Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسؤول أميركي: استراتيجية ترمب غير إيديولوجية

يقول وكيل وزارة الحرب إلبريدج كولبي إن دول أوروبا ستكون في موقع أفضل لإلقاء المواعظ حين تنفق على الدفاع مثل بلاده

وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسة، إلبريدج كولبي (أ ف ب)

ملخص

يرى المسؤول الأميركي أن استراتيجية ترمب تؤذن بنهاية التصور السائد بأن الدعم الأميركي "مضمون"، وهو أحد الافتراضات البائدة التي شكّلت عصر "النظام الدولي القائم على القواعد"، على حد قوله، ولذلك يتعين على الدول أن تدرك أن الشراكة مع واشنطن لم تعد حقاً مكتسباً، وأن استمرارها يرتبط بمدى استعداد الحلفاء لتحمّل نصيبهم من الأعباء.

كرّست خطابات دونالد ترمب، التي تتسم بتلقائية مفرطة، انطباعاً بوجود تفاوت بين خطابه وسياسته الفعلية، وهو ما دفع محللي السياسة الخارجية إلى المحاججة بأن الرئيس الأميركي لا يمتلك استراتيجية كبرى، ذات دوافع وأولويات متماسكة ومترابطة. وتبرز حرب إيران مثالاً على تعارض سياسة ترمب مع نقده المتكرر للتدخلات الخارجية المكلفة، ومع ذلك يكشف تتبع سياسته الخارجية عن أولويات ثابتة ومتسقة خطابياً وعملياً، وفي مقدمها مبدأ تقاسم الأعباء مع الحلفاء، والتركيز على المصالح، لا القيم، كموجّه للسياسة الخارجية.

ويدافع وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسة، إلبريدج كولبي، وأحد أبرز منظري إعادة ضبط علاقات واشنطن الدولية، عن الرأي القائل إن إدارة ترمب تمتلك استراتيجية كبرى، ويقول إنها مبنية على "الواقعية المرنة" و"المنطق السليم"، وهما عبارتان تبدوان فضفاضتين وقابلتين لتفسيرات عدة، إلا أن مقابلته الأخيرة مع "نيويورك تايمز" تكشف تصوراً دقيقاً ومثيراً للجدل، يقوم على تصور التحالفات الدولية كشراكات تجارية، والتعامل مع الخصوم ببراغماتية تحافظ على المصالح، من دون تحويل المواجهة إلى صراع إيديولوجي مفتوح.

ركائز الواقعية المرنة

يصف كولبي استراتيجية ترمب الكبرى بأنها "نهج غير إيديولوجي"، لإعادة ضبط العلاقات الدولية وتقييمها في ضوء الظروف الراهنة، بهدف الاستعداد لاحتمال اندلاع صراعات متزامنة، بطريقة واقعية ومستدامة، ويقوم هذه النهج على ركائز ثلاثة، الأولى تحديث القوات المسلحة وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، بما ينسجم مع أجندة إحياء الصناعات الأميركية المحلية، بعد عقود من الإهمال الذي أسهم في تفوق الصين، فيما تقوم الركيزة الثانية على مبدأ تقاسم الأعباء الدفاعية، الذي عرّض إدارة ترمب لاتهامات بالتنمر على حلفائها، وهو نهج يدافع عنه كولبي قائلاً "هل من القسوة مطالبة الألمان أو اليابانيين أو الفرنسيين بقدر ما ينفقه الأميركيون؟ لا أعتقد أن ذلك قاس، بل أراه عادلاً"، مشيراً إلى أن النهج الجديد استلزم استبدال "الرسائل الدبلوماسية المهذّبة" بالتهديد بإجراءات عقابية ضد دول أوروبا، في حال التقاعس عن زيادة الإنفاق الدفاعي.

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في الاستعداد لإبرام اتفاقات سلام مع الخصوم، بموازاة القوة العسكرية، ويستدل كولبي بالانفتاح الأميركي على التفاوض مع إيران، بالتوازي مع استخدام القوة لتدمير قدراتها النووية، ويشير إلى الاختلاف بين سياستي بايدن وترمب تجاه الصين وروسيا، قائلاً إن بايدن كان يهين قادة الدولتين من دون الحشد العسكري اللازم لدعم خطابه، أو الضغط على الحلفاء لتحسين موقف الولايات المتحدة، أمام التحديات الناجمة عن الخصومة معهما.

ويحرص المسؤول الأميركي على الفصل بين التواصل مع الخصوم والتساهل معهم، فهو يرى مثلاً ضرورة الجمع بين التواصل الدبلوماسي مع بكين، وبناء الردع بالتعاون مع الحلفاء، لمنعها من الاستيلاء على أراض حيوية في المحيط الهادئ أو غزو تايوان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حين وضعت حرب إيران أطروحات كولبي أمام اختبار صعب، بعدما دعا طويلاً إلى تجنب التدخلات الخارجية غير الضرورية، وتركيز الموارد على منع الصين من الهيمنة الإقليمية في آسيا، فإنه يقدم قرار ترمب باعتباره متسقاً مع "الواقعية المرنة"، ويميز بين الحروب الطويلة التي تستهدف تغيير الأنظمة، وبين الاستخدام المحدود للقوة لتحقيق أهداف محددة، تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإضعاف قدراتها الصاروخية والعسكرية، ضمن استراتيجية توائم بين العمل العسكري والعقوبات، والضغط الدولي والتفاوض، لدفع طهران نحو قبول تسوية أفضل، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة، على غرار فيتنام والعراق.

