ملخص
تشهد العلاقة بين زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج وصحف اليمين الكبرى في بريطانيا، مثل "التايمز" و"التلغراف" و"الصن" و"ديلي ميل"، توتراً غير مسبوق بعد أعوام من التحالف الضمني، إذ انقلبت تغطية هذه الصحف على الرجل وحزبه على خلفية فضائح تمويل واستقالته من مقعده البرلماني لخوض انتخابات فرعية وصفها بأنها معركة الشعب ضد المؤسسة الحاكمة، فيما يهدد هو بإحياء ملف تنظيم الصحافة، في مواجهة قد تعيد رسم خريطة اليمين البريطاني برمته.
لم يعد الخلاف بين نايجل فاراج والإعلام اليميني البريطاني مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة بلغت ذروتها في منتصف يوليو (تموز) الجاري، حين فاجأ زعيم حزب "ريفورم" حتى المقربين منه بموجة غضب عارمة صبها على رئيس تحرير صحيفة "التايمز" توني غالاغر، في مشادة قيل إنها تضمنت شتيمة موجهة إلى الأخير، بسبب اعتزام الصحيفة نشر قصة عن منازل فاراج قال إنها تعرض عائلته للخطر، وانتهت بمواجهة قوية بحسب مصدر مطلع على اللقاء.
وأزمة فاراج مع الإعلام اليميني البريطاني تأتي بعد شهر عسل طويل، إذ كان قبل عام فقط يتودد إلى قيادات مجموعة "نيوز يو كيه" وقرائها، باعتبارهم شريحة حاسمة لتحويل تقدم "ريفورم" في استطلاعات الرأي إلى قاعدة قوة تخوله شن هجوم جدي على "داونينغ ستريت"، فحضر حفل المجموعة الصيفي وتعشى مع رئيسة تحرير "الصن" فيكتوريا نيوتن، بعدما تصدر شعار حملته المحلية "بريطانيا محطمة" الصفحة الأولى من الصحيفة.
مجموعة "نيوز يو كيه" التي تمثل الذراع البريطانية لإمبراطورية رجل الأعمال الأميركي - الأسترالي روبرت مردوخ الإعلامية، وتضم صحيفتي "التايمز" و"الصن"، تبدل مزاجها تجاه فاراج، مع "ديلي تلغراف" و"ديلي ميل"، منذ إثارة التساؤلات حول تمويله وشؤونه المالية، وباتت تغطياتها عسيرة القراءة على قيادات "ريفورم" في الأيام الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ملف الأموال
السبب المباشر للانقلاب الإعلامي يكمن في سلسلة تحقيقات صحافية طاولت مالية الرجل وحزبه، فقد كشفت "صنداي تايمز" أن فاراج لم يصرح عن منافع دفع كلفتها جورج كوتريل، وهو مدان بالاحتيال يبلغ 32 عاماً، جند ودفع أجور ثلاثة موظفين عملوا على حسابات فاراج في وسائل التواصل الاجتماعي قبل الانتخابات العامة عام 2024، مما وضع الزعيم اليميني أمام تحقيق جديد في معايير النزاهة البرلمانية.
ولم يكن ملف كوتريل الوحيد، إذ أعلنت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، أن حزبها سيخوض انتخابات فرعية ثانية محتملة قد تنظم في دائرة "كلاكتون" إذا ثبت أن فاراج خرق المعايير البرلمانية على خلفية منحة بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني تلقاها من ملياردير العملات المشفرة كريستوفر هاربورن، وتلك المنحة أصبحت محط تحقيق برلماني علق بعدما استقال زعيم "ريفورم" من عضوية مجلس العموم في السابع من يوليو الجاري.
تخلى فاراج عن مقعده البرلماني، لكنه سيشارك في الانتخابات الفرعية بدائرته "كلاكتون" في الـ13 من أغسطس (آب) المقبل، لأنه أراد من الاستحقاق أن يكون محاكمة شعبية لأفعاله التي يقول إنه لم يتجاوز القانون فيها، ومحاكمة علنية للمؤسسة الحاكمة التي "تطارده". بدا المشهد مسرحياً كما اعتاد البريطانيون من السياسي الشعبوي، لكن الأحزاب أفسدت الأمر، وأعلنت مقاطعة الاستحقاق وعدم تقديم مرشحين في مواجهة فاراج، ليصبح الممثل الهزلي كاونت بينفيس، المنافس الوحيد لزعيم حزب "ريفورم".
الصحف اليمينية سخرت من خطوة فاراج، إذ وصفت "التلغراف" قرار زعيم "ريفورم" خوض هذه الانتخابات بأنه مقامرة صيفية ومهزلة، على رغم أنها أفسحت المجال في صفحاتها لشخصيات من الحزب للتعبير عن استيائها من الإعلام.
شرارة الليفسون
الأخطر في حسابات الصحف لم يكن غضب فاراج من قصة المنازل، بل تلويحه بسلاح تعتبره الصحافة البريطانية خطاً أحمر، فقوبل قرار فاراج استحضار شبح تحقيق "ليفسون"، الذي فحص أخلاقيات الصحافة وأوصى بتنظيم أكثر صرامة لها، باستياء بالغ لدى قيادات الإعلام اليميني، وبخاصة أن توقيته جاء بينما كانت الصحف تحتفل بانتصار "ديلي ميل" هذا الشهر على مجموعة مدعين بينهم الأمير هاري، فشلوا في مقاضاتها في شأن مزاعم استخدام أساليب غير قانونية لجمع المعلومات.
وتحقيق "ليفسون" هو تحقيق قضائي أطلق عام 2011 برئاسة القاضي برايان ليفسون في أعقاب فضيحة اختراق الهواتف في صحف مردوخ، وأوصى بهيئة رقابية مستقلة مدعومة بالقانون رفضتها معظم الصحف باعتبارها تهديداً لحرية الصحافة.
ولم تقتصر مآخذ خصوم فاراج على التلويح بالتنظيم، بل امتدت إلى سلوك حزبه المباشر مع وسائل الإعلام، إذ تعالت دعوات لاستدعائه أمام نواب البرلمان لمساءلته عما وصف بهجوم "ريفورم" على الصحافة الحرة، بعدما هدد الحزب بمنع صحيفة "الاندبندنت" من حضور فعالياته ما لم تعدل قصة انتقادية، فيما اتهمت صحيفة "نوتينغهام بوست" المحلية إدارة الحزب بشن هجوم واسع على الديمقراطية بعد قطع التعامل معها.
أطراف المعركة
تتوزع أطراف هذا الصراع على جبهات عدة، ففي المعسكر الإعلامي تقف مجموعة مردوخ بصحيفتيها "التايمز" و"الصن"، بجانب "التلغراف" و"ديلي ميل"، وقد بلغ تصعيد هذا الفريق حد أن كتب تريفور كافانا في "الصن"، المحرر السياسي المخضرم والمقرب من مردوخ، أن "ما يجري هو الموت المفاجئ لحركة سياسية بدأت باسم حزب الاستقلال ثم ’بريكست‘ وبعدها ’ريفورم‘، أو بتسمية الأشياء بأسمائها نايجل فاراج"، وفي المقابل ما زال فاراج يعتمد على صحيفة "ديلي إكسبرس"، وقد لجأ إليها بعد نشر قصة كوتريل ليقول إنه "يدرس إجراء قانونياً، وإن المؤسسة الحاكمة لن تتوقف عند أي حد لإيذاء ’ريفورم‘".
ثمة قراءة ترى في الأزمة صداماً بين جناحين داخل منظومة اليمين الإعلامي نفسها، إذ يبدو أن فاراج ونائبه ريتشارد تايس قررا الوصول إلى السلطة من دون صحافة مردوخ، مراهنين على مزيج من وسائل التواصل ومنصات تتبع للملياردير البريطاني بول مارشال، مثل "جي بي نيوز" ومجلة "سبيكتيتور"، في مشهد يشبه مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع منظومة "فوكس نيوز"، علماً أن طريقة حسم الصدام البريطاني ستحمل تداعيات هائلة على مستقبل "ريفورم" وتركيبة الحكومة المقبلة.
في قراءة دوافع الصحف، يرى محللون أن ودها السابق لفاراج لم يكن حباً خالصاً، فقد قال أستاذ الإعلام في كلية غولدسميثس بجامعة لندن، دس فريدمان، إن "روابط الإعلام اليميني بحزب المحافظين عميقة الجذور، لكن التغطية الإيجابية لحزب "ريفورم" هدفت إلى الضغط على العمال والمحافظين في بعض الملفات مثل الهجرة والضرائب، هذه الصحف مهووسة بفاراج لكنها باتت أكثر استعداداً لانتقاده لأنها لا تراه حليفاً موثوقاً، وهي ليست مستعدة بعد لشطب المحافظين من حساباتها، فيما فقد فاراج وحزبه إلى حد ما بريق التمرد".
