ملخص
يسعى آندي بيرنهام إلى رفع حد الدخل المعفى من الضريبة لتخفيف أعباء المعيشة عن العاملين والمتقاعدين، لكن تمويل الخطوة قد يستدعي ضرائب أكبر على الثروة والعقارات، وقد يعود بالنفع على أصحاب الدخول الأعلى إذا أسيء تنفيذها. وتكشف الخطة معضلة بين إعادة توزيع الدخل وتحفيز النمو، فيما قد يبقى أشد الناس فقراً، ممن لا يعملون أو يعتمدون على الإعانات، خارج دائرة المستفيدين.
بحسب رئيس الوزراء البريطاني الجديد، كان تجميد عتبات ضريبة الدخل "أكثر ما سمعته عند طرق أبواب الناخبين". وهذا يثبت شيئاً واحداً وهو أن "الزيادات الضريبية المقنّعة"، حين يُتمادى فيها، تصبح واضحة فعلاً لكل من يعمل لكسب رزقه في زمن ترتفع فيه الأسعار وتراوح الأجور مكانها.
ويبدو أن آندي بيرنهام قد تنبه تماماً إلى ما يجري، ويريد التحرك، وبصورة جذرية إلى حد ما. وبعبارة يبدو مولعاً بها، يريد أن يمنح العاملين والمتقاعدين من ذوي الدخل المحدود "هامشاً أوسع لمواجهة أعباء المعيشة".
وفق الخطط الحالية، سيظل حد الدخل المعفى من الضريبة، والبالغ 12570 جنيهاً استرلينياً، مجمداً حتى عام 2031. وكان ريشي سوناك قد فرض هذا التجميد عام 2022 باعتباره إجراءً موقتاً، لكن استمرار النهج الذي اتبعته وزيرة الخزانة السابقة رايتشل ريفز كان ينذر بامتداده إلى أكثر من عقد. ومع بقاء هذا الحد ثابتاً في ظل ارتفاع الأسعار والأجور، يخضع جزء متزايد من دخل الناس للضريبة، فتتراجع الفائدة الفعلية من العمل لساعات أطول أو الحصول على زيادة في الأجر، ويصبح تأمين نفقات المعيشة أكثر صعوبة.
ولا يثقل كاهل الفقراء العاملين أو من يعتمدون كلياً على معاش التقاعد الحكومي، أكثر من إبقاء حد الدخل المعفى من الضريبة ثابتاً عند 12570 جنيهاً استرلينياً، فيما تتراجع قيمته الحقيقية عاماً بعد عام بسبب ارتفاع الأسعار.
فالحكومة لم تخفض هذا الحد، البالغ 12570 جنيهاً، بالأرقام، لكنها أبقته ثابتاً على رغم ارتفاع الأسعار، مما يعني أنه انخفض فعلياً بعد احتساب التضخم. ولهذا بدا لبعض الوقت أن كبار السن الذين يعتمدون على معاش التقاعد الحكومي سيضطرون، للمرة الأولى، إلى دفع ضريبة دخل على جزء من معاشاتهم ابتداءً من العام المقبل. فهذه المعاشات ترتفع سنوياً بموجب ضمان حكومي يعرف باسم "القفل الثلاثي" [يقضي بزيادتها وفق النسبة الأعلى من بين معدل التضخم، أو نمو متوسط الأجور، أو 2.5 في المئة]، بينما ظل حد الدخل المعفى من الضريبة ثابتاً.
وفي واحدة من خطواتها القليلة التي اتسمت بالحنكة السياسية، أقرت رايتشل ريفز استثناءً يضمن ألا يدفع ضريبة الدخل من يعتمدون كلياً على معاش التقاعد الحكومي. لكن هذا الاستثناء لا يشمل من يملك أي دخل إضافي، مهما كان ضئيلاً. فمن يحصل على بضعة جنيهات فقط من فوائد مدخراته لدى مؤسسة للادخار والإقراض العقاري، أو يتقاضى معاشاً تقاعدياً خاصاً متواضعاً، سيخضع للضريبة الإضافية، وإن اقتصرت على الجزء من مجموع دخله الذي يتجاوز 12570 جنيهاً. وهكذا أصبح هذا الإجراء ضريبة على المدخرين أيضاً. ويبدو أن بيرنهام يريد رفع حد الدخل المعفى من الضريبة، وربما رفع حدود الإعفاء الأخرى كذلك، لمساعدة الفئات المتوسطة الدخل التي ترزح تحت ضغط تكاليف المعيشة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن مثلما كان تجميد حد الإعفاء وسيلة مربحة أتاحت لوزارة الخزانة زيادة إيراداتها كثيراً من دون رفع معدلات الضرائب المعلنة، فإن إلغاء هذا التجميد سيكون باهظ الكلفة أيضاً. وإذا لم ينفذ بعناية، فقد يكون أصحاب الدخول الأعلى أكبر المستفيدين منه.
