ملخص
تشهد مدينة الأبيض، التي تستضيف عشرات الآلاف من النازحين من مناطق غرب وجنوب كردفان ودارفور، منذ نحو شهرين، هجمات متكررة بطائرات مسيرة تطلقها الجماعة، استهدفت محطة الكهرباء الرئيسة، ومحطات الوقود، ومواقع مدنية أخرى، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص.
في أول رد فعل لقوات "الدعم السريع" عقب التطورات الميدانية المتسارعة والتحولات الكبرى التي حققها الجيش خلال اليومين الماضيين باسترداده أربع مناطق استراتيجية في ولاية شمال كردفان، وهي بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة، استهدفت الجماعة مدينة الأبيض، عاصمة الولاية، بسرب من الطائرات المسيرة، من دون أن تحقق أهدافها.
وبحسب مصدر عسكري، فإن "الدعم السريع" أطلقت أكثر من خمس مسيرات باتجاه المدينة، وتمكنت الدفاعات الأرضية للجيش من إسقاط عدد منها قبل الوصول إلى هدفها. وأشار المصدر إلى أن المسيرات سقطت في محيط قيادة الفرقة الخامسة - مشاة وحي المطار، من دون تسجيل خسائر في الأرواح، في وقت سمع دوي انفجارات قوية في محيط الفرقة الخامسة.
وتشهد مدينة الأبيض، التي تستضيف عشرات الآلاف من النازحين من مناطق غرب وجنوب كردفان ودارفور، منذ نحو شهرين، هجمات متكررة بطائرات مسيرة تطلقها الجماعة، استهدفت محطة الكهرباء الرئيسة، ومحطات الوقود، ومواقع مدنية أخرى، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص.
البرهان في الخطوط الأمامية
في الأثناء، تفقد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الخطوط الأمامية للقوات في منطقتي أم سيالة وجبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، بعد ساعات من استعادة السيطرة عليهما وتأمين طريق الصادرات الرابط بين كردفان والعاصمة الخرطوم، حيث التقى قيادات المتحركات والقوات المساندة في المنطقتين. وأفاد مصدر في الجيش بأن البرهان أكد، خلال الزيارة، إصرار الجيش على تطهير كل شبر "دنسته قوات الدعم السريع، وإعادة المواطنين لمناطقهم بعد نزوحهم بسبب الحرب".
وتداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق زيارة البرهان الخطوط الأمامية في المنطقتين، وهو يحيي الضباط والجنود بإشارة الانتصار.
مخازن أسلحة
في هذا الوقت، عثر الجيش خلال عمليات التمشيط والتأمين الواسعة التي أعقبت استعادته عدداً من المناطق في شمال كردفان على مخازن ضخمة في منطقة جبرة الشيخ تضم كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، إلى جانب مخازن تحتوي على مواد غذائية وقطع غيار للمركبات القتالية والدراجات النارية.
وتعد جبرة الشيخ من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية على طريق الصادرات نظراً إلى موقعها الذي يربط بين شمال كردفان والعاصمة الخرطوم، كما تقع على مقربة من مدينة الأبيض، فضلاً عن أنها تمثل أحد أبرز مراكز تمركز "الدعم السريع" في المنطقة، بعد انتقال مجموعات منها إليها عقب انسحابها من ولاية الخرطوم، إذ شكلت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية في شمال كردفان، كما تعتبر موقعاً مهماً لتهديد خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى مدينتي أم درمان والأبيض.
وواصل الجيش وحلفاؤه عمليات التمشيط لتأمين المناطق التي استعادها، وملاحقة عناصر "الدعم السريع" التي هربت من ميدان القتال.
وأوضحت مصادر ميدانية أن الطيران الحربي التابع للجيش دخل بقوة على خط المواجهة، متعاملاً بفعالية ودقة عالية مع العناصر الهاربة في عمق صحراء كردفان للقضاء عليها وتدمير ما تبقى من آلياتها القتالية.
في الوقت نفسه، دفع الجيش بأربعة متحركات جديدة لمناطق العمليات، عقب الانتصارات الاستراتيجية الحاسمة له التي تكللت بتحرير وتطهير عدد من المدن والمناطق الحيوية بشمال كردفان.
