Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تسافر اللهجة... الحرب تعيد تشكيل كلام السودانيين

من الممكن ملاحظة زيادة الاحتكاك بين جماعات كانت تفصل بينها في السابق مسافات جغرافية كبيرة

اللغة أداة اجتماعية والإنسان يستخدمها لتسهيل التواصل والانتماء إلى البيئة التي يعيش فيها (أ ف ب)

ملخص

قد يجد السوداني نفسه مضطراً إلى تعلم أساليب جديدة في التواصل حتى يتمكن من الحصول على الخدمات أو العمل أو الدراسة، وفي هذه الحالة تصبح اللغة جزءاً من تجربة النزوح ذاتها.

لم يغير النزوح الذي فرضته الحرب المندلعة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 41 شهراً أماكن إقامة ملايين السودانيين فقط، بل ترك أثره أيضاً في تفاصيل تبدو صغيرة في حياتهم اليومية، وذلك من الكلمات التي يستخدمونها إلى طريقة النطق والإيقاع اللغوي. فقد يكبر طفل سوداني خارج بلاده وهو يفهم لهجتها في المنزل، لكنه يتحدث بلهجة مختلفة مع أصدقائه من جنسيات أخرى. ولا يحدث ذلك بالضرورة لأن أحداً قرر التخلي عن لهجته، بل لأن اللغة تتغير مع البيئة التي نعيش فيها.

أصوات جديدة

في بداية الانتقال، يكون الاختلاف واضحاً، فالكلمات التي يستخدمها السكان المحليون تبدو غريبة، وبعض العبارات تحتاج إلى تفسير، وحتى النبرة يمكن أن تكشف عن أن المتحدث قادم من مكان آخر، لكن الاحتكاك اليومي يغير ذلك تدريجاً. فالسوداني الذي يعمل أو يدرس أو يتعامل يومياً مع مجتمع مختلف يسمع اللهجة الجديدة لساعات طويلة. ومع تكرار السماع، تبدأ بعض الكلمات بالدخول إلى قاموسه الشخصي.

يقول الباحث الاجتماعي أيمن إبراهيم إنه "يمكن تفسير هذا التحول، وفق قراءة في علم اللغة الاجتماعي، كونه نتيجة طبيعية للاحتكاك بين الجماعات اللغوية. فالإنسان لا يتحدث بمعزل عن محيطه، فهو يكيف لغته باستمرار بحسب الأشخاص الذين يتعامل معهم والمكان الذي يوجد فيه والهدف من الحديث".

ويرى إبراهيم أنه "عندما ينتقل شخص من بيئة لغوية إلى أخرى، فإنه يتعرض بصورة متكررة إلى أصوات ومفردات وتركيبات لغوية جديدة. ومع مرور الوقت قد تصبح بعض هذه العناصر مألوفة، ثم تنتقل من مرحلة الفهم إلى مرحلة الاستخدام".

وتابع "لا يحدث التغيير بالطريقة نفسها لدى الجميع، فالعمر عامل مهم، وكذلك مدة الإقامة وطبيعة التواصل، إضافة إلى أن الشخص الذي يعيش داخل مجتمع من أبناء بلده سيواجه احتكاكاً لغوياً أقل من شخص يعمل في بيئة مغايرة".

وزاد "من المهم أيضاً التفريق بين اكتساب بعض الكلمات وتغير اللهجة بصورة شاملة، فاستخدام مفردات من لهجة أخرى لا يعني أن الشخص أصبح يتحدث بها بالكامل، فقد يحتفظ بنظامه الصوتي وطريقته الأصلية في تركيب الجمل، بينما يضيف إليها كلمات جديدة".

وأكد الباحث الاجتماعي أن "المجتمعات التي تشهد الهجرة والنزوح، قد تمر بهذه التجربة مرات عدة، لأن أعداداً كبيرة من الناس تصبح فجأة في تمارس يومي مع لهجات مختلفة. وهذا لا يمثل بالضرورة فقداناً للغة الأصلية، وإنما يمكن أن يكون شكلاً من أشكال التكيف. فاللغة أداة اجتماعية، والإنسان يستخدمها لتسهيل التواصل والانتماء إلى البيئة التي يعيش فيها".