الدعم الأميركي غير مضمون

يرى المسؤول الأميركي أن استراتيجية ترمب تؤذن بنهاية التصور السائد بأن الدعم الأميركي "مضمون"، وهو أحد الافتراضات البائدة التي شكّلت عصر "النظام الدولي القائم على القواعد"، على حد قوله، ولذلك يتعين على الدول أن تدرك أن الشراكة مع واشنطن لم تعد حقاً مكتسباً، وأن استمرارها يرتبط بمدى استعداد الحلفاء لتحمّل نصيبهم من الأعباء.

ويربط كولبي، الذي يوصف بأنه العقل المدبر للسياسة الدفاعية الأميركية، إعادة الضبط الجارية بالنهج التبادلي الذي أدخله ترمب إلى العلاقات الدولية، انطلاقاً من خبرته كتاجر تعلّم فنون التفاوض وإبرام الصفقات في نيويورك، إذ يريد الرئيس إعادة تقييم علاقات واشنطن وفق اعتبارات "السوق"، لتعكس قيمة كل شراكة ما يقدمه الطرف الآخر في المقابل، سواء في الإنفاق الدفاعي أو تقاسم الأعباء، أو دعم المصالح الأميركية.

وأحدث المنطق التبادلي ضغوطاً على علاقات أميركا بحلفائها، خصوصاً في أوروبا، حيث عبّر بعض القادة عن استيائهم من خطاب ترمب وطريقة تعامله معهم، وأثارت المشاعر السلبية تجاه الإدارة الجمهورية مخاوف من أن تدفع الحلفاء إلى تبني مواقف مضادة لرغبات واشنطن، بما في ذلك التقارب مع الصين، أو السعي إلى بناء سياسات أكثر استقلالاً عنها، لكن كولبي يقلل من أثر هذه المشاعر، ويرى أن الدول تميل في النهاية إلى اتخاذ قرارات تتسق مع مصالحها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بغريزة البقاء، ويتوقع تكيّف الحلفاء مع سياسات ترمب بمرور الوقت، قائلاً إنه "خلال 10 أعوام ستكون ألمانيا، كما نأمل، قوة عسكرية كبيرة، ونأمل أن تكون كندا قادرة فعلياً على الوفاء بالتزاماتها تجاه 'قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية'، وعندها سيكون لدى هذه الدول مجال أكبر للاعتراض، وستقول لنا نحن نؤدي دورنا".

 

ويضع كولبي هذا التصور في صلب ما يسميه الـ "ناتو 3.0"، الذي يقوم على تعزيز القدرات العسكرية للحلفاء، بهدف انتقال المسؤولية الرئيسة عن الدفاع في أوروبا إلى دول القارة نفسها، ومنحهم هامشاً أوسع من الاستقلال، وجعلهم أكثر قدرة على مساندة الولايات المتحدة في الأزمات الخارجية، بما في ذلك الشرق الأوسط، مضيفاً "نحن لا نقول إن عليكم تنفيذ كل ما نطلبه طوال الوقت، بل نقول إن عليكم تعزيز قدراتكم، ومساعدتنا في عمليات مثل 'ملحمة الغضب' عندما يكون ذلك في مصلحتكم، ويفترض أيضاً أن التهديد النووي الإيراني يعنيكم".

التحالفات الدولية كشراكة تجارية

وأمام الرأي القائل إن التحالفات تحتاج إلى شيء من الصداقة والمودة المتبادلة، ينظر كولبي إلى العلاقة مع الحلفاء بمنطق أقرب إلى الشراكة التجارية، ويشبّهها بشركة محاسبة يملكها أبناء عمومة، يحقق فيها أحد الشركاء، وهو الولايات المتحدة، نجاحاً هائلاً، بينما تبقى الحصص والالتزامات على حالها، ويكتفي الآخرون باستدعاء الذكريات القديمة. وبالنسبة إليه، تفرض هذه الشراكة إعادة التفاوض وفق قيمتها الراهنة، لأن تعريض حياة الأميركيين للخطر، وتحميلهم الجزء الأكبر من نفقات الدفاع، يحتاجان إلى أساس أكثر صلابة من الصداقة. ويستشهد بعلاقة روزفلت وتشرشل، ليؤكد أن التحالف التاريخي لم يمنع واشنطن من التفاوض بصرامة مع بريطانيا، وكذلك يستعيد موقف أيزنهاور في "أزمة السويس" عام 1956، حين ضغط على بريطانيا وفرنسا للانسحاب، في مثال واضح على أن الحليف لا يملك حرية التصرف، من دون حساب المصالح الأميركية.

 ويقرّ كولبي بأهمية "أوتار الذاكرة الخفية"، أي الروابط التاريخية والعاطفية والثقافية، التي تجمع أميركا بحلفائها الغربيين، لكنه يعيد توظيفها في الاتجاه المعاكس، ففي مراسم إحياء "إنزال النورماندي"، ردّ على ملحق دفاعي بلجيكي انتقد أميركا بسبب النزعة الانعزالية، بالقول "نريد بريطانيا وكندا اللتين حاربتا أربعة أعوام في الحرب العالمية الأولى، وستة أعوام في الحرب العالمية الثانية، عندما تأخرنا في خوضهما"، وأشار إلى أن أوروبا "ستكون في موقع أفضل لإلقاء المواعظ علينا حين تنفق بقدر ما ننفق، وتكون مستعدة لبناء قدرات عسكرية، وتمتلك اقتصادات متطورة تسمح بأخذها على محمل الجد". وخلاصة موقف إلبريدج كولبي أن الصداقة لا تعفي الحلفاء من تحمل المسؤولية، وأن الضغط عليهم للقيام بدور أكبر، يمثل في نظره "صرامة نافعة" يمارسها الصديق.

المزيد من تقارير