ملخص
سن الكونغرس عام 2023 قانوناً يمنع الرئيس من تعليق، أو إنهاء، أو الانسحاب من الحلف من دون موافقة مجلس الشيوخ أو من خلال إصدار قانون جديد صادر عن الكونغرس، ولهذا من المستبعد جداً تغيير هذا القانون قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
بعد لقاء دونالد ترمب الأخير مع مارك روته أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن "الناتو" خضع للاختبار وفشل، فيما اعتبر الرئيس الأميركي أن الحلف لم يكن موجوداً حينما احتاجت إليه الولايات المتحدة، ولن يكون موجوداً إذا احتاجت إليه مرة أخرى. ومع ذلك لا يبدو أن تهديد ترمب بالانسحاب من الحلف العسكري الذي تأسس عام 1949 كأقوى تحالف عالمي في التاريخ الحديث، يحمل قدراً كبيراً من الواقعية بالنظر إلى ثلاثة أسباب قد تمنعه من تنفيذ تهديده. فما هذه الأسباب؟ ولماذا تمثل أهمية كبيرة لمصالح الأمن القومي الأميركي؟
"صراحة موجعة"
في اجتماع اتسم بالصراحة والوضوح مع أمين عام حلف شمال الأطلسي مارك روته لم يستطع الرئيس الأميركي تجاوز رفض الحلفاء الأوروبيين السماح للولايات المتحدة بالوصول إلى قواعدها العسكرية في إطار الحرب على إيران. فقد شعر دونالد ترمب بـ"الخيانة" من قبل الحلفاء الذين منعوا انطلاق العمليات العسكرية الأميركية من قواعد موجودة مثلما يعتقد، بفضل سخاء أميركا، ولهذا شكل رفض دول حليفة للولايات المتحدة مثل إسبانيا وفرنسا وبقدر أقل إيطاليا، السماح للطائرات الحربية الأميركية استخدام مجالها الجوي، جوهر استياء ترمب القديم من الحلف، وأكد وجهة نظره "بأن الأوروبيين ناكرون للجميل، ويعتمدون على الدعم الأمني الأميركي من دون تقديم أي مقابل".
لم يترك هذا الأمر لروته، الذي يركز على الحفاظ على مستقبل الحلف وضمان دعم أوكرانيا، خياراً سوى محاولة استيعاب غضب ترمب عبر اعترافه بخيبة أمل الرئيس الأميركي من عدم تقديم الحلفاء الأوروبيين مساعدات عسكرية. ومع ذلك أوضح أمين عام الحلف أن هؤلاء الحلفاء الأوروبيين أنفسهم يفعلون كل ما تطلبه الولايات المتحدة، وقدموا دعماً مهماً، في إشارة إلى سماح فرنسا للطائرات الأميركية التزود بالوقود حتى وإن لم تسمح لها بالإقلاع للقيام بعمليات هجومية، كذلك رست سفن حربية أميركية في اليونان وإسبانيا، وحلقت طائرات أميركية من قواعد بريطانية وإيطالية خلال الحرب التي استمرت خمسة أسابيع.
تخفيف الضغط
وفيما يبدو أن الارتباك بين الأميركيين والأوروبيين، كان يتعلق بغياب التوجيه من الولايات المتحدة في شأن ما هو مطلوب تحديداً ومتى. فإن ما أراده روته من خلال هذا الاجتماع هو منح الرئيس الأميركي فرصة للتعبير عن غضبه من أجل تخفيف بعض الضغط، لأن ذلك يعني استمرار الولايات المتحدة في بيع الأسلحة الأميركية لحلف "الناتو"، ومن ثم لأوكرانيا واستمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، وهو ما يبدو أن أمين عام الحلف نجح فيه.
بدت علامات النجاح النسبي في الأقل، عبر امتناع ترمب عن تقديم أي مطالب محددة، إذ لم يشر إلى أن الولايات المتحدة ستقلص التزاماتها تجاه الحلف على رغم سخطه الواضح الذي عبر عنه على موقع "تروث سوشيال" عقب الاجتماع مباشرة، لكن على رغم حدة تعليقاته، فإنها لم تتضمن أي تهديدات محددة باتخاذ إجراءات لمعاقبة حلف "الناتو" أو أعضائه.
مبررات ترمب
بالنسبة إلى الرئيس ترمب، فإن عضوية حلف "الناتو" تفرض كثيراً من النفقات على الولايات المتحدة، إذ تدفع واشنطن ما يقارب 750 مليون دولار أميركي سنوياً ككلف مباشرة للحفاظ على استمرارية عمل المنظمة، إضافة إلى نحو 4 مليارات دولار أميركي أخرى لمبادرة الردع الأوروبية، التي تقضي بتناوب بعض القوات الأميركية في أوروبا لردع أي هجوم روسي.
كذلك تتمركز قوات أميركية أخرى بصورة دائمة في ألمانيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة وإيطاليا، حيث تزيد كلفة إبقاء هذه القوات في مواقعها الحالية على الولايات المتحدة عن كلفة نشرها داخل أراضيها.
وبالنسبة إلى قوة عظمى عالمية تجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على وجود عسكري قوي في كل منطقة من العالم، فإن هذه النفقات ليست ضئيلة، لا سيما أن بعضها يمكن أن تتحملها الدول الأوروبية الغنية بنفسها.
انسحاب مستبعد
ومع ذلك، يبدو انسحاب ترمب من حلف "الناتو" مستبعداً إلى حد بعيد على رغم تهديده السابق بأنه "يدرس بجدية" سحب الولايات المتحدة من الحلف، ويعود ذلك لثلاثة أسباب جوهرية، قانونية وشعبية واستراتيجية.
أولاً، سن الكونغرس عام 2023 قانوناً يمنع الرئيس من تعليق، أو إنهاء، أو الانسحاب من الحلف من دون موافقة مجلس الشيوخ أو من خلال إصدار قانون جديد صادر من الكونغرس، ولهذا من المستبعد جداً تغيير هذا القانون قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تتطلب موافقة مجلس الشيوخ موافقة 60 عضواً من بين 100 عضو هم عدد أعضاء المجلس، ولا يسيطر الجمهوريون سوى على 53 مقعداً فحسب، إضافة إلى أن بعض الأعضاء الجمهوريين يعارضون الانسحاب من الحلف، ويستحيل إصدار قانون جديد لاحقاً إذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب.
ثانياً، تحظى عضوية الولايات المتحدة في "الناتو" بشعبية واسعة بين الأميركيين، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" عام 2025 أن 66 في المئة من المشاركين يعتقدون أن أميركا استفادت من عضوية "الناتو"، بينما رأى 32 في المئة فقط عكس ذلك. وعلى رغم الانقسام في الولايات المتحدة وتأييد عدد أكبر من الناخبين الديمقراطيين (77 في المئة) عضوية "الناتو" مقارنة بالجمهوريين (45 في المئة)، فإنه من الواضح أن الأميركيين عموماً يؤيدون عضوية أميركا في حلف "الناتو".
ثالثاً، سيؤدي الانسحاب من الحلف إلى إضعاف القوة العسكرية الأميركية بصورة كبيرة، حيث كشفت الأبحاث التي أجراها مؤرخون ومتخصصون في العلاقات الدولية على مدى أكثر من نصف قرن، عن أن الانسحاب من الحلف سيضعف الولايات المتحدة كثيراً، وعلى سبيل المثال، توصلت دراسة المؤرخ بول كينيدي المفصلة عام 1989، عن الحروب على مدى 500 عام، والتي كانت بعنوان "صعود وسقوط القوى العظمى"، إلى أن أحد العوامل الحاسمة للنجاح في الحرب هو الموارد التي تستطيع أطراف النزاع حشدها، حيث يستشهد كينيدي بمثالي الحربين العالميتين، مبيناً أن أحد الأسباب الرئيسة لهزيمة ألمانيا هو قدرة الحلفاء على حشد موارد بشرية وإنتاج أسلحة وأصول اقتصادية أكثر بكثير من ألمانيا وحلفائها، وفي نهاية المطاف، أثبت هذا العامل أنه حاسم في كلا الصراعين.
خطر إضعاف أميركا
على مدى أكثر من نصف قرن، أجريت أبحاث عدة لتقييم القدرات العسكرية للدول ضمن مشروع "محددات الحرب" الذي أسسه عالم السياسة الأميركي ديفيد سينغر عام 1963، والذي استهدف جمع بيانات منهجية حول أسباب الحروب ونتائجها، إذ سميت إحدى مجموعات البيانات التي جرى جمعها في المشروع "المؤشر المركب للقدرات الوطنية".
يجمع هذا المؤشر بيانات حول القدرات الديموغرافية والصناعية والاقتصادية والعسكرية للدول، بما فيها الولايات المتحدة والصين، وكلما ارتفع مؤشر القدرة الوطنية، زادت الموارد المتاحة للدولة لخوض الحروب.
ووفقاً لمؤشر "القدرة الوطنية المركب" لأقوى الدول، فقد جاءت الصين كأقوى دولة برصيد 23 نقطة على المؤشر، تليها الولايات المتحدة بفارق كبير برصيد 13 نقطة، فيما حازت خمس دول أخرى من حلف "الناتو"، وهي ألمانيا وتركيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى الولايات المتحدة على مجموع 20 نقطة، وهو رقم قريب جداً من مجموع نقاط الصين.
وعند إضافة الدول الأعضاء الأخرى في الحلف إلى المجموع الكلي، يصبح مجموع نقاط "الناتو" أعلى بكثير من مجموع نقاط الصين، لذا فإن افتراض قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب منفردة ضد الصين أمر مشكوك فيه، وفقاً للمتخصص في مجال العلوم السياسية في جامعة إسكس بول وايتلي.
كيف تعمل المادة 5؟
تنص المادة 5 من ميثاق حلف "الناتو" على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يعد هجوماً على جميع الدول الأعضاء، مما يستدعي تفعيل الدفاع الجماعي من قبل جميع الدول الأعضاء. وخلص تقرير حديث صادر من كلية الحرب البحرية الأميركية إلى أن هناك أدلة كثيرة ومتزايدة تشير إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني يعد قدرات موثوقة للهجوم على تايوان.
وأشار التقرير إلى أن الصين ستستخدم أساليب تشتيت واسعة النطاق لتضليل خصومها عند بدء الحرب، وذلك من خلال تحرك سريع لقواتها المسلحة لفرض أمر واقع عبر شن هجمات خاطفة غالباً ما ستكون ناجحة.
وبما أن للولايات المتحدة مستشارين عسكريين في تايوان وأصولاً عسكرية في المنطقة، والتي يجب تحييدها في المرحلة الأولى من الحرب في حال نجاح الهجوم الصيني على تايوان، فإن ذلك سيفعل المادة الخامسة من ميثاق "الناتو".
وفي هذه الحالة، ستجد الصين نفسها في حال حرب مع 32 من دول "الناتو"، ناهيك بدول في الشرق الأقصى، مثل اليابان وإندونيسيا وفيتنام، التي لديها مخاوف جدية في شأن أي هجوم صيني على تايوان، على رغم أنها ليست أعضاء في الحلف.
فوائد جمة
في الوقت نفسه، تجني الولايات المتحدة فوائد جمة من وجود حلف "الناتو"، وهو ما اعتبرته أجيال من الاستراتيجيين والضباط العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين، أمراً بالغ الأهمية بحسب أستاذ التاريخ والدراسات الدولية في جامعة لايدن أندرو غاوثورب.
وعلى سبيل المثال، خلص الرؤساء الأميركيون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى أن السماح لأوروبا بالخضوع لدورات متكررة من الصراع أو لهيمنة قوة معادية واحدة، أمر غير مقبول، لأنه لا يمكن للاقتصاد الأميركي أن يزدهر من دون التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنعم بالأمن إذا كان أحد أهم مراكز الثروة والقوة العالمية في أيدٍ معادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عالم متغير
تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 بهدف أن يكون قوة استقرار تتجنب هذه النتائج، ويتمثل هدفه الأساس في ردع أي عدوان ضد أي من دوله الأعضاء البالغ عددها 32 دولة. وعلى رغم أن العالم تغير منذ تأسيس الحلف، فإن أهمية الاستقرار الأوروبي للاقتصاد الأميركي لا تزال قائمة.
تعد أوروبا سوقاً رئيساً لعديد من الشركات الأميركية. ففي عام 2024، صدرت الولايات المتحدة خدمات بقيمة 295 مليار دولار تقريباً، وسلعاً بقيمة 414 مليار دولار تقريباً إلى الاتحاد الأوروبي، وهي أرقام تعادل مجتمعة نحو 80 في المئة من إجمال موازنة الدفاع الأميركية في هذا العام.
ومن خلال توفير ضمانات أمنية متينة للدول الأوروبية، يظل "الناتو" عنصراً حيوياً في الحفاظ على الاستقرار الذي يشكل أساس هذه العلاقة الاقتصادية، فهو يردع روسيا عن التوغلات العسكرية في أوروبا الشرقية ودول البلطيق، ويساعد على منع الانزلاق الكارثي إلى حرب أوروبية، وهو ما كان يحدث بصورة متكررة في القرون التي سبقت تأسيس الحلف.
