Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد تكرار الحرائق... بيوت المصريين في اختبار السلامة

في وقت غزت فيه الأجهزة الكهربائية المنازل مع تغيرات المناخ القاسية فإن الغالبية لا تزال تتجاهل اقتناء أدوات الإنقاذ السريع مثل طفايات الحريق وأجهزة كشف الغاز

شهدت مصر في الأيام الأخيرة حرائق منزلية مروعة عدة، ومما زاد من حدة تأثيرها هو أن بعضها جرى تداول مشاهد قاسية منه (أ ف ب)

ملخص

بعد تعدد الحرائق وحوادث الاختناق في مصر أخيراً، وهي حوادث كان يمكن تجنبها لو كانت البيوت مؤمنة بوسائل السلامة، مثل أجهزة كشف تسرب الغاز، وطفايات الحريق، وغيرها من سبل الإنقاذ السريع التي تجنب العائلات كوارث مأسوية تذهب ضحيتها الأرواح، لماذا لم تعد وسائل السلامة المنزلية أولوية، بخاصة في ظل التغييرات المناخية والارتفاع المذهل في درجات الحرارة؟.

ظهرت المحامية المصرية ناهد أبو القمصان أخيراً وهي تمسك بيدها العداد الكهربائي الخاص بمنزلها في الساحل الشمالي بمصر بعد أن تلف تماماً إثر تعرضه للاحتراق، كانت تتساءل باستنكار عن السبب الذي جعل جهازاً جيداً غالي الثمن يستعمل بحكمة ووعي يوشك أن يتسبب في كارثة كبرى، إذ تمكنت من السيطرة على الحريق قبل أن يتفاقم، في الفيديو الذي انتشر ومعه حفنة معتبرة من الاستفسارات، ومن الدعوات إلى تشديد قواعد السلامة في البيوت، حيث لا يزال العداد في لجنة الفحص الفني، ولم يكشف عن سبب تلفه المفاجئ حتى الآن.

تبع تلك الواقعة مباشرة نقاش عن أسباب تعدد الحرائق أخيراً في منازل المصريين التي يعتبر استهلاكها في الطاقة محدوداً مهما كان، مقارنة بالمؤسسات التجارية على سبيل المثال، واستدعى هذا النقاش تذكر الوقائع المريرة التي جرت أخيراً، إذ سجلت الكاميرات مشاهد مرعبة لعائلات كانت تستيقظ بينما النيران تأكل أجسادها على الهواء مباشرة، وتعذر إنقاذها سواء لتأخر طلب الحماية المدنية، أم صعوبة الوصول، أم عدم تمكن الجيران من القيام بدورهم الإنقاذي، بسبب ارتفاع الطوابق أو غيرها من الأمور.

الحرائق والصيف يتلازمان دوماً، لكن الأمر كان أقل حدوثاً في البيوت، إذ يتعامل غالب السكان بحكمة في مسألة الطاقة، ويفضلون تشغيل مكيف واحد أو اثنين على الأكثر على وضع التوفير تجنباً لدفع مبالغ باهظة للاستهلاك، فهل الحرارة باتت أكثر مما تتحمله المواد المصنع منها الأجهزة المنزلية بصورة عامة، أم المشكلة تكمن في تجهيزات الكهرباء نفسها من أسلاك وعدادات وخلافه.

وفي طريق البحث عن الأسباب يجب أيضاً التفتيش جنباً إلى جنب عن وسائل الحماية، ولماذا تغيب قواعد السلامة المنزلية عن خطط الأسر المصرية، لا سيما أن هناك موسماً متكرراً أيضاً من اختناقات الغاز المنزلي القاتلة التي كان يمكن تفادي كثير منها إذا كانت ثقافة اقتناء أجهزة الكشف عن أول أكسيد الكربون أساسية وإجبارية، فحتى صندوق الإسعافات الأولية البسيط الذي يضمن التعامل الأمثل مع الحوادث الطارئة انتظاراً لوصول الرعاية الطبية المتخصصة لم يعد له الحضور القديم نفسه في البيوت، الأمر بات بحاجة إلى حملات توعية عاجلة على ما يبدو في ظل التغييرات المناخية الطاحنة ودرجات الحرارة القياسية التي تودي بحياة الأجهزة الكهربائية فتلتهم بنيرانها الأرواح.

ضحايا الحرائق وقلة الوعي

شهدت مصر في الأيام الأخيرة حرائق منزلية مروعة عدة، ومما زاد من حدة تأثيرها هو أن بعضها جرى تداول مشاهد قاسية منه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ فشل الجيران في إنقاذ المتضررين بسبب صعوبة الوصول إليهم، نظراً إلى أنهم يسكنون في أدوار مرتفعة، وتعالت الاستغاثات اليائسة التي جعلت بعض الضحايا يقفزون هرباً من النيران إلى الأسفل على رغم العواقب الوخيمة، في حين لقي خمسة من أسرة واحدة مصرعهم دفعة واحدة نتيجة حريق آخر، وثالث ذهب ضحيته مسن وجد صعوبة في الخروج من المنزل في أثناء الحريق.

 

في بعض الأوقات مهما كانت سرعة فريق الحماية المدنية، فما دام لم يحدث تحرك لمواجهة النيران في الدقائق الأولى فإن فرص النجاة تتضاءل. الحوادث المتتالية وقعت في مناطق متفرقة بين الجيزة ومصر الجديدة والسادس من أكتوبر، إضافة إلى جنوب البلاد، ومنطقة منشأة ناصر حيث التهمت النيران ثلاثة منازل تأثراً بحريق هائل في ورشة أخشاب، وهي الواقعة التي أسفرت عن وفاة خمسة من أفراد الحماية المدنية خلال أدائهم واجبهم. وقد تنوعت الأسباب ما بين نيران مباشرة أو ماس كهربائي أو حرائق للأجهزة الكهربائية مثل التكييفات، نتيجة ارتفاع الأحمال.

من جهتها تعتقد الدكتورة هدى شعبان، أستاذ الاقتصاد المنزلي وعضو وحدة إدارة الأزمات والكوارث، بجامعة العاصمة، أنه آن أوان القيام بحملة قومية واسعة لنشر الوعي في شأن الإسعافات الأولية خلال التعرض للحوادث المنزلية، سواء الاختناق بالغاز أم التعامل مع شرارات الحريق الأولية، أو التعرض للسقوط وغيره. لافتة إلى أن الأمر أصبح أكثر خطورة نتيجة للتغيرات المناخية التي جعلت الصيف شديد الحرارة مقارنة بالسنوات الماضية، وأيضاً لأن البيوت المصرية أصبحت تمتلئ بأجهزة كهربائية لم تكن موجودة من قبل، بينها على سبيل المثال غسالات الملابس والأطباق والثلاجات والميكرويف والفرن الكهربائي والقلاية الكهربائية والتكييفات والمراوح ومبرد المياه وغلاية المياه والسخانات.

قنابل موقوتة  

ثم تابعت "وقبل كل ذلك الهواتف المحمولة التي تعتبر قنابل موقتة في المنازل، إذ تنسى على الشاحن طوال الليل فتنفجر وتسبب اشتعالات، ومن أبرز عناصر السلامة المنزلية التي يمكن أن تجنب البيوت كوارث حقيقية، هو أن تكون لوحة الكهرباء تعمل بنظام الفصل التلقائي، وفي حال حدث أي خلل تتوقف، وكذلك وجود طفاية حريق تعمل بالمسحوق الأبيض، ويجب ألا تقل عن 10 كيلوغرامات، وبخصوص التدريب عليها فكثير من المؤسسات المعنية بالسلامة توفر تلك التدريبات من دون مقابل، إضافة إلى الاستعانة بأجهزة كواشف الأدخنة، وأيضاً أجهزة لكشف مستويات أول أكسيد الكربون الذي يسببه تسرب الغاز الكهربائي، كما ننصح أيضاً بضرورة وجود سلم الإنقاذ السريع سهل الاستعمال وأيضاً بطانية إطفاء اللهب وهي جميعها أدوات يمكن شراؤها بسهولة، والحقيقة أن بعضهم قد يرى تلك الأمور من الرفاهيات، لكن على العكس هي أمور باتت أساسية في كل بيت في ظل تغير الظروف والطقس وأسلوب الحياة بصورة عامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفقاً لأحدث تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن عدد الحرائق في مصر قد تجاوز 51 ألف حريق العام الماضي بزيادة تقترب من تسعة في المئة مقارنة بعام 2024، والتقرير نفسه أشار إلى أن هناك انخفاضاً في أعداد الوفيات الناتجة عن تلك الحوادث بنسبة 22.4 في المئة، وأرجع التقرير السبب إلى التحسن الملاحظ في سرعة استجابة الحماية المدنية للبلاغات، وتشير الإحصاءات أيضاً أن الماس الكهربائي يأتي في المركز الثاني في ما يتعلق بأسباب تلك الحرائق، إذ كان أيضاً وراء الحريق المفجع بسنترال رمسيس للاتصالات العام الماضي، إذ شلت الخدمات الإلكترونية في البلاد نتيجة التضرر الكبير لشبكات الاتصالات، كما راح ضحيته أربعة موظفين إضافة إلى 27 مصاباً.

صندوق الإسعافات الأولية لم يعد كافياً

وإذا كان الصيف هو الموسم الأكبر لحوادث الحرائق، فإن الشتاء يأتي وتأتي معه حوادث القاتل الصامت، أي التسمم بالغاز، وتشير الإحصاءات إلى أن هناك ما يقرب من 350 ضحية جراء اختناقات الغاز خلال العام الماضي، إذ يجري التعامل مع أجهزة التدفئة التي تعمل بالغاز بصورة خاطئة، وكذلك أجهزة تسخين المياه، مع غياب وسائل التهوية بسبب برودة الطقس، ومصدر الخطورة الأكبر هو عدم وجود أية رائحة لغاز المنازل، بالتالي إذا لم يكن هناك جهاز إنذاري للتحذير من تحميل الهواء بأول أكسيد الكربون فإن فرص الإنقاذ تتضاءل تماماً. كما يعتبر المطبخ أحد أكبر مصادر الخطورة في المنزل، إذ توجد به أجهزة كهربائية متعددة بجوارها مياه ومصدراً للغاز، وأيضاً نيران الطهو، ووفقاً للتدوينات المتعددة التي تنشرها مستشفيات الحروق فعشرات الحالات تعاني الأمرين نتيجة التعامل الخاطئ مع حوادث انسكاب المياه المغلية على الأجساد أو التعرض للزيوت المشتعلة، كما أن عادة ترك وصلات كهرباء الأجهزة على مدار الساعة مثل غلاية المياه تسبب بدورها في شرز يمكن أن يتحول إلى حريق بسهولة في ظل ارتفاع درجة حرارة المطبخ.

 

هنا يشدد المهندس عادل عبدالمنعم، الذي يعمل في وحدة طوارئ الكهرباء، على أن غالبية الحوادث التي يبلغ عنها أخيراً تعود لمثل تلك السلوكيات مع عدم وجود أية وسائل حماية وسلامة، مشيراً إلى أن بعضهم عوضاً عن استعمال طفاية الحريق يستعمل المياه فتزيد الكارثة بسبب اتساع مساحة الماس الكهربائي الذي يؤدي إلى الوفاة بدوره حتى لو لم يكن هناك حريق، مضيفاً أن التعامل مع حوادث المنزل في هذه الأيام بصورة عامة لم يعد بحاجة فقط إلى صندوق الإسعافات الأولية البدائي الذي يتضمن وسائل تطهير وضمادات قطنية، بل يجب أن يكون بها وسائل إنقاذ حقيقية، وأن يجيد أفراد الأسرة التعامل معها سريعاً لحين وصول المتخصصين، مشيراً إلى أنه من واقع خبرته وتعامله يومياً يرى أن غالبية العائلات تفتقد لأبسط المعلومات وكذلك الأدوات في ما يتعلق بالتصدي للحوادث الطارئة بالمنازل.

