر إثارة. فنولان واحد من ثلاثة أشقاء. الأصغر، جوناثان، كاتب سيناريو ومنتج شارك في عدد من أفلامه، أما شقيقه الأكبر فلا يعمل في مجال السينما. فقد اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي ماثيو نولان، الأقرب عمراً إلى كريس والمقيم في الولايات المتحدة، عام 2009، بعدما سعت سلطات كوستاريكا إلى تسليمه بتهمة قتل (وادعت إحدى وثائق المحكمة أنه كان قاتلاً مأجوراً). ونفى ماثيو ذلك، وخلص قاض فيدرالي أميركي إلى أن ادعاء "القاتل المأجور" يفتقر إلى الأدلة، فرفض تسليمه، لكنه حُكم عليه مع ذلك بالسجن بعد محاولته الفرار من سجن في شيكاغو. ولم يتحدث أي من شقيقيه علناً عن القضية قط.
وأشار تقرير نشرته صحيفة "تايمز" عام 2010 إلى أن ماثيو، الذي قيل إنه الأكثر حضوراً وجاذبية بين الإخوة الثلاثة، "كان ربما المرشح المتوقع لأن يصبح صانع الأفلام الناجح"، وأنه شارك كريس مغامراتهما الطفولية في صناعة الأفلام. وأضاف التقرير أن الشقيقين "تباعدا بمرور الأعوام، وأصبح كريس وجونا الآن صديقين وشريكين في العمل، على رغم فارق العمر الأكبر بينهما".
وعلى رغم صمت نولان التام حيال شقيقه، يصعب ألا نتساءل كيف طبع هذا الجانب الغريب، والمؤثر على الأرجح، من تاريخ عائلته أعماله. فهل يحمل تكرار فكرة الجريمة العابرة للحدود في أفلامه دلالة ما؟ تعيش شخصيات عدة لديه حيوات مزدوجة، وبعضها هارب من القانون. ومن بين الادعاءات التي برزت في التقارير المتعلقة بماثيو أنه استخدم الاسم المستعار "ماثيو ماكول أوبنهايمر"، في محاولة للإيحاء بانتمائه إلى عائلة نافذة في تجارة الألماس. أما الصلة بفيلم كريستوفر نولان "أوبنهايمر" الصادر عام 2023، فهي مصادفة بالتأكيد، لكنها مصادفة تثير الاستغراب حتماً.
في نهاية المطاف، كل ما يتعلق بهذه الأصداء في مجمل أعمال نولان ليس سوى تخمين، ومحاولة لإيجاد خيط يجمع بينها، كما لو كنا نحدق في إحدى صور "العين السحرية" بحثاً عن شكل خفي. لكن يظل لافتاً إلى أن مخرجاً نشأ بين شقيقين لافتين كهذين يُحجم إلى هذا الحد عن استكشاف علاقات الإخوة على الشاشة. ولعل هذا الاختيار نفسه يقول شيئاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد نخلص إلى أن نولان ببساطة لا يريد أن يجعل أفلامه شخصية. فهي، في النهاية، أعمال ترفيه جماهيري. لكن، كما قال المخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيليني ذات مرة، كل فن سيرة ذاتية. ومن بعض الوجوه، منحنا "الأوديسة" وسابقه "أوبنهايمر" أوضح صورة حتى الآن لعقل نولان، فهما فيلمان مشحونان بالغضب السياسي، ويكشفان فناناً يصارع الثقل الأخلاقي للحرب والسياسة الخارجية (أما النقاشات حول ما إذا كانت أفلام نولان تنطوي على نزعة يمينية مبطنة، والتي بلغت ذروتها في زمن "دنكيرك"، فقد تلاشت إلى حد كبير).
لكن فيما بدأ نولان يكشف عن نفسه سياسياً، ظلت حياته الشخصية لغزاً. وربما يواجهها يوماً بصورة مباشرة، كما فعل سبيلبرغ في فيلم "آل فابلمان"، تحفته السينمائية ذات الطابع الاعترافي، التي أنجزها في مرحلة متقدمة من مسيرته وكانت بمثابة مفتاح لفهم جانب كبير من أعماله. وربما لا يفعل. لكن مع كل فيلم، يتضح أكثر أن نولان مخرج ومؤلف كبير، ولا يمكن اختزال أفلامه في مجرد تسلية عابرة. فأن ينقب الناس في أفلامه بحثاً عن كشف شخصي، أو أن يكون نولان، بحسب عبارته، "حاضراً في أذهانهم وهم يشاهدون الأفلام"، ليس سوى تعامل مع أعماله بالجدية التي تستحقها، سواء أعجبه ذلك أم لا.
يعرض فيلم "الأوديسة" الآن في دور السينما البريطانية.
© The Independent