ملخص
تعتبر عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية أكثر من مجرد انفراج دبلوماسي، بل مؤشر إلى إدراك متزايد بأن الخلاف بين الجارين لا يخدم مصالح أي منهما، وأن المستفيد الحقيقي من استمرار القطيعة هو كل طرف يسعى إلى إبقاء منطقة الساحل فضاء مفتوحاً للصراع الداخلي والتدخل الخارجي.
يعيش الساحل الصحراوي الأفريقي على وقع تطورات دبلوماسية بارزة تتمثل في عودة العلاقات الجزائرية - المالية بعد قطيعة استمرت لأكثر من 14 شهراً، وهو التقارب الذي من شأنه تشكيل خريطة تحالفات إقليمية جديدة، إذ باشر السفراء عملهم في العاصمتين مع فتح المجال الجوي بين البلدين، في تحوّل طرح تساؤلات حول مستقبل المنطقة التي تعاني أوضاعاً أمنية واقتصادية واجتماعية صعبة.
عودة الدفء
يبدو أن العلاقات بين الجزائر ومالي أخذت مسارها الطبيعي بعدما أمر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون والحكومة الانتقالية المالية بعودة سفيريهما في الجزائر وباماكو، وفتح المجال الجوي بين البلدين أمام كل الطائرات المدنية والعسكرية، وإذ أبرزت الجزائر أن "القرار ينبع من الحرص الدائم والثابت على إعادة العلاقات الجزائرية - المالية إلى منحاها التاريخي والطبيعي المبني على أساس الاحترام المتبادل، والتمسك بإقامة علاقات أخوة وتعاون تخدم مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين وكل دول منطقة الساحل الصحراوي والقارة الأفريقية برمتها"، أوضحت مالي أن الخطوة تأتي في إطار إعادة الديناميكية لعلاقات التعاون والصداقة بين الجمهوريتين.
وبحسب متابعين، فإن التقارب يأتي في وقت تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، بما يجعل استئناف العلاقات رهاناً استراتيجياً لتعزيز الاستقرار الإقليمي ودفع التعاون الثنائي نحو آفاق أوسع، كذلك فإنها خطوة تتجاوز النظرة الدبلوماسية نحو مرحلة جديدة تفرضها التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، على اعتبار أن الجغرافيا والسياسة تفرضان على البلدين مسارات أكثر حيوية باتجاه تثمين الروابط الاجتماعية واستغلال الممكنات الاقتصادية النفعية.
تغليب الحوار
وتفيد المؤشرات أن الجزائر ومالي اختارتا تغليب منطق الحوار على التصعيد، إدراكاً منهما لحجم التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، وفي مقدمها تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وإذ تحافظ الجزائر على حضور دبلوماسي بارز في ملفات الساحل، انطلاقاً من قناعتها بأن أمنها القومي يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار دول الجوار، تبقى مالي شريكاً محورياً بحكم الحدود المشتركة والمصالح الأمنية والاقتصادية المتداخلة.
وتعتبر عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية أكثر من مجرد انفراج دبلوماسي، بل مؤشر إلى إدراك متزايد بأن الخلاف بين الجارين لا يخدم مصالح أي منهما، وأن المستفيد الحقيقي من استمرار القطيعة هو كل طرف يسعى إلى إبقاء منطقة الساحل فضاء مفتوحاً للصراع الداخلي والتدخل الخارجي.
وقد تمثل العودة بداية لإعادة بناء توازن إقليمي جديد يقوم على ترميم الثقة بين دول الجوار وتأسيس تعاون أمني واقتصادي أكثر استقلالية، بما يسمح لدول المنطقة بالتعامل مع أزماتها انطلاقاً من مصالحها الخاصة، وليس وفق أجندات من خارج القارة، لذا فالرهان الحقيقي لا يتعلق بإعادة السفراء أو فتح الأجواء فقط على رغم أهمية هذه الخطوات، وإنما بإعادة بناء فضاء إقليمي قادر على حماية أمنه الجماعي وتحقيق تنميته ومواجهة أشكال الاستعمار الجديد التي لم تعد تحتاج دائماً إلى الجيوش والاحتلال المباشر، فقد تأتي في صورة نفوذ اقتصادي، أو تبعية تكنولوجية، أو تحكم في الموارد، أو إدارة للأزمات بما يضمن استمرار التبعية إلى الخارج.
رهانات وتحديات
في السياق، يرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية كمال دماني، أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي بعد أكثر من عام من القطيعة يندرج ضمن رهانات سياسية وأمنية واستراتيجية تفرضها التطورات المتسارعة في منطقة الساحل، لافتاً إلى أن التحديات الأمنية الراهنة تتصدر أولويات البلدين، بخاصة في ظل ما شهدته مالي خلال الفترة الأخيرة من تطورات تمثل تهديداً مباشراً للمجال الحيوي المشترك.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تقتضي استعادة التنسيق الأمني الكامل بين البلدين، وكذا محاولة إحياء مسار المصالحة الوطنية باعتبارها أولوية لاحتواء الأوضاع الداخلية ومنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن البعد الإنساني يشكل بدوره أحد دوافع التقارب بين البلدين، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في شمال مالي ومناطق أخرى نتيجة العزلة التي تعيشها السلطات المالية، مؤكداً أن الجزائر تواصل الدفاع عن مقاربة تنموية لمعالجة أزمات الساحل، تقوم على دعم التنمية والاستقرار، بخلاف المقاربات التي ترتكز على الحلول العسكرية، والتي أسهمت في زيادة تعقيد الأوضاع بالمنطقة.
وشدد على أن الهدف النهائي لهذا المسار يتمثل في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وإبعاد منطقة الجوار الجزائري عن التدخلات الأجنبية، بما ينسجم مع الموقف الرافض لأي تدخل خارجي في شؤون دول المنطقة، فضلاً عن توفير بيئة آمنة للمشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمها المشاريع الطاقوية التي تمر عبر دول الساحل.
جذور التوتر
وكانت الأزمة بين البلدين اندلعت في أبريل (نيسان) 2025 عقب إعلان الجزائر إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من دون طيار بالقرب من منطقة تين زاوتين الحدودية، مؤكدة أنها اخترقت المجال الجوي الجزائري لمسافة تقارب كيلومترين، فيما رفضت السلطات المالية هذا القرار، واعتبرت أن الطائرة أسقطت داخل أراضيها، وزعمت أن الحادثة عمل عدائي، وأعقب ذلك تبادل إجراءات التصعيد، إذ استدعت الجزائر سفيرها لدى باماكو للتشاور، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطيران المالي، قبل أن ترد مالي بالمثل، مما أدى إلى تجميد جزء معتبر من العلاقات السياسية وتعطيل التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.
غير أن جذور التوتر كانت أعمق من حادثة الطائرة المسيّرة، إذ سبقها خلاف حول اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة، بعد إعلان المجلس العسكري في باماكو إنهاء العمل به، إلى جانب اتهامات وجهتها مالي إلى الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية، مما أسهم في اتساع فجوة الخلاف بين الجانبين.
أكثر من مصالحة
إلى ذلك، يعتبر الإعلامي المالي عومارو فومبا، أن الانفراج الدبلوماسي بين باماكو والجزائر أدى إلى إنهاء أشهر عدة من الأزمة المفتوحة، لكن هذا التقارب، الذي تمليه اعتبارات سياسية إقليمية أكثر من مصالحة جوهرية، لا يمحو القضايا التي لا تزال تفرق بين العاصمتين، موضحاً أن هذه النتيجة كانت متوقعة على نطاق واسع، إذ بدا أن العاصمتين عالقتان في حال جمود من دون حل فوري. وقال "منذ وصوله إلى السلطة، دأب المجلس الانتقالي على قطع الاتفاقات والشراكات القائمة التي اعتبرها بالية أو تتعارض مع المصالح الوطنية، فبعد انسحاب القوات الفرنسية عام 2022 نقضت اتفاق السلم والمصالحة في 2024، ثم أسفر الحوار المالي المشترك من أجل السلام الذي عقد عام 2024 عن ميثاق جديد للسلام والمصالحة الوطنية، أُسند تنفيذه إلى مرصد متخصص منذ عام 2025"، مشيراً إلى تمكن الجيش المالي من تحييد عديد من قادة الجماعات الإرهابية بفضل دعم الشراكات الاستراتيجية التي أقيمت مع روسيا والصين وتركيا على وجه الخصوص.
وتابع فومبا "هذا التقارب في العلاقات لا يعد مفاجئاً لأي متابع من كثب للدبلوماسية الإقليمية، فالجزائر تحافظ على علاقات وثيقة مع جارتها النيجر، ويتجلى ذلك في تزايد عدد الزيارات الدبلوماسية الرفيعة المستوى بين الجانبين". مبيناً أن هناك تبايناً في وجهات النظر حول قضايا إقليمية ودولية عدة، مما يجعل التقارب الحاصل عملية وظيفية في المقام الأول، تمليها ضرورات الأمن العاجلة. واستدرك "مع ذلك، يبقى هذا نبأ ساراً لاستقرار منطقة الساحل، في وقت تحتاج مالي إلى الهدوء على حدودها الشمالية لمواصلة إعادة إعمارها".
قرارات متتالية وتساؤلات
وتتسارع الأمور في باماكو بشكل يطرح تساؤلات حول حقيقة الأوضاع، إذ تبع قرارات إعادة السفير إلى الجزائر وفتح المجال الجوي خطوات أخرى بارزة، أهمها إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون، خلال وجوده أمس في نيجيريا، عن تقديم مساعدات بقيمة 500 مليون يورو (ما يعادل 570 مليون دولار) لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، بما في ذلك مالي وبوركينا فاسو، مؤكداً أن هذا التمويل الضخم يعتبر وسيلة فرنسا للحفاظ على نفوذها في منطقة عانت فيها انتكاسات سياسية عدة، لا سيما بعد انسحاب قواتها من مالي.
ورأى الإعلام المالي أن الإعلان على رغم صدوره في نيجيريا، فإنه يستهدف مالي بوضوح، حيث تسيