ملخص
من مبنى هيرون هاوس وسط مانشستر، يفتتح رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام اليوم أول اجتماع رسمي في "المقر رقم 10 الشمالي"، وهو الفرع الثاني لمكتب رئاسة الحكومة خارج لندن، حيث يترأس جلسة للمجلس الاقتصادي الوطني الذي أسسه غوردون براون عام 2008، في خطوة تقدمها الحكومة بوصفها بداية عهد جديد من نقل السلطة إلى الأقاليم، فيما تصفها المعارضة بأنها وصفة للازدواجية والصراع بين مركزين للقرار.
بعد أقل من أسبوع على دخوله داونينغ ستريت، غادر رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام العاصمة لندن متجهاً شمالاً إلى مانشستر، ليمارس مهماته من مقر حكومي جديد أطلق عليه اسم "المقر رقم 10 الشمالي"، في سابقة لم تعرفها الحياة السياسية البريطانية سابقاً، إذ يعتزم بيرنهام العمل من هذا المقر يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً طوال فترة رئاسته للحكومة، وقد اختار يوم الجمعة 24 يوليو (تموز) ليكون أول أيامه فيه.
يقع المقر الجديد للحكومة في مبنى "هيرون هاوس" قرب ساحة "ألبرت" الشهيرة وسط مانشستر، وهو مبنى يضم أيضاً المركز الإقليمي لوكالة استخبارات الاتصالات (GCHQ) الخاص بمانشستر والشمال الغربي، مما يوفر للمقر بنية أمنية جاهزة. وأكد المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء أن المقر قائم في مكاتب حكومية موجودة أصلاً وسط المدينة، وتشغيله يغطى من موازنة مكتب مجلس الوزراء الحالية من دون أي كلفة إضافية على دافعي الضرائب، فيما بدأ موظفون مدنيون العمل فعلياً في المكتب الجديد، وعرضت حزم انتقال على موظفي لندن الراغبين في الانتقال شمالاً.
أجندة الاجتماع الحكومي المميز تتضمن جلسة لـ"المجلس الاقتصادي الوطني"، وهو لجنة وزارية أطلقت للمرة الأولى في عام 2008 للتعامل مع التحديات الاقتصادية، وتناقش ملفات النمو وكلفة المعيشة ونقل الصلاحيات إلى الأقاليم، أما قائمة الحضور فلن تكون ثابتة، إذ أوضحت الحكومة أن المشاركين في الاجتماعات سيتغيرون بحسب جدول أعمال كل جلسة، ويمكن أن يشملوا قادة أعمال ونقابات عمالية، لكن في الجلسة الافتتاحية وجهت الدعوة إلى عمد الأقاليم المنتخبين، بينهم عمدة الشمال الشرقي كيم ماكغينيس، فيما يلتقي بيرنهام قبيل الاجتماع قادة منظمات ممثلة لقطاع الأعمال، بينها اتحاد الشركات الصغيرة واتحاد الصناعة.
الصلة بين اجتماع اليوم ولجنة غوردون براون ليست شكلية، فالمجلس الاقتصادي الوطني الذي يعقد جلسته في مانشستر هو نفسه الهيئة التي استحدثها براون في أكتوبر (تشرين الأول) 2008 في ذروة الأزمة المالية العالمية، وعرفت آنذاك إعلامياً بـ"مجلس حرب اقتصادي" كان يجتمع في غرف الطوارئ الحكومية لتنسيق الاستجابة لانهيار المصارف وتداعيات الركود، قبل أن يلغيه ديفيد كاميرون عند وصوله السلطة عام 2010. واللافت أن بيرنهام نفسه كان عضواً في حكومة غوردون براون العمالية بين 2007 و2010، وها هو يعيد إحياء اللجنة ذاتها ولكن من خارج لندن هذه المرة، في رسالة رمزية مزدوجة تربط حكومته بإرث حزبه في إدارة الأزمات الاقتصادية، وتفصلها في الوقت نفسه عن مركزية العاصمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من وجهة نظر بيرنهام، فإن المقر الشمالي هو جوهر مشروعه السياسي، وقد أعلن قبيل الاجتماع أن "مقاومة وايتهول لنقل الصلاحيات انتهت إلى غير رجعة"، وقال إنه "على مدى 40 عاماً، امتصت السلطة والموارد نحو المركز، وشعرت مجتمعات كثيرة بأنها منسية من دون الاهتمام والاستثمار اللذين تستحقهما"، مضيفاً أن المقر الجديد "سيكون غرفة العمليات لجعل بريطانيا أفضل، والمكان الذي نستخدمه لإخراج السلطة من ويستمنستر ووضعها في أيدي الناس على المستوى المحلي".
وكتب رئيس الوزراء في صحيفة "الغارديان" إن ما تحقق في مانشستر الكبرى يمكن تكراره على مستوى البلاد، منتقداً "الحيل" السابقة مثل برنامج رفع المستوى، ومعتبراً أن نقل أجزاء من الدولة على الخريطة لم ينجح لأن سلطة القرار بقيت في لندن. وسبق أن قال في أول اجتماع لحكومته إن المقر الشمالي "ليس حيلة دعائية".
في المقابل، لا ترى أحزاب المعارضة في الخطوة إلا عنواناً جديداً لمشكلات قديمة. فزعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك قالت إن "كثيراً من السياسيين يختبئون خلف نقل الصلاحيات لأنهم لا يملكون أي إجابات"، وإنهم "يقولون لندع السكان المحليين يتولون الأمر لكنهم لا يمنحونهم الأدوات الحقيقية للسلطة". واعتبرت أن بيرنهام يدعم اللامركزية لأنه "لا يعرف ماذا يفعل فيريد تمرير المشكلة إلى طرف آخر". أما زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج فحذر من أن "اللامركزية يمكن أن تنجح، لكن إذا كان لديك مقر رقم 10 في الجنوب وآخر في الشمال فسيتصارعان بطبيعة الحال". فيما دعا زعيم "الليبراليين الديمقراطيين" إد ديفي بيرنهام إلى ما هو أبعد من الرمزية قائلاً إن "الناس سمعوا هذا الكلام من قبل ثم خاب أملهم لأن شيئاً لم يتغير"، مطالباً بيرنهام بالتخلي عن خطوط "العمال" الحمراء تجاه أوروبا وإدخال بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا كان جاداً في تحفيز النمو وخفض كلفة المعيشة. ومن جهته، رأى زعيم كتلة الحزب الوطني الاسكتلندي في ويستمنستر ديف دوغان أن المقترحات "لا تتضمن أي شيء جوهري لإسكتلندا".
خارج دائرة الأحزاب، جاءت تقييمات الخبراء أكثر تفصيلاً. فمعهد "الحكومة"، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في فاعلية الإدارة العامة، رحب بإنشاء المقر الشمالي واعتبر أن المشروع "يبدو مدروساً"، لكنه نبه في تحليل منفصل إلى مخاطر بنيوية، محذراً من أن وجود فريقين من المستشارين يدعي كل منهما التحدث باسم رئيس الوزراء من دون تواصل بينهما "يعني كارثة وجموداً لبقية أجهزة الحكومة"، ومشيراً إلى أن قوة داونينغ ستريت تنبع من القرب من رئيس الوزراء، وأن غيابه المتكرر قد يحول المقر الشمالي إلى مكتب هامشي، ما لم يحدد علناً أي المقرين مسؤول عن أي وظائف وسياسات.
كذلك واجه بيرنهام تساؤلات عن انحياز جغرافي محتمل لمصلحة الشمال، فرد خلال زيارة إلى مدينة "هارلو" بأن "الغاية الكاملة من المقر الشمالي هي وضع مزيد من السلطة في كل رمز بريدي في البلاد بما فيها رموز هارلو". وبين حماسة الحكومة وشكوك خصومها، سيبقى الحكم الفعلي على التجربة مرهوناً بما سيخرج من قاعة الاجتماعات في هيرون هاوس من قرارات ملموسة تتجاوز قوة الرمز إلى أثر يلمسه الناخب البريطاني في معيشته.