فرفع حد الدخل المعفى من الضريبة بمقدار ألف جنيه سنوياً، أي نحو 20 جنيهاً أسبوعياً، وهو تغيير سيكون أثره "ملموساً" بحسب تعبير بيرنهام، سيجبر وزير الخزانة الجديد على توفير خمسة مليارات جنيه من مصادر أخرى. وقد أدت الخطوط الحمراء (الحمقاء) التي وضعها حزب العمال، بعدم رفع ضريبة القيمة المضافة، أو ضريبة الدخل على الموظفين، أو مساهماتهم في التأمين الوطني، إلى إخراج ما يقرب من ثلثي مصادر الإيرادات الضريبية من دائرة الخيارات. وهذا ما اضطر ريفز إلى اللجوء إلى زيادات أكثر فجاجة عبر المنافذ القليلة التي أبقتها متاحة، وفي مقدمها زيادة مساهمات أصحاب العمل في التأمين الوطني، وهي عملياً ضريبة على التوظيف، فضلاً عن تجميد حدود الإعفاء الضريبي.
وحتى توفير خمسة مليارات جنيه من الخيارات المتبقية سيعني حتماً فرض ضرائب أكبر على الثروات، بما فيها العقارات، على رغم ما قد يترتب على ذلك على المدى الطويل من آثار سلبية في الحافز إلى العمل والادخار وتكوين المدخرات التقاعدية. وقد ينسجم هذا النهج مع برنامج بيرنهام القائم على تحقيق قدر أكبر من الإنصاف وإعادة توزيع الثروة، لكنه قد يضر في الوقت نفسه بالقدرة على تكوين الثروات.
وينطبق الأمر نفسه على محاولة تعويض هذه الكلفة من خلال خفض الإعفاءات الضريبية الممنوحة لمن يخضعون للمعدل الأعلى من ضريبة الدخل. ولا أحد يتعاطف مع من يتقاضون رواتب سنوية من ستة أرقام، لكن النظام الضريبي المفروض على أصحاب هذه الدخول ينطوي على مفارقات غريبة جداً وغير مفيدة. وبوصف رفع حد الدخل المعفى من الضريبة رمزاً للتراجع عن السياسات النيوليبرالية التي سادت خلال العقود الأربعة الماضية، وهو ما تعهد بيرنهام بفعله، فإنه ينضم إلى إعادة تأميم الشركات والخدمات بوصفهما ركيزتين أساسيتين في النهج السياسي المنسوب إليه، في مسعى لإعادة بريطانيا إلى "أمس أفضل". لكن الاقتصاد لم يكن في حال جيدة في تلك الأيام التي اتسمت بارتفاع الضرائب وبطء النمو الاقتصادي. ويبدو أن أنصار بيرنهام أكثر اهتماماً بإعادة تقسيم الكعكة الاقتصادية من العمل على زيادة حجمها، كما يقال.
وثمة نقطة أخيرة. فرفع حدود الدخل المعفى من الضريبة، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وتعزيز حقوق العمال، لا يقدم شيئاً لأشد الناس فقراً، وهم الذين لا يستطيعون العمل ويعتمدون على الإعانات الحكومية، أو الذين يظل دخلهم، بسبب عملهم بدوام جزئي، ضئيلاً إلى درجة أنه لا يبلغ أصلاً حد 12570 جنيهاً الذي تبدأ بعده ضريبة الدخل.
وهذا يقودنا إلى ما قد يعتزم بيرنهام فعله في شأن إعانات المرض والعجز. فقد استبعد إجراء "تخفيضات فجة" عليها، لكنه أقر أيضاً بأن كلفتها الإجمالية أصبحت مرتفعة أكثر مما ينبغي. فأين نصيب هؤلاء من تخفيف الضغوط المعيشية الذي يعد به؟