خسائر كبيرة
من جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة الرائد متوكل علي وكيل أن "الدعم السريع" تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد خلال العمليات الأخيرة بشمال كردفان، تمثلت في الاستيلاء على 54 مركبة قتالية بحالة جيدة، وتدمير وإحراق أكثر من 62 مركبة أخرى، بجانب مقتل أعداد كبيرة من عناصر الجماعة وفرار من تبقى منهم تاركين معداتهم في أرض المعركة. وقال وكيل في بيان إن "قوات الجيش والقوات المشتركة تواصل عمليات المطاردة والتمشيط حتى تطهير كامل التراب السوداني من الميليشيات المتمردة واستعادة الأمن والاستقرار في كل المناطق". ونوه البيان إلى أن "هذه الانتصارات المتواصلة تؤكد المستوى العالي من الجاهزية والصلابة التي يتمتع بها الجيش، في وقت تواجه الجماعة أسوأ أوضاعها العسكرية في ظل الخسائر المتلاحقة التي منيت بها في مختلف المحاور".
نهب وتدمير
في السياق، أفادت شبكة أطباء السودان بأن "الدعم السريع" نهبت ودمرت مستشفى "جبرة الشيخ" بولاية شمال كردفان وحولته إلى ثكنة عسكرية، وشددت الشبكة في بيان على ضرورة الامتناع عن استخدام المرافق الصحية كمقار أو ثكنات عسكرية، واحترام حياد المؤسسات الطبية وعدم استهدافها أو نهبها. وحث البيان على ضمان حماية المنشآت الصحية والعاملين فيها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي أدت إلى تدمير مستشفى "جبرة الشيخ" وخروجه عن الخدمة، متهماً الجماعة باستهداف المرافق الصحية والأعيان المدنية في حربها ضد الجيش.
وأظهرت مقاطع متداولة عقب استعادة الجيش المنطقة حجم الدمار الواسع الذي لحق بالمشفى.
"حميدتي" يتوعد
من جهته، توعد قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي" بنقل المعارك إلى الأمام من دون تحديد المناطق التي ينوي استهدافها، وقال في مقطع فيديو، وهو أول تعليق له عقب خسارة قواته نحو خمس مناطق في ولاية شمال كردفان خلال اليومين الماضيين، إن "قواعد اللعبة قد تغيرت"، وأكد أن قواته كبدت الجيش خسائر خلال يومي السبت والأحد الماضيين، وحذر مقاتليه من التصوير أثناء المعارك وفي جبهات القتال، إلا للأشخاص المكلفين بهذه المهمة، قائلاً "أي فرد يقوم بالتصوير نعتبره طابوراً خامساً"، وحث قواته على الالتزام بحماية المدنيين، وأشار قائد "الدعم السريع" إلى أن أنصاره في جبهات القتال يتمتعون بمعنويات مرتفعة، مؤكداً أن المعركة ستكون إلى الأمام وأنه لا تراجع إلى الخلف بعد اليوم، وأشار "حميدتي" إلى الدفع بتعزيزات عسكرية لقواته في جبهات القتال، قائلاً "إخوانكم وصلوكم"، في إشارة إلى وصول مجموعات جديدة من المقاتلين إلى محاور القتال، مما يعني أن إقليم كردفان بات على موعد مع معارك ساخنة خلال الأسابيع المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحول عملياتي
في سياق متصل، اعتبر الباحث العسكري والاستراتيجي اللواء أشرف محمد محمود التطورات العسكرية المتسارعة في شمال كردفان وما حققه الجيش من انتصارات باسترداد مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، وتأمين طريق الصادرات، بأنه "تحول في أسلوب إدارة العمليات لناحية التركيز على الدفاع عن المدن، إلى تنفيذ عمليات متزامنة على محاور عدة، بما يهدف إلى تشتيت قدرات الخصم وتقليل قدرته على حشد قواته في جبهة واحدة"، وأضاف "لقد برز ذلك من خلال النشاط العسكري في محاور شمال دارفور، وغرب دارفور، وشمال كردفان، فضلاً عن تنفيذ عمليات متزامنة في أكثر من مسرح عمليات، مما قد يزيد الضغط على الطرف المقابل، ويصعب عليه إعادة توزيع قواته بسرعة"، وأشار محمود إلى أنه إذا استقرت هذه المكاسب ميدانياً، "فإنها قد تمثل مرحلة جديدة في إدارة العمليات العسكرية، ليس فقط في شمال كردفان، وإنما في مسار الحرب بصورة عامة"، وأكد أن شمال كردفان تمثل عقدة مواصلات تربط وسط السودان بغربه، كما يمر عبرها طريق الصادرات، أحد أهم الطرق الاقتصادية والاستراتيجية، "لذلك فإن السيطرة على هذا المحور قد تمنح الجيش ميزات عملياتية تتعلق بحرية الحركة والإمداد، وفي المقابل تحد من قدرة الخصم على التنقل بين مناطق نفوذه".