كذلك الضمانات الدفاعية الأميركية تعني أن معظم الحلفاء الأوروبيين لا يشعرون بالحاجة إلى تطوير ترسانتهم الخاصة من الأسلحة النووية، لكن إذا انسحبت الولايات المتحدة من الحلف، فسنشهد خطوات من شأنها أن تطلق العنان لسباق تسلح نووي خطر.
الدفاع عن مصالح أميركا
ربما تبدو هذه الفوائد غير ملموسة لأنها تتعلق في الغالب بأمور لم تحدث منذ تأسيس حلف "الناتو"، ولكن الحلف يوفر عديداً من الفوائد المباشرة والملموسة للولايات المتحدة أيضاً، فعلى سبيل المثال، يمنح "الناتو" الولايات المتحدة الوسائل اللازمة للدفاع عن مصالحها في مناطق أخرى من العالم.
ومن خلال هذا الحلف، تتمتع الولايات المتحدة بإمكان الوصول إلى شبكة من القواعد البحرية والجوية والبرية ذات المواقع الاستراتيجية، والتي يمكن استخدامها لبسط نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى، مثلما استخدمت الولايات المتحدة قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في المملكة المتحدة لدعم العمليات العسكرية للصراع في إيران.
أيضاً يسهم حلفاء "الناتو" بصورة متكررة بقدراتهم في المهام العسكرية الأميركية، أو ينفذون مهام كان سيتعين على الولايات المتحدة القيام بها لولا قيام الأوروبيين بها. على سبيل المثال، قاتل عشرات الآلاف من جنود "الناتو" في أفغانستان، وفقد أكثر من 1000 منهم حياتهم، كذلك يقوم بحارة "الناتو" بدوريات في المحيط الأطلسي للحفاظ على استمرار حركة التجارة.
إضافة إلى ذلك يعزز شركاء الولايات المتحدة في "الناتو" مساهماتهم في أمن القطب الشمالي، وهو مطلب رئيس لإدارة ترمب، أيضاً يمتلك عديداً من أعضاء الحلف قدرات متخصصة في الحرب السيبرانية وجمع المعلومات الاستخباراتية، والتي يصعب على الولايات المتحدة محاكاتها.
إطار تعاون واسع
يوفر "الناتو" أيضاً إطاراً موحداً ومستداماً لهذا التعاون، إذ لا تضطر الولايات المتحدة إلى إعادة التفاوض باستمرار على علاقاتها الدفاعية مع كل دولة من الدول الـ31 الأخرى الأعضاء في "الناتو"، وبدلاً من ذلك، يستثمر جميع أعضاء الحلف في المعدات والقدرات التي يمكن دمجها في خطة قتالية مشتركة.
علاوة على ذلك، يعد "الناتو" منطلقاً للدبلوماسية الموحدة، حيث من المرجح أن تتفق الدول المتوافقة في سياساتها الدفاعية دبلوماسياً أيضاً، بالتالي تمتلك الولايات المتحدة مجموعة جاهزة من الحلفاء يمكنها الاعتماد عليهم في حال تصاعد التوترات مع أي دولة غير عضو في "الناتو". وإذا تدهور الوضع إلى درجة بات فيها الصراع وشيكاً، فإن التحالف يوفر الأساس لتنسيق زيادة الإنفاق الدفاعي، أو حتى خوض الحرب.
لا يعني هذا بالضرورة أن "الناتو" سيتبع الولايات المتحدة في كل صراع، لكن تفكيك تحالف يحقق للولايات المتحدة فوائد جمة لمجرد خلاف واحد، سيكون أمراً مؤسفاً، ولعل من الأفضل لترمب أن يدرك إحدى أهم مزايا الأصدقاء والحلفاء المقربين، وهي استعدادهم لمواجهته عندما يرتكب خطأ ما، بحسب خبراء في الشأن السياسي.
لذا، وبغض النظر عن موقف الرئيس الأميركي المتردد تجاه "الناتو"، فإن الحقيقة التي لا مفر منها أنه من دون دعم الحلف، قد تواجه الولايات المتحدة كثيراً من المشكلات وضعفاً في القدرة العسكرية وربما هزيمة أمام الصين في مواجهة مستقبلية محتملة في شأن تايوان.