ملخص
لم تعد الأزمة التي يعيشها قطاع الكتاب في فرنسا، وغيرها من دول العالم، أزمة اقتصادية عابرة، بل لعلها تحولت إلى مؤشر على تغير عميق في علاقة المجتمع بالقراءة والثقافة والمعرفة، بعد الإعلان الذي أصدره "المركز الوطني الفرنسي للكتاب"، والذي أكد للمرة الأولى أن عدد المكتبات التي أغلقت أبوابها خلال عام 2025 تجاوز عدد المكتبات التي افتتحت حديثاً، وأن مبيعات الكتب الجديدة شهدت انخفاضاً بالملايين سنوياً.
بدا بيان المركز الوطني الفرنسي وكأنه يدقّ جرس الإنذار في شأن مستقبل الكتاب الورقيّ، كأحد أهم رموز الحياة الثقافية الفرنسية، ذلك أن فرنسا لطالما ارتبط اسمها، منذ عصر الأنوار، بالكتب والمكتبات ودور النشر والندوات والنقاشات الفكرية، في حرم هذه المؤسسات التي تجاوزت المنطق التجاري، وتخطت دورها كنقاط لبيع الكتب، صائرة في الوقت عينه نواة حية للحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية، ويبدو أن هذا النموذج التاريخي يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي تهدد استمراره.
وقد كشفت المؤشرات الاقتصادية عن تراجع واضح في مبيع الكتب، في مقابل ارتفاع متواصل في كُلف الإنتاج والطباعة والنقل والإيجارات والطاقة، وبعض المراقبين ربطوا أزمة الكتب والمكتبات ودور النشر جزئياً بعوامل جيوسياسية، تتعلق بالاضطرابات في مضيق هرمز والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى صدمة في أسواق الطاقة انعكست آثارها على مجمل الاقتصاد الفرنسي، فلم تسلم المكتبات، شأنها شأن سائر الأنشطة التجارية، من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، مما أدى إلى زيادة كُلف التشغيل، وأثر سلباً في أوضاعها الاقتصادية.
في المقابل، بقيت هوامش الربح محدودة، الأمر الذي جعل استمرار كثير من المكتبات، ولا سيما الصغيرة والمستقلة منها، شبه مستحيل، فلم تعد الأزمة تقتصر على هذه المكتبات المنتشرة في المدن الفرنسية وأحيائها المختلفة، بل امتدت إلى مؤسسات تاريخية كبرى، شكّلت لعقود جزءاً من الذاكرة الثقافية الفرنسية، فقد دخلت سلسلة "جيبير" الشهيرة مرحلة التسوية القضائية، بينما أعلنت مجموعة "نوزولي"، المالكة لسلسلتي "ديسيتر" و"فوري دي نور"، إغلاق عدد من فروعها وتسريح عشرات الموظفين، أما مكتبة "سوران" الشهيرة في مدينة مونبلييه، فقد أنهت نشاطها نهائياً بعد تصفيتها القضائية.
صدمة القطاع المكتبي
لكن تفسير الأزمة بالظروف الاقتصادية وحدها يبقى تفسيراً ناقصاً، فالمشكلة الأعمق تتمثل في التحوّل الجذري الذي طرأ على أنماط استهلاك المعرفة، مما يعكس هشاشة البنية التي تقوم عليها صناعة الكتاب، مع التحوّل الرقمي وإعادة تشكيل العادات الثقافية، وهذا يعني أنه إضافة إلى الصدمات الاقتصادية الظرفية، يشهد قطاع الكتاب الورقي ودور النشر والمكتبات تحولاً بنيوياً، فقد أخذ الفرنسيون كما غيرهم من شعوب العالم يبتعدون تدريجاً من القراءة الورقية لمصلحة الشاشات الرقمية، وهو ما يعكس تغيراً في العادات والممارسات الثقافية، ويُعد هذا التحول تحدياً حقيقياً للنموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه المكتبات التقليدية، إذ يهدد استدامتها وقدرتها على مواكبة التغيرات المتسارعة في أنماط استهلاك المعرفة والثقافة، بعد أن أصبح الهاتف الذكي واللوحات الإلكترونية المنصة الأولى التي يقضي أمامها الشباب معظم أوقاتهم، بينما تراجعت القراءة إلى مرتبة ثانوية.
تنافس منصات الفيديو والألعاب الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، الكتاب على وقت القارئ وانتباهه، حتى باتت القراءة تتراجع تدريجاً كممارسة يومية، نتيجة أيضاً لانحدار النظام التعليمي الذي لم يعد ينمي التفكير النقدي والمعرفة العميقة، مخرجاً بدلاً من ذلك أفراداً يفتقرون إلى القدرة على التحليل والاستقلال، مع تهميش مواد أساس مثل التاريخ والأدب والفلسفة، وإعطاء الأولوية للمهارات التقنية المرتبطة بسوق العمل، خافضاً التوقعات من التلاميذ والطلاب، بدلاً من الارتقاء بمستواهم.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأطفال والمراهقين في فرنسا يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، في مقابل دقائق معدودة في قراءة الكتب، ولا يقتصر أثر هذا التحول في انخفاض المبيعات، بل يمتد إلى تغير طبيعة العلاقة مع النصوص الطويلة، وإلى ضعف القدرة على التركيز والتأمل والتحليل.