تتضمن وحدات الإنقاذ في الحوادث المنزلية عادة فريقاً مكوناً من طوارئ الكهرباء والنجدة والحماية المدنية والإسعاف وطوارئ الغاز، ويلفت المهندس عادل عبدالمنعم النظر إلى أنه مهما كانت الفترة قصيرة بين توقيت البلاغ وموعد الوصول فإن الدقائق الأولى قد تكون حاسمة في مسألة الحد من الخسائر إذا جرى التعامل معها بصورة صحيحة، مشيراً إلى أن هناك إهمالاً كبيراً في بند السلامة المنزلي بصورة عامة بين كل الفئات.

وسائل بسيطة تنقذ الأرواح

ويتابع "لا يوجد اهتمام بالاستعانة بفني الكهرباء للكشف الدوري على الأجهزة والأسلاك وعدادات الكهرباء، كذلك بعضهم يلجأ للعدادات الرخيصة ذات الأحمال الضعيفة على رغم أنها قد لا تلائم طبيعة منزله الذي يتضمن أجهزة كثيرة، بخاصة بعد انتشار مكيفات الهواء في المنازل مقارنة بأعوام سابقة، كما أن الأسلاك نفسها قد تكون ضعيفة وقديمة وبحاجة إلى التغيير، أو غير أصلية، والكارثة المتكررة كذلك أن بعض العائلات تقوم بعمل شكل ديكوري مثل الإطارات الخشبية والقماشية لتخفي العداد، ولهذا يكون من الصعب اكتشاف أي شرارات بسيطة أو سخونة، وهي أمور كان يمكن السيطرة عليها في بدايتها، لكن حيثما تكون مخفية ففرص وقوع الحرائق تزداد، بخاصة في المواد التي يجري استعمالها للتغطية، وهي مواد قابلة للاشتعال".

بينما تشير الدكتورة هدى شعبان، نائب مدير وحدة ضمان الجودة بجامعة العاصمة، إلى أنه حتى صندوق الإسعافات الأولية التقليدي لم يعد موجوداً بصورة أساسية في البيوت المصرية مثلما كان في السابق. داعية إلى إعطاء الأولوية لتعلم بعض المبادئ التي قد تنقذ الأرواح سواء التعامل مع الشعور بضيق التنفس أم الحرائق والاختناقات والجروح والكسور، إذ ينبغي التصرف بطريقة صحيحة وبصورة سريعة، وحتى طرق الإخلاء السريع ينبغي معرفتها.

وتواصل أستاذ الاقتصاد المنزلي، "الحياة تغيرت، وينبغي أن تتغير معها وسائل الحماية المتبعة، فالشوارع باتت أكثر ازدحاماً والمباني ذات ارتفاعات شاهقة مع مساحات شقق ضيقة، بالتالي فقد لا تصل الاستغاثة إلى الجيران أصلاً، إضافة إلى أن غالبية النوافذ باتت محاطة بأسلاك وشبكات حديدية، مما يصعب عملية الوصول، كما أنه في أوقات كثيرة يوجد الأب والأم خارج المنزل بحكم ظروف عملهما، ويتركان الأبناء بمفردهم، ولهذا من الأفضل أن يتدرب جميع أفراد الأسرة على سبل الإنقاذ وعلى استعمال وسائل الحماية، وأن تهتم البنايات بتوافر أجهزة الإطفاء سهلة الاستعمال في كل دور، بل إن يكون هذا بنداً إجبارياً ملزماً، وأن يجري فحصها كل فترة لضمان عدم فسادها".

المزيد من تحقيقات ومطولات