وأوضح أنه في حال استمرار هذه المكاسب "قد تواجه الدعم السريع تحديات عدة منها: تضييق خطوط الإمداد بين مناطق انتشارها، وزيادة الحاجة إلى توزيع قواتها على جبهات عدة في وقت واحد، وارتفاع الضغوط اللوجستية نتيجة فقدان بعض الطرق الحيوية، إضافة إلى تراجع القدرة على المبادرة إذا استمرت العمليات على أكثر من محور".
وفي شأن احتمال فتح محور غرب كردفان، أفاد محمود بأن ذلك يبقى احتمالاً مرتبطاً بالقرارات العسكرية والظروف الميدانية، "ولا يمكن الجزم به في الوقت الحالي، وإذا تحقق مثل هذا التحرك، فقد يؤدي إلى زيادة الضغط على قوات الجماعة من اتجاهات متعددة، ويمنح الجيش خيارات عملياتية أوسع"، وتابع "من اللافت أن العمليات الحالية تأتي في فترة تتأثر فيها الحركة العسكرية عادة بالأمطار والخريف، وهي ظروف قد تعوق التنقل والإمداد، ومع ذلك فإن استمرار النشاط العسكري في محاور عدة قد يشير إلى وجود استعدادات لوجستية وتخطيط يهدف إلى تقليل أثر العوامل المناخية في سير العمليات، مع بقاء تأثير الطقس عاملاً قد يختلف من منطقة إلى أخرى"، وخلص الباحث العسكري والاستراتيجي إلى القول "تعكس العمليات الأخيرة في شمال كردفان، إلى جانب النشاط في محاور أخرى، تطوراً في نمط إدارة العمليات العسكرية، يقوم على التحرك في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، وإذا استمرت هذه الوتيرة مع الحفاظ على المكاسب الميدانية، فقد تؤثر في ميزان العمليات خلال المرحلة المقبلة، ومع ذلك، فإن النتائج الاستراتيجية النهائية ستظل مرتبطة بقدرة كل طرف على تثبيت مواقعه، وإدارة الإمداد، والتعامل مع المتغيرات الميدانية والمناخية".
نزوح إلى تشاد
في موازاة ذلك، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن فرقها الميدانية رصدت نزوح نحو 2545 شخصاً من قرى بمحلية أمبرو في ولاية شمال دارفور، جراء انعدام الأمن، مشيرة إلى أن غالبية الأسر المتضررة عبرت الحدود إلى تشاد. وتابعت المنظمة، في بيان، أن "الوضع لا يزال متوتراً وشديد التقلب".
وتستضيف ولاية شمال دارفور 1684727 نازحاً، يعيشون في ظل أوضاع إنسانية صعبة.
وكانت "الدعم السريع" قد شنت، منذ مطلع يوليو (تموز) الجاري، هجمات عدة على محلية أمبرو والقرى المحيطة بها.
وتسيطر القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح المتحالفة مع الجيش على هذه المنطقة، التي تعد من آخر الجيوب الخاضعة لسيطرة الجيش في إقليم دارفور.
وكانت "الدعم السريع" قد سيطرت على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، وسط تقارير تحدثت عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان أثارت إدانات دولية.