الكتاب والشاشة
وفي هذا السياق، لم تعد المنافسة بين مكتبة وأخرى، وإنما أصبحت بين ثقافة الكتاب وثقافة الشاشة، علماً أن المكتبات الصغيرة والمستقلة تقوم بوظيفة لا تستطيع المنصات الرقمية أن تحل محلها، فصاحب المكتبة ليس مجرد تاجر أو بائع، بل وسيط ثقافي يمتلك معرفة بالكتب والناشرين والقراء، فهو الذي يوجه اختياراتهم بعيداً من منطق الكتاب الأكثر مبيعاً الذي تفرضه الخوارزميات، ومن خلال هذا الدور، تسهم المكتبات في حماية التنوع الفكري، إذ تمنح مساحة للكتب المتخصصة، والناشرين المستقلين، وللكتّاب الشباب الذين لا تحظى أعمالهم بحملات تسويقية واسعة، وكذلك تؤدي المكتبات أيضاً دوراً اجتماعياً لا يقل أهمية عن دورها الثقافي، فهي تستضيف الندوات الفكرية، وحفلات توقيع الكتب، واللقاءات مع الكتّاب والباحثين، وورش القراءة، موفرة فضاء للنقاش والحوار، ولا سيما في المدن الصغيرة التي يقل فيها وجود المؤسسات الثقافية، لذا يترافق اختفاء المكتبات المستقلة مع فقدان مؤسسات تؤدي دوراً أساساً في الحياة العامة.
تكشف الأزمة أيضاً حدود إخضاع الثقافة لقواعد السوق وحدها، علماً أن الكتاب ليس سلعة استهلاكية عادية، فقيمته لا تُقاس فقط بعدد النسخ المباعة، وإنما أيضاً بقدرته على إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي والحفاظ على التنوع الفكري، فحياة الكتاب تقوم على مفارقات عدة: فهو في آن عمل فكري ومنتج تجاري، وصناعة وحرفة يدوية، كما يجمع بين دور نشر صغيرة مستقلة ومجموعات كبرى نافذة.
لكن المنصات الرقمية تعتمد على خوارزميات، تفضّل الكتب الأكثر انتشاراً وربحية، مما يؤدي تدريجاً إلى تهميش المؤلفات الفكرية والأدبية المتخصصة، وإضعاف حضور دور النشر الصغيرة، ولهذا يرى عدد متزايد من المثقفين أن الدفاع عن المكتبات المستقلة هو دفاع عن التعددية الثقافية نفسها، في مواجهة منطق السوق الذي يميل بطبيعته إلى تركيز الإنتاج والاستهلاك، في عدد محدود من العناوين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إدراكاً لهذه التحولات، بدأت معظم المكتبات الفرنسية إعادة صياغة نموذجها الاقتصادي، فاتجه بعضها إلى بيع الكتب المستعملة، بينما أضاف بعضها الآخر مقاهي ثقافية، أو مساحات للقراءة والعمل، أو أنشطة فنية وتعليمية، في محاولة لتحويل المكتبة إلى مركز ثقافي متكامل. ويمثل هذا التحول اعترافاً بأن بيع الكتب وحده لم يعد كافياً لضمان الاستمرار، وأن المكتبة مطالبة اليوم بتقديم تجربة ثقافية واجتماعية، لا يمكن الحصول عليها عبر الإنترنت، ويطالب المهنيون بزيادة الدعم الحكومي الموّجه إلى قطاع الكتاب، وتحسين شروط عمل المكتبات المستقلة، وإعادة النظر في توزيع الأرباح داخل سلسلة إنتاج الكتاب، ويقترح بعضهم فرض مساهمة مالية على الشركات الكبرى العاملة في مجال النشر والتوزيع، تخصص لدعم المكتبات والناشرين المستقلين.
لكن مقترحات الحلول الاقتصادية هذه، على أهميتها، لن تكون كافية إذا استمرت معدلات القراءة في الانخفاض، وإذا بقيت المدرسة عاجزة عن ترسيخ عادة القراءة لدى الأجيال الجديدة، لذا تتزايد الدعوات إلى اعتبار القراءة مشروعاً وطنياً دائماً، يبدأ من التعليم الباكر، ويشجع الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية على إعادة الكتاب إلى صدارة الحياة اليومية.
تكشف أزمة الكتاب والمكتبات الفرنسية أن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على نموذج ثقافي تشكّل عبر قرون، يقوم على الحوار والمعرفة والتنوع الفكري، علماً أن مستقبل الكتاب، والمكتبات المستقلة، سيعتمد على قدرتها على التكيف مع التحولات الرقمية، لكنه سيعتمد أيضاً على وعي المجتمع، بأن الثقافة لا يمكن أن تخضع بالكامل لمنطق السوق والخوارزميات، فالكتاب ليس مجرد منتج يباع ويشترى، بقدر ما هو وعاء للذاكرة، وأداة لتكوين الإنسان، وشرط أساس لاستمرار الحياة الفكرية، ومن ثم فإن حماية المكتبات المستقلة ليست دفاعاً عن تجارة الكتاب وحسب، وإنما دفاع عن الثقافة نفسها، وعن حق المجتمع في أن تبقى المعرفة متاحة خارج هيمنة المنصات الرقمية، ومنطق الربح السريع.
وما يصيب القراءة والكتاب والمكتبات الفرنسية، يصيب أيضاً كل المكتبات في العالم، ولا سيما في الوطن العربي، مع انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تتحدى عادة القراءة التي كانت في ما مضى ركيزة الثقافة، لكنها بدأت بالانحسار أمام الإغراءات الرقمية السريعة، والمحتوى السطحي، وغياب التشجيع وانعدام البيئة الثقافية المحفزة، وميل المناهج التعليمية إلى الحفظ والتلقين، فضلاً عن ضعف المكتبات العامة.