تداعيات سياسية
وفق المحرر السياسي في صحيفة "الغارديان" مايكل سافاج، تسود داخل "ريفورم" قناعة بأن انقلاب وسائل الإعلام اليمينية على فاراج والحزب كان متوقعاً، إذ "يقول قياديون في الحزب إنهم غير مندهشين من تدهور التغطية بعدما أمضى كثيرون منهم حياتهم السياسية في مواجهة ما يسمونه ’مؤسسة المحافظين‘، معتبرين أن الصحافة اليمينية صديقة الأيام الجميلة فقط"، لكن من وجهة نظر سافاج فإن نهج فاراج مستنسخ من عالم ترمب القائم على شيطنة ناقل الرسالة وحشد القاعدة وتقويض الإعلام.
تنقل الصحيفة ذاتها عن مصدر في "نيوز يو كيه" أن غضب حزب "ريفورم" علامة إحباط من فشله في كسب هذه الصحف أو مزيد من قرائها بصورة حاسمة، وفق تعبير المصدر. والسؤال هو إلى أي مدى فعلاً أثرت الخصومة مع صحف اليمين في فاراج وحزبه، وهل يمكن أن تفضي إلى تصعيد أكبر، أم هي قابلة للاحتواء؟
انعكست الأزمة سريعاً على موقع الحزب السياسي، فبعد صعود بدا كاسحاً في الانتخابات المحلية، إذ خرج "ريفورم" فائزاً واضحاً في انتخابات إنجلترا في مايو (أيار) الماضي موجهاً إهانة انتخابية لحزب العمال، جاءت الانتكاسات تباعاً. وقد لخصت "ديلي ميل" التحول في افتتاحية قالت فيها إن الأزمنة والحظوظ السياسية تتبدل بسرعة، فقبل أسابيع فقط كان صعود "ريفورم" يبدو غير قابل للإيقاف، لكن هزيمتين في انتخابات فرعية والمخاوف حيال الشؤون المالية لزعيمه غيرتا المشهد كثيراً، فيما نشرت الصحيفة نفسها في اليوم ذاته مقابلة إيجابية مع فاراج، في ازدواجية تعكس تردد اليمين الإعلامي بين القطيعة والاحتواء.
سيناريوهات مقبلة
يتوقف مسار الأزمة على ثلاثة اختبارات متتالية، أولها انتخابات كلاكتون الفرعية التي يرجح فوز فاراج فيها بعد انسحاب الأحزاب الكبرى، لكن قيمتها الرمزية ستتآكل إذا جاءت نسبة المشاركة هزيلة. وثانيها نتيجة تحقيقات النزاهة، إذ تلوح بادينوك بانتخابات فرعية ثانية إذا ثبت خرق فاراج المعايير البرلمانية، فضلاً عن أن تحقيقاً صحافياً كشف خضوع شخصيات في "ريفورم" لتدقيق الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة. وثالثها مصير العلاقة مع مردوخ، وهنا تبدو الأبواب غير موصدة تماماً، إذ تردد أن شخصية رفيعة في "نيوز يو كيه" مدت يدها إلى فاراج طالبة لقاء، لكن الحديث عن تأييد انتخابي لا يزال مبكراً.
الخلاف أعمق من مشادة عابرة مع رئيس تحرير، فهو صراع على من يقود اليمين البريطاني ومن يملك حق تتويجه، بين صحافة تقليدية ما زالت وفية لحزب المحافظين وترى في فاراج حليفاً انتهازياً غير مأمون، وزعيم شعبوي يراهن على منصات بديلة وقاعدة غاضبة. وفي المحصلة، استمرار الشكوك لدى بقية صحف اليمين من شأنه أن يوجه ضربة جدية لطموحات "ريفورم" الكبرى في الوصول إلى السلطة، فيما يراهن فاراج على صناديق كلاكتون لتمنحه تفويضاً شعبياً يرد به على الصحف والبرلمان معاً، لذا يبقى الجواب الحاسم مؤجلاً إلى الـ13 من أغسطس المقبل وما بعده من تحقيقات قد تعيد خلط الأوراق كلها.