ملخص
على رغم التحولات التي حدثت في مجال الطاقة العالمي في الأعوام الأخيرة فإن العالم أصبح بحاجة أكثر لمثل هذا التحالف بين "أوبك" وشركائها لضمان ذلك الاستقرار في السوق كما أثبت الواقع الفعلي من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران.
كلما شهدت أسواق الطاقة أزمة من أي نوع عاد الحديث بقوة عن منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وتصبح هدفاً لانتقادات في الغالبية من الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة. بغض النظر عن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منذ فترة رئاسته الأولى، وهجومه اللاذع ضد "أوبك" فإن الموقف المتذبذب من المنظمة يعود إلى عقود حتى قبل أزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي.
مع الحرب الأخيرة على إيران وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر منه خمس (نسبة 20 في المئة) النفط العالمي تجدد الحديث عن "أوبك" ودورها في سوق الطاقة العالمي، وبصورة أوسع عن تحالف "أوبك+" الذي يضم دول "أوبك" وعدداً مماثلاً تقريباً للمنتجين من خارج المنظمة.
ذلك على رغم الدور المهم الذي لعبه تحالف "أوبك+" في الحفاظ على استقرار السوق مع تذبذب الأسعار بشدة خلال الحرب حين ارتفع سعر خام "برنت" القياسي إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل، فقد كان لزيادة الإنتاج من قبل دول التحالف دور في الحفاظ على استقرار معادلة العرض والطلب مع تعطل التصدير عبر الخليج.
لكن ذلك لم يوقف سيل التحليلات والتعليقات التي تتناول مستقبل "أوبك" وتحالف "أوبك+"، بخاصة في ظل ما يشار إليه في غالبية التعليقات من سعي الإدارة الأميركية إلى النيل من دور المنظمة والتحالف في سوق الطاقة العالمية ورغبة ترمب في أن تصبح أميركا "قائدة" قطاع الطاقة في العالم.
خلفية "أوبك" وتحالفاتها
منذ تأسيسها عام 1960 تؤكد "أوبك" أن دورها في حماية مصالح الدول الأعضاء لا يعني أبداً التحكم في أسعار النفط العالمية بقدر ما يستهدف استقرار السوق والحيلولة دون التذبذبات الخطرة في الأسواق والتي تنجم غالباً عن مضاربات المتعاملين في السوق. وفي كل الأزمات السابقة كان دور "أوبك" محورياً في ضمان أمن الطاقة من خلال توازن العرض والطلب في السوق العالمية.
في يونيو (حزيران) 2014 هوت أسعار النفط بشدة وثارت تكهنات كثيرة حول مستقبل منظمة "أوبك" ودورها في سوق الطاقة العالمية، بل كتب البعض وقتها أن "أوبك" انتهى دورها وأنها لن تستمر، لكن الأعضاء الكبار في المنظمة أكدوا أنها باقية ولا غنى عنها، بل إن تحالف "أوبك+" الذي يضم الآن أكثر من 20 دولة منتجة ومصدرة للنفط في مقدمها السعودية من "أوبك"، وروسيا من خارجها أصبح هو الضامن الأساس حالياً لاستقرار السوق.
استغرق الأمر عامين من 2014 إلى 2016 حتى اتفقت "أوبك" مع شركائها على تنسيق جهود ضبط توازن السوق وتحديد الإنتاج بما يحفظ تلبية العرض للطلب العالمي من دون فائض معروض كبير يهوي بالأسعار، وأعلن اتفاق التعاون في بداية 2017.
جرى التوصل إلى الميثاق الرسمي لاتفاق "أوبك" وشركائها ضمن تحالف "أوبك+" في اجتماع بفيينا في يوليو (تموز) عام 2019. وبانضمام 10 دول من خارج "أوبك" في هذا التحالف أصبحت تلك الكتلة من الدول المنتجة والمصدرة للنفط تمثل نسبة 40 في المئة من إنتاج النفط العالمي.
جاء القرار الأكبر والأهم لتحالف "أوبك+" في وقت أزمة وباء كورونا حين اتفقت الدول الأعضاء في ربيع عام 2020 على خفض سقف إنتاج المجموعة بنحو 10 ملايين برميل يومياً نتيجة انهيار الطلب العالمي بسبب إغلاق الاقتصادات.
وجنب ذلك العالم وأسواق الطاقة تحديداً أزمة كان يمكن أن تؤدي إلى انهيار كبير، وعلى رغم التحولات التي حدثت في مجال الطاقة العالمي في الأعوام الأخيرة فإن العالم أصبح بحاجة أكثر لمثل هذا التحالف بين "أوبك" وشركائها لضمان ذلك الاستقرار في السوق كما أثبت الواقع الفعلي من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران.
نصيب "أوبك" من السوق
نتيجة زيادة إنتاج الدول من خارج منظمة "أوبك"، تراجع نصيب المنظمة من سوق النفط العالمية في العقود الأخيرة، لكنه يظل الكتلة الحرجة الأهم التي تضمن توازن السوق.
في سبعينيات القرن الماضي كانت الدول الأعضاء في "أوبك" تنتج نصف (نسبة 50 في المئة) النفط في العالم. تراجعت حصة دول "أوبك" إلى نسبة 35 في المئة العام الماضي 2025، ومع توقف نحو نصف الإنتاج الذي يمر عبر مضيق هرمز مع اندلاع حرب إيران وصل نصيب دول "أوبك" من سوق النفط العالمية في مارس (آذار) من هذا العام نحو الربع (نسبة 26 في المئة) من السوق العالمية للنفط.
تستهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب "كسر" تلك الهيمنة لدول "أوبك" وتحالف "أوبك+" لمصلحة هيمنة أميركية على سوق الطاقة العالمية.
في الأعوام الأخيرة ارتفع الإنتاج الأميركي ليصل إلى أكثر من 13 مليون برميل يومياً، كما زاد إنتاج بعض الدول من خارج تحالف "أوبك+" بقدر ضئيل أيضاً.
وعلى رغم أن ذلك جاء على حساب نصيب دول "أوبك" وتحالف "أوبك+" فإن حاجة العالم للمنظمة لضمان استقرار أسواق الطاقة زادت على عكس ما يريد منتقدوها.
في مقال تحليلي الشهر الماضي كتب محلل شؤون الطاقة في وكالة "رويترز" رون بوسو عن احتمال "ندم ترمب على محاولته تدمير أوبك". وأشار إلى أن محاولة واشنطن السيطرة على نفط فنزويلا العضو في "أوبك" والسعي لسيطرة أميركا على سوق النفط لم تحقق ما يريده ترمب حتى الآن. وأوضح بوسو أن إضعاف "أوبك" ليس في مصلحة أميركا، على عكس ما تتصور إدارة ترمب.
وخلص الكاتب في تحليله إلى أنه "من دون إدارة فعالة للسوق من قبل ’أوبك’ فإن أسواق النفط تواجه خطر الاضطراب بشدة وعدم توفر آليات امتصاص الصدمات للتعامل مع أخطار الإنتاج، التي يتوقع أن تكون أكثر تكراراً مع زيادة التوترات الجيوسياسية. ويمنح ذلك للدول المنتجة، بما فيها الولايات المتحدة ذاتها، مزيد من دورات الصعود والهبوط الحاد وارتفاع كلفة التشغيل على شركات النفط وفي النهاية ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين وتذبذبها بشدة".
هناك عدد من المحللين والاقتصاديين يتفقون مع رؤية رون بوسو، على عكس ما يروج له آخرون منذ أكثر من 10 أعوام من أن دور "أوبك" انتهى، بل إن هناك دراسات أميركية أصيلة تؤكد أهمية دور "أوبك" في الحفاظ على استقرار سوق النفط العالمية.
أهمية "أوبك"
في خريف العام قبل الماضي 2024 خلصت ورقة بحثية مقدمة لمجلس محافظي الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي ضمن سلسلة "نقاشات مالية واقتصادية" إلى أن "منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) في غاية الأهمية للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية بخاصة في أوقات الاضطرابات والمضاربات".
اعتمدت الدراسة طريقة تحليل المضمون لبيانات منظمة "أوبك" وما يصدر عنها من رسائل على مدى نحو عقدين منذ مطلع القرن الحالي، مع التركيز على أوقات الأزمات واضطراب الأسواق.
وأخذ النموذج التحليلي في الاعتبار أن منظمة "أوبك"، في رسائلها التي تصدر عنها، تتبع طريقة أقرب لما تقوم به البنوك المركزية، إذ تستهدف تلك الرسائل أصحاب المصلحة والسوق العام بصورة أوسع.
وضع الباحثون معياراً أساساً في تحليل المضمون هو إذا كان المتعاملون في السوق يرون رسائل "أوبك" من خلال بياناتها وتقاريرها وتصريحاتها ذات مصداقية عالية أم لا.
أما مفاتيح تحليل المضمون في سرديات رسائل "أوبك" التي خضعت للتحليل فكلها تتعلق بأسس سوق النفط من قبيل: العرض والطلب ونشاط المضاربات في سوق النفط الخام. وكانت الخلاصة أن "رسائل ’أوبك’ تقلل من فرص التذبذب الكبير في الأسعار وتدفع المتعاملين في السوق إلى توازن أوضاعهم".
جاءت تلك الدراسة في ذروة حملة تقودها وكالة الطاقة الدولية، التي تقدم المشورة لأكثر من 35 دولة من الدول الصناعية المستهلكة للطاقة، ومديرها ضد "أوبك". وتكررت في العامين السابقين تقارير الوكالة وتصريحات مديرها التي تنذر بنهاية سيطرة النفط على النصيب الأكبر من قطاع الطاقة العالمي. لكن الأرقام الفعلية للسوق أثبتت عدم دقة تلك البيانات وأكدت تقديرات تقارير "أوبك" عن السوق العالمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي أحدث تقاريرها الشهر الماضي توقعت منظمة "أوبك" استمرار نمو الطلب العالمي، على عكس تقديرات وكالة الطاقة الدولية. وقدرت "أوبك" ارتفاع الطلب العالمي على النفط إلى 124 مليون برميل يومياً بحلول عام 2050 آخذة في الاعتبار كل مؤشرات البيانات الكلية للاقتصادات المختلفة وسيناريوهات الاستهلاك. وأشار التقرير إلى أن مصادر الطاقة الأخرى ستشهد نمواً في الطلب عليها، لكن النفط سيظل صاحب النصيب الأكبر من مكونات مصادر الطاقة عالمياً بنسبة 30 في المئة.
محاولات إضعاف "أوبك"
مرت منظمة "أوبك" منذ تأسيسها بعد منتصف القرن الماضي بفترات ضغط مختلفة، لكنها في النهاية حافظت على استمرارها، لذا يتوقع كثير من المحللين والمراقبين أن تنتهي فترة الضغط الحالية باستمرار المنظمة، بخاصة مع تحالف واسع يضم منتجين آخرين.
في العام الماضي، بات واضحاً أن زيادة إنتاج النفط الأميركي بمقدار 4 ملايين برميل يومياً خلال فترة قصيرة كما وعدت إدارة ترمب قد لا يكون قابلاً للتحقق، بخاصة مع وصول إنتاج النفط الصخري إلى ذروته، لذا بدأت الإدارة الأميركية في الهيمنة بقوة على سوق النفط العالمية.
في نهاية العام الماضي قامت الولايات المتحدة بالسيطرة على ناقلات النفط قبالة سواحل فنزويلا، وكذلك السيطرة على ناقلات في بحر قزوين (غالباً ما تنقل نفطاً روسياً)، كما أن الهجوم الأميركي على كاراكاس وإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو مطلع العام استهدف في الأساس السيطرة على نفط فنزويلا.
وتشير تقارير إعلامية إلى سعي الولايات المتحدة لتوسيع وجودها في قطاع النفط العراقي عبر شركات الطاقة الأميركية، وليس بخاف أن فنزويلا والعراق من الدول القليلة التي أسست "أوبك" مع الدولة النفطية الأكبر، السعودية، مطلع ستينيات القرن الماضي.
كذلك تتكرر تصريحات ترمب عن السيطرة على نفط إيران بعد الحرب، أو حصول أميركا على نسبة 20 في المئة من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز.
ومع أن غالبية تلك التصريحات تبدو مبالغاً فيها، إلا أنها تعكس الرغبة الأميركية في الهيمنة على سوق النفط العالمية إن لم تكن بزيادة الإنتاج فلتكن بالقوة عسكرياً أو بالتفاوض والصفقات.
إلا أن كثراً من المعلقين يستبعد أي تحول في سياسة إيران النفطية بعيداً من "أوبك" وتحالف "أوبك+" بعد الحرب، وأن أي اتفاق مع الولايات المتحدة حتى لو تضمن دخول شركات النفط الأميركية في قطاع الطاقة الإيراني لن يعني تخلي طهران عن سياستها المستقلة.