ملخص
أعاد اتفاق التهدئة الأميركي - الإيراني الحديث عن عودة طهران إلى سوق النفط العالمية، لكن تراجع صادراتها وتدهور قطاع الطاقة والعقوبات الممتدة يحدان من استعادة دورها سريعاً داخل "أوبك+" على رغم امتلاكها احتياطات ضخمة وتحسن علاقاتها مع السعودية وروسيا.
مع توقيع مذكرة التفاهم لوقف الحرب بين أميركا وإيران لمدة 60 يوماً، يجري خلالها التفاوض بين الطرفين حول اتفاق نهائي، ساد التفاؤل كافة الأسواق حول العالم، خصوصاً أسواق الطاقة، وفي اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية، بدأت الناقلات عبور مضيق هرمز، وعادت أسعار النفط إلى نطاق 80 دولاراً للبرميل.
مع ذلك، حين تأجلت أولى جلسات المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، عاد القلق إلى الأسواق بنهاية الأسبوع، فضلاً عن أن شركات الشحن البحري ما زالت ترى أن عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي عبر المضيق، الذي يمر منه تقليدياً نحو 20 في المئة من النفط العالمي، لن تكون سريعة.
إلا أن ذلك لم يمنع التحليلات والتعليقات حول مستقبل عودة إيران إلى سوق النفط العالمية، ما إن يتم التوصل إلى اتفاق ويبدأ رفع العقوبات عن طهران، على رغم أن الصراع الذي استمر أكثر من ثلاثة أشهر أدى إلى تغيرات عملية في مجال الطاقة وخريطة سوق النفط العالمية.
فالدول الآسيوية، وفي مقدمها الصين والهند، التي كانت تستورد النفط من إيران حتى في ظل العقوبات، بدأت تعتمد على مصادر أخرى، خصوصاً أن الحصار العسكري الأميركي على الموانئ الإيرانية في الأسابيع الأخيرة أدى إلى تراجع صادرات إيران إلى نحو 200 ألف برميل يومياً، بعدما كانت في حدود 1.5 مليون برميل يومياً في الأسابيع السابقة على الحصار.
إيران و"أوبك"
كانت إيران من بين الدول المؤسسة لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" عام 1960 مع السعودية والعراق وفنزويلا وغيرها.
وأدت إيران دوراً مهماً مع السعودية في موقف "أوبك" خلال الحرب الإسرائيلية – العربية عام 1973، لكن تأثير طهران في المنظمة وصل إلى حال من الضعف، أقرب إلى الاختفاء، مع حصارها اقتصادياً وتصاعد العقوبات التي أضرت بشدة بقطاع الطاقة فيها خلال السنوات الماضية.
بعد الاتفاق النووي لعام 2015، اتفقت "أوبك" على حصة إنتاج خاصة لإيران في سقف الإنتاج، لتتمكن من زيادة صادراتها النفطية، وحين انسحبت أميركا من الاتفاق عام 2018، في فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى، خرجت إيران من نظام حصص الإنتاج، مثلها مثل ليبيا وفنزويلا اللتين كانتا تعانيان حصاراً أضر بقطاع الطاقة فيهما.
وخلال كل تلك السنوات، لم تصل إيران إلى حصتها السابقة ضمن ترتيبات "أوبك"، بالتالي لم تكن الأسواق تحسب حساب إنتاجها أو صادراتها في تقييم وضع السوق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحين اتفقت "أوبك" مع منتجين من خارجها، تتقدمهم روسيا، عام 2016، فيما أصبح يعرف بتحالف "أوبك+"، لم يكن لإيران دور مهم في سياسة التحالف لضمان توازن العرض والطلب في سوق النفط العالمية.
في هذا الوقت، تراجع أيضاً إنتاج فنزويلا وتأثيرها داخل "أوبك" وفي تحالف "أوبك+"، الذي تقوده عملياً السعودية وروسيا، ومع حرب أوكرانيا قبل أربعة أعوام، أصبح العبء الأكبر في الحفاظ على توازن سوق النفط العالمية على عاتق السعودية في الغالب .
وفي تقرير لشركة "أس أند بي غلوبال" العام الماضي، جرى تفصيل تراجع دور إيران في "أوبك" نتيجة تدهور قطاعها النفطي بسبب العقوبات وغياب أعمال الصيانة والتطوير، إضافة إلى أن استمرار الحصار على إيران أدى إلى تدهور نصيبها تماماً من سوق النفط العالمية.
احتمالات العودة
على رغم تضرر بعض منشآت البنية التحتية لقطاع الطاقة في القصف الإسرائيلي والأميركي لإيران منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، فإن قطاع الطاقة الإيراني لا يزال قادراً على الإنتاج.
فعلى رغم عقود من العقوبات وتدهور صناعة الطاقة في البلاد، حافظت إيران على إنتاج ما بين 3.5 و4 مليون برميل يومياً، يستهلك نحو نصفها محلياً والبقية للتصدير.
وتأتي إيران في المرتبة الثالثة عالمياً، بعد فنزويلا والسعودية، من حيث احتياطات النفط المثبتة، التي تصل إلى 209 مليارات برميل.
وتمثل تلك الاحتياطات نسبة 12 في المئة من الاحتياطات النفطية العالمية، ونحو ربع الاحتياطات في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى أن لدى إيران ثاني أكبر احتياط غاز طبيعي في العالم، يقدر بنحو 34 تريليون متر مكعب.
ويظل الوقت مبكراً للحديث عن احتمالات عودة إيران كعضو فاعل في منظمة "أوبك"، إذ إنه حتى إذا توصل إلى اتفاق نهائي مع أميركا، فإن إعادة تأهيل قطاع الطاقة الإيراني تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات وإلى وقت طويل قبل أن يدخل إنتاجها السوق بقوة، بالتالي ستظل معفاة من نظام حصص الإنتاج حتى ذلك الحين، فضلاً عن أن ما تضمنته مذكرة التفاهم من حديث عن استثمارات بنحو 300 مليار دولار لإعادة البناء في إيران بعد الحرب، يظل في نطاق الوعود التي لا يعرف كيف يمكن تحقيقها، بحسب رأي كثير من المحللين. وحتى إذا تدفقت تلك الاستثمارات، ومعظمها سيكون بالطبع موجهاً لقطاع الطاقة، فإن عملية إعادة التأهيل لزيادة الإنتاج والتصدير قد تستغرق سنوات.
لكن ذلك لم يمنع البعض من محاولة استشراف المستقبل في شأن عودة إيران كعضو فاعل ومؤثر في "أوبك" وتحالف "أوبك+"، مما يفتح الباب واسعاً أمام تعزيز التعاون بين طهران والرياض، خصوصاً في مجال سياسات الطاقة وضمن "أوبك" والتحالف، بحسب بعض المعلقين المعنيين بشؤون سوق الطاقة العالمية.
ويتوقف كل ذلك، طبعاً، على ما ستسفر عنه المفاوضات بين طهران وواشنطن خلال الشهرين المقبلين، وصورة الاتفاق النهائي التي تضمن لإيران تطوير قطاع النفط والغاز وزيادة الإنتاج والتصدير.