هوية متحركة

حين يتغير الكلام، قد يشعر صاحبه بأن شيئاً من هويته تغير معه، فاللهجة بالنسبة إلى كثير من السودانيين ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل ترتبط بالأسرة والمدينة والطفولة والذكريات.  فكلمة واحدة قد تعيد شخصاً لبيت قديم، أو إلى صوت الأم، أو إلى جلسة مع الأصدقاء. لهذا قد يكون اكتساب لهجة جديدة تجربة مزدوجة من جهة، تمنح اللغة الجديدة قدرة أكبر على الاندماج والتواصل. ومن جهة أخرى، قد يشعر الشخص بأن بعض التفاصيل التي كانت تميزه بدأت تتراجع.

أستاذ اللغويات جميل الهادي يقول إن "اللغة جزء من الهوية، لكنها ليست الهوية كلها، لذلك فإن تغير اللهجة لا يمكن عده دليلاً تلقائياً على تغير الانتماء. فالإنسان يستطيع أن يمتلك أكثر من نمط لغوي في الوقت ذاته، وأن ينتقل بينها بحسب السياق. قد يستخدم مفردات معينة في العمل لأنها الأكثر شيوعاً في محيطه، ثم يستخدم لهجته الأصلية مع أسرته وأصدقائه".

وأضاف الهادي "هذا التعدد لا يعني بالضرورة وجود صراع بين الهويات، ففي كثير من الأحيان يكون دليلاً على قدرة الإنسان على التكيف، لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تكون الهجرة قسرية. فالنازح أو اللاجئ لا يختار دائماً المكان الذي يعيش فيه أو البيئة التي يتعين عليه الاندماج فيها، وقد يجد نفسه مضطراً إلى تعلم أساليب جديدة في التواصل حتى يتمكن من الحصول على الخدمات أو العمل أو الدراسة، وفي هذه الحالة تصبح اللغة جزءاً من تجربة النزوح ذاتها".

ولفت أستاذ اللغويات إلى أنه "قد يحتفظ الشخص بلهجته الأصلية كوسيلة للحفاظ على الصلة بالمكان الذي غادره، وفي الوقت ذاته يكتسب خصائص من المجتمع المضيف لتسهيل حياته اليومية، لذلك يمكن النظر إلى اللهجة على أنها هوية متحركة وليست هوية ثابتة. فهي تتأثر بالتجارب والهجرة والتعليم والعلاقات، لكنها لا تحدد وحدها انتماء الإنسان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جيل مختلف

ربما يكون الأطفال أكثر الفئات التي يمكن ملاحظة التغير اللغوي لديهم، فطفل غادر السودان في سن صغيرة، ثم قضى أعواماً داخل مدرسة في بلد آخر، لن يعيش التجربة اللغوية نفسها التي يعيشها والداه.

الأب والأم قد يستمران في استخدام اللهجة السودانية داخل المنزل، بينما يتحدث الطفل بلهجة مختلفة مع زملائه، ومع مرور الوقت يمكن أن تصبح اللهجة التي يسمعها في المدرسة والشارع أكثر حضوراً في كلامه من اللهجة التي يسمعها داخل البيت.

المحلل النفسي جابر بهاء يقول إن "الأطفال عادة أكثر قابلية للتأثر باللغة المحيطة بهم، خصوصاً عندما يقضون وقتاً طويلاً خارج المنزل في المدرسة أو مع الأصدقاء. وفي هذه المرحلة لا يتعلم الطفل الكلمات فقط، بل يكتسب الإيقاع والنطق وطريقة استخدام اللغة في المواقف الاجتماعية".

وزاد بهاء "لهذا فإن الطفل السوداني الذي ينشأ خارج بلاده قد يطور نمطاً لغوياً مختلفاً عن والديه، لكن ذلك لا يعني أن اللغة الأصلية ستختفي بالضرورة. فوجودها داخل المنزل، واستخدامها المستمر مع الوالدين والأقارب، وسماع الأغاني والحكايات السودانية، كلها عوامل يمكن أن تساعد في استمرارها".

ويرى أن "وجود مجتمع سوداني في البلد المضيف يلعب دوراً مهماً، فالطفل الذي يعيش وسط عدد كبير من أبناء جاليته ستكون لديه فرص أكبر لاستخدام لهجة أسرته من طفل يعيش في بيئة لا تضم إلا عدداً قليلاً من أبناء بلده".

وواصل "المسألة في النهاية ليست منافسة بين لهجتين، وإنما عملية اكتساب لغوي متعددة المستويات. فقد يصبح الطفل قادراً على استخدام أكثر من لهجة أو نمط لغوي، وهو أمر شائع لدى الأطفال الذين ينشأون في بيئات متعددة اللغات واللهجات".

ومضى المحلل النفسي يقول "لكن الخطر يظهر عندما تنقطع اللغة الأصلية تماماً بين الأجيال، لأن فقدان اللغة لا يعني فقدان الهوية بالضرورة، لكنه قد يؤدي إلى فقدان جزء من الذاكرة الثقافية المرتبطة بها، لهذا فإن استمرار استخدام اللهجة السودانية داخل الأسرة يمكن أن يكون وسيلة بسيطة للحفاظ على أحد مكونات الثقافة، من دون منع الطفل من اكتساب لغة المجتمع الذي يعيش فيه".

ذاكرة الكلام

عندما يعود سوداني لبلاده بعد أعوام، قد يكتشف أن الرحلة تركت أثرها في صوته وقد يسمع تعليقاً من أقاربه على كلمة يستخدمها، أو يلاحظ أن بعض المفردات التي اعتادها أصبحت غريبة في أذنه. وفي المقابل، قد يجد أن عودته للبيئة السودانية تعيد له كلمات ونبرات كان قد توقف عن استخدامها.

الباحثة في علم الاجتماع أفكار عبدالعظيم تقول إن "اللغة ليست عملية خطية يمكن أن تكتسب وتفقد وتعود بحسب البيئة، وقد يكون هذا واضحاً خصوصاً لدى السودانيين الذين عاشوا أعواماً طويلة خارج البلاد ثم عادوا لها، أو الذين ينتقلون باستمرار بين بلدين، ففي هذه الحالات يصبح الإنسان حاملاً لأكثر من بيئة لغوية في وقت واحد".

وتابعت "الأمر لا يتعلق بالسودانيين في الخارج وحدهم، فالحرب نفسها دفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح داخل البلاد، مما أدى إلى تجمع مجموعات من مناطق مختلفة في أماكن واحدة، وهو ما يزيد بدوره فرص الاحتكاك بين لهجات سودانية متعددة. لذلك فإن التغير اللغوي الناتج من الحرب قد لا يكون فقط نتيجة الاحتكاك باللهجات الأجنبية، بل أيضاً نتيجة احتكاك السودانيين بعضهم ببعض بعد انتقالهم من مناطقهم الأصلية".

وترى عبدالعظيم أن "التحولات اللغوية التي تحدث نتيجة النزوح تحتاج إلى وقت حتى يمكن تقييم آثارها بصورة علمية، ومن المبكر الحديث عن لهجة سودانية جديدة تشكلت بسبب الحرب، لكن من الممكن ملاحظة زيادة الاحتكاك بين جماعات لغوية كانت تفصل بينها في السابق مسافات جغرافية كبيرة".

وبينت أنه "عندما ينتقل سكان من مناطق مختلفة إلى مدينة واحدة أو منطقة واحدة، تصبح لهجاتهم في مواجهة يومية. فبعض الكلمات قد ينتشر، وبعضها قد يتراجع، وقد تظهر طرق جديدة في النطق أو الاستخدام. والأمر ذاته يحدث عندما ينتقل السودانيون إلى بلدان أخرى، فقد يكتسبون مفردات من البيئة المضيفة، ثم ينقلونها إلى مجتمعهم السوداني".

واستطردت "مع الوقت، يمكن أن تصبح هذه المفردات جزءاً من الحديث اليومي لبعض أفراد الجالية، لكن إثبات وجود تغير واسع ومستقر يحتاج إلى دراسات مقارنة بين أجيال ومناطق مختلفة، وليس فقط ملاحظات فردية، فالشخص الذي يستخدم كلمة مصرية مثلاً لا يعني بالضرورة أن لهجته تغيرت بصورة جوهرية، وقد تكون هذه مجرد ظاهرة فردية مرتبطة بالعمل أو الأصدقاء".

واختتمت الباحثة في علم الاجتماع حديثها بالقول "إذا ظهرت الأنماط نفسها لدى أعداد كبيرة من الناس، واستمرت لدى الجيل التالي، عندها يمكن للباحثين الحديث عن تحول لغوي أكثر رسوخاً. وهذا ما يجعل تجربة السودانيين الحالية مهمة للباحثين في اللغة والمجتمع، لأنها تخلق واحدة من أكبر عمليات الاحتكاك اللغوي في تاريخ السودان الحديث".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير