ملخص
لم يكن منزلا عائلة الطوباسي الوحيدين اللذين يستولي عليهما المستوطنون خلال الأسابيع الماضية، فقد وضعوا أيديهم على منزل قربهما قيد الإنشاء، واقتحموا استراحة غير بعيدة منهما.
لم يكن أمام عائلة نجلي مصطفى الطوباسي سوى الرحيل عن منزليهما في قرية جالود، بعد محاصرة المستوطنين لهما منذ 90 يوماً وقطع المياه والكهرباء عنهما ومنع وصول الأغذية لأفراد العائلة.
وتعود قصة الطوباسي إلى الـ19 من أبريل (نيسان) الماضي، حينما نصبت مجموعة من المستوطنين خيمة على بعد 200 متر من المنزلين الواقعين على أطراف قرية جالود جنوب شرقي نابلس.
وكان يقيم في المنزلين نجلا محمود الطوباسي مع عائلتيهما، إذ جرى بناؤهما قبل سبعة أعوام فوق قطعة أرض تعود للعائلة، وتقع على تلة استراتيجية تطل على نهر الأردن والبحر المتوسط.
وفور مجيئهم إلى محيط المنزلين، فرض المستوطنون حصاراً جزئياً عليهما لمدة 70 يوماً، مارسوا خلالها "اعتداءات" على العائلة من إلقاء للحجارة وحرق لإحدى المركبات، وقطع لأنابيب المياه الواصلة للمنزلين.
لكن ذلك الحصار الجزئي أطبق على العائلة، وأصبح محكماً خلال الـ20 يوماً الأخيرة، فالكهرباء قطعت عنها، والطعام المتبقي لهم نفد. وحينها لم يتبق أمام العائلة سوى ترك المنزلين، والانتقال للإقامة في منزل الوالد محمود الطوباسي الواقع في قلب القرية التي لا يتجاوز عدد سكانها 700 فلسطيني وتحاصرها المستوطنات الإسرائيلية.
ولم يكن منزلا عائلة الطوباسي الوحيدين اللذين يستولي عليهما المستوطنون خلال الأسابيع الماضية، فقد وضعوا أيديهم على منزل قربهما قيد الإنشاء، واقتحموا استراحة غير بعيدة منهما.
وقلبت البؤرة الاستيطانية التي يقيم فيها عشرات المستوطنين أوضاع قرية جالود رأساً على عقب، وحولت حياة الفلسطينيين فيها إلى جحيم، حيث لا تكاد تتوقف هجمات المستوطنين حتى تعود من جديد.
حصار لشهور
يقول محمود الطوباسي في حديث إلى "اندبندنت عربية": "حاصرونا طوال 92 يوماً، وأطبقوا علينا الحصار بصورة كاملة لنحو 20 يوماً منها... لم نرحل من المنزلين إلا بعد انعدام سبل الحياة فيهما، وتهديد المستوطنين لنا بالحرق".
وخلال المقابلة كان الطوباسي يشاهد من بعيد المستوطنين وهم يقتحمون منزلي العائلة إذ أصبحوا يقيمون فيهما بعد خلع أبوابهما. وأشار إلى أن المستوطنين قطعوا التيار الكهربائي عن المنزلين منذ الـ29 من يونيو (حزيران) الماضي "ثم هددونا بالحرق كما حصل مع عائلة دوابشة التي أحرقها المستوطنون قبل أعوام في قرية دوما القريبة".
يمضي في حديثه بقوله "كل ساعة كانوا يقذفوننا بالحجارة، فكسروا الشبابيك، وخرقوا خزان المياه... لقد قاموا بكل شيء لاستفزازنا، وإجبارنا على الرحيل... وعندما صمدنا في وجه تلك الممارسات، حاصرونا بشكل كامل، مما اضطرنا في النهاية إلى ترك المنزلين حتى نعرف ماذا سيحصل لنا بعدها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واضطرت عائلة الطوباسي إلى ترك المنزلين الأربعاء الماضي، قبل أن يدخلهما المستوطنون ويستولوا عليهما. وهنا يقول "يريدون توسيع المستوطنات إلى هذه المنطقة الجبلية، على رغم أنها مصنفة (ب) وفق اتفاقات أوسلو أي خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية".
وعن موقف السلطات الإسرائيلية من حصار المنزلين والاعتداءات المتواصلة على عائلته، اشتكى الطوباسي من سياستها قائلاً "لقد كانوا في كل مرة يقولون لنا إنهم قادمون، لكنهم لا يأتون في النهاية".
وخلال المقابلة مع الطوباسي شنت مجموعة من المستوطنين هجوماً على قرية جالود انطلاقاً من منزل قيد الإنشاء استولوا عليه قبل أسابيع.
عجز حتى الرحيل
ووصف الناشط ضد الاستيطان بشار قريوتي الوضع في قرية جالود بأنه على "حافة الانفجار، نحن في حال تأهب، ونعيش على أعصابنا هذه الأيام، فهجمات المستوطنين لا تتوقف هنا"، وتابع "الناس لا تستطيع تحمل أن يأتي المستوطنون ويقيمون في وسط القرية. هذا غير مسبوق، يريدون فرض أمر واقع تصبح فيه قصة الطوباسي مألوفة علينا".
ووفق القريوتي فإن طرد عائلة الطوباسي من منزليهما يمثل رسالة لكل القرى الفلسطينية بأن المستوطنين يستطيعون فعل أي شيء بالفلسطينيين"، وأوضح أن المستوطنين "أوصلوا عائلة الطوباسي إلى مرحلة من العجز، لم يبق أمامهم سوى الرحيل في ظل تواطؤ قوات الاحتلال الإسرائيلي مع المستوطنين".
وتبلغ مساحة قرية جالود 21 ألف دونم (21 كم مربع) إلا أن المخطط الهيكلي لها لا يتجاوز 1000 دونم بعد مصادرة إسرائيل معظم أراضيها لإقامة مستوطنات عدة على أراضيها منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.
ووفق قريوتي فإن "الاحتلال الإسرائيلي يعمل على تضييق الخناق على عدد من العائلات في قرية جالود. لقد وضعت عائلة عباد حماية من الحديد حول زجاج شبابيك منزلها بسبب تكرار اعتداءات المستوطنين عليها".
وأشار قريوتي إلى أن "جالود لا تتحمل مواجهة المسلسل الاستيطاني الضخم"، مضيفاً أن "قرى قريوت وقصره تتضامن معها".
لكن قرية قريوت تتعرض أيضاً لاعتداءات المستوطنين، إذ أجبروا خلال الأشهر الماضية خمس عائلات على ترك منازلهم، وأقاموا بؤراً استيطانية فيها.
وعن طبيعة هؤلاء المستوطنين، قال قريوتي إنهم "ينتمون إلى تيارات متطرفة تتلقى دعماً مالياً من جمعيات صهيونية، وتحظى بالغطاء السياسي من الحكومة الإسرائيلية... في حال حصول حدث في الضفة الغربية، تتحرك تلك المجموعات بصورة منظمة وبلباس موحد وتكون مقنعة وخلال دقائق يحرقون المنازل، ويعتدون أحياناً، يقتلون قبل أن ينسحبوا بشكل سريع".
وشهدت اعتداءات المستوطنين ارتفاعاً غير مسبوق، إذ قتلوا 20 فلسطينياً منذ بداية العام الحالي، مقارنة بـ11 فلسطيني خلال 2025، و14 آخرين في 2024.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية تصدرت محافظة رام الله والبيرة عدد ضحايا المستوطنين بواقع 12، تلتها محافظة نابلس بواقع ثلاثة فلسطينيين.