ملخص
لطالما اعتبر الكاتب الفرنسي ستاندال ، الرائد الأول للرواية السيكولوجية، وكثيراً ما انصبت الدراسات التي تناولت أعماله، على التوقف عند جوانية البطل، في تمهيد لما ستكون عليه، في مجال آخر، روايات تيار الوعي وبخاصة أعمال جيمس جويس، مثلاً، في القرن الـ20
"...غير أن الصحيح أيضاً، أن رواية تولستوي الكبيرة، وربما كذلك رواية الكاتب الفرنسي ستاندال الرائعة "دير بارما" التي سبقتها في عام 1839 كانتا من أهم المؤثرات في خلق أدب نثري حديث، يجعل من الحرب منطلقاً أو إطاراً لتراكيب قصصية عميقة الفعل في النفس، تربط ما بين فداحة الأحداث وأعماق الشخصيات الإنسانية ضمن هيكل مجتمعي فسيح".
هذه العبارات التي تقارب بين روايتين من أعظم ما كُتب خلال القرن الـ19 في الآداب الأوروبية، أي بين "دير بارما" للفرنسي ستاندال و"الحرب والسلام" للروسي تولستوي، كتبها الناقد العربي الراحل جبرا إبراهيم جبرا، في معرض حديثه عن أدب الحرب العربي، إذ يوضح أن هذا النوع من الأدب ربما يكون كاشفاً للنفوس أكثر من أي أدب آخر.
ولعل جبرا قد فاته في معرض حديثه هذا أن يتحدث عن فارق أساس بين العملين، اللذين يتحدثان تاريخياً عن الفترة نفسها تقريباً: فترة الحروب النابليونية في روسيا بالنسبة إلى تولستوي، وفي إيطاليا ثم واترلو، بالنسبة إلى ستاندال، وهذا الفارق هو التلقي. ففي حين استقبلت "دير بارما" بشيء من البرود أول ما صدرت، ولم يكتشفها جمهور القراء العريض إلا لاحقاً، استقبلت "الحرب والسلام" بحماسة وإقبال شديدين منذ صدورها، واليوم، على رغم أن رواية تولستوي تعد أكثر شهرة، فإن الدراسات الأدبية الجادة عادت وأعطت "دير بارما" مكانة تفوق إلى حد ما مكانة "الحرب والسلام"، خصوصاً من ناحية كون رواية ستاندال، على عكس رواية تولستوي التي بقيت "برانية"، أتت رواية "جوانية" تشكل فاتحة ما، لأدب سبر أغوار الذات.
اختبار قوة الأحداث
فالحال أن القاسم المشترك بين فابريس بطل "دير بارما"، وجوليان سوريل بطل "الأحمر والأسود" رواية ستاندال الكبرى الأخرى، هو أن الاثنين يستخدمان لاختبار قوة الأحداث التاريخية والتبدلات المكانية على الفعل في نفسيهما. وفي شكل أكثر وضوحاً: أن الأحداث في الروايتين تبدو موصوفة لمجرد أن تدرس من خلال تأثيراتها مسالك الأبطال ونفسياتهم.
ومن هنا اعتبر ستاندال دائماً، الرائد الأول للرواية السيكولوجية. ومن هنا، أيضاً، كثيراً ما انصبت الدراسات التي تناولت عملي ستاندال هذين، وغيرهما من أعماله، على التوقف عند جوانية البطل، في تمهيد لما ستكون عليه، في مجال آخر، روايات تيار الوعي وبخاصة أعمال جيمس جويس، مثلاً، في القرن الـ20.
ففي رواية "دير بارما" عدد كبير جداً من الأماكن، وفيها عدد كبير جداً من الأحداث. ولكن كذلك فيها عدد كبير جداً من المواضيع والأصناف الأدبية، ففيها: رواية المغامرة، والرواية العاطفية، ورواية الحرب، والدراما العائلية، ورواية مؤامرات القصور. فيها الحب والخيانة، وفيها الخيبة والموت والسعادة العابرة. ولكأن ستاندال شاء أن يضع في هذا العمل الكبير، الذي أنجزه ونشره في آخر سنوات حياته، خلاصة فنه الروائي كله، بل فن الرواية بصورة عامة. ولكن فيها أيضاً - خارج إطار البعد الروائي الخالص - فلسفة التنوير، والموقف السياسي، وتمزق المثقف أمام الأحداث الكبرى، وتحديداً الحروب النابليونية هنا.
رواية رائدة
وفي هذا الإطار الأخير، تبدو الرواية رائدة بصورة خاصة، إذ - وكما يقول نقاد دارسون لستاندال - لم يفت هذا أن يعبر في هذه الرواية المتأخرة، عن محدودية الأمل الذي يضعه في وحدة الشعب وقوته، انطلاقاً ربما من خيبة أمله بثورة عام 1830، إذ رأى الشعب، أو الجماهير في لغة أكثر حداثة، في الحال التي وصل إليها من الإحباط والوهن. وهو - حتى وإن كان لا يكن للشعب الازدراء نفسه الذي به ينظر فلوبير مثلاً، إلى الشعب - إذ يقف مؤيداً الشعب حين يتحرك للقيام بفعل ما، سرعان ما يفقد إيمانه المبطن بالشعب، وهو هنا مثل كثير من مثقفي أزمان لاحقة "لا يشعر أن الأمل الذي وضع في الشعب قد أثبت أنه أمل له ما يسوغه".
من هنا، إذا كانت رواية "دير بارما" تحكي لنا في مناخها الحدثي حياة ذلك الشاب الضائع فابريس ومغامراته - حتى من دون أن يدري - بين هوية إيطالية أتته من ميراث عصر النهضة العظيم الذي آمن به ستاندال وتبعه إلى درجة أنه أمضى جل سنوات حياته في إيطاليا وكرس لها أعظم كتبه، وبين انتماء فرنسي يمثل الواقع المخيب، عبر إجهاض الثورة والحروب النابليونية، ولا سيما هزيمة نابليون في واترلو التي شارك فيها فابريس متحمساً أولاً ثم متسائلاً ثانياً، فإن الرواية في خلفيتها الفكرية التي تزداد دلالاتها مع مرور الأزمان ويزداد اكتشاف المؤرخين والباحثين لها، تبدو أكثر عصرية وخارج الزمان والمكان أصلاً.
فبارما، في الرواية لا تنتمي إلى القرن الـ19 ولا إلى حقبة ماكيافيللي وفق ما قال بعض النقاد، "بل هي تجريد في الزمان والمكان، وهي نموذج مصغر لحكومة الطغيان" بحسب الباحث أرفنغ هاو في كتابه "السياسة والرواية"، إذ يضيف "هنا نجد السياسة تتخذ في وقت واحد صورة التعبير المباشر الذي تمتلكه الحكاية/ الأمثولة، وصورة التدفق المنتظم الأسلوب لأسلوب الرواية".
قضية السلطة الشائكة
في بارما التي نراها في خلفية علاقة فابريس بعمته الفاتنة التي تحرك المجتمع من حولها وتحوك هي مؤامراتها حوله، ومن خلال حبه لكليليا التي تنتهي إلى الموت بعد أن يغدر بأبيها الطاغية كونتي على مذبح حبها لفابريس، في بارما هذه ليست هناك أحزاب حقيقية، والأفكار موضع شبهة، والناس خرس صامتون، أما الملك فإنه وإن لم يكن حاكماً مطلقاً، فلديه من السلطة ما يكفي لكي تشكل ثرواته ورغباته محور الحياة اليومية لوزرائه وبلاطه. وهذا ما يتيح لستاندال أن يدنو من معالجة مسألة السلطة في جانبها الأكثر حقارة ودناءة و"بصفتها سخافة ترعب، من جهة، أولئك الذين يمارسونها، ومن جهة ثانية تمثل تهديداً دائماً للناس الأذكياء، فيما من الجهة الثالثة تمثل إفساداً للناس الضعفاء".
ومن هنا فإن السلطة - بحسب ستاندال في "دير بارما" - شيء يجب أن يتعلم المرء "كيف يتحاشاه ويهرب منه أو يهادنه". أما المشكلة العويصة في كل هذا، فإنها المشكلة التي ما فتئت تشغل بال ستاندال خلال الفترة الأخيرة من حياته، إلى درجة أن الأمر انتهى به إلى إفراغها داخل هذه الرواية الكبيرة: كيف يمكن المرء أن يحتال على حكامه؟ والجواب هو بالتأكيد: لا يسع المرء أن يفعل هذا إن اهتم بأن يشغل مكانة رفيعة في الهرم الاجتماعي، يفعله فقط إن هو آثر أن يكون هامشياً.
وللتعبير عن هذا يقدم لنا ستاندال ثلاثة مواقف إزاء السلطة، من خلال الشخصيات الثلاث الرئيسة: الكونت موسكا يمارس السلطة، لكنه ينظر إليها على حدة على أنها مهزلة، والعمة سانسفرينا تمارسها وتحتملها لكنها مستعدة دائماً لمقاومتها، أما فابريس البطل الأساس في الرواية فهو ينحني لها انحناءة رجل البلاط أو رجل الدين، ولكنه يظل - جوهرياً - غير مبال بها أو بمتطلباتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ستاندال والمواقف الثلاثة
وستاندال، الذي ولد تحت اسم هنري ماري - بيل عام 1783 في غرينوبل بفرنسا ومات عام 1842 وسط باريس، تبنى المواقف الثلاثة، وإن كان أوضح أن تفضيله عند نهاية حياته يذهب إلى موقف فابريس.
بيد أن ستاندال، خلال حياته، لم يكن كذلك، بل نراه في قلب السلطة الأدبية والدبلوماسية وربما السياسية أيضاً، موزعاً وقته بين إيطاليا وفرنسا، معجباً بنابليون ثم منتقداً له، معلناً خيبته إزاء الثورة.
وستاندال الذي يعد أحد كبار أدباء فرنسا على مدى تاريخها، كتب كثير من الروايات وكتب عن الرسم في "تاريخ الرسم الإيطالي" وعن الموسيقى كما استساغها لدى هايدن وموتسارت، واشتغل على مذكرات لنابليون، كما كتب في أدب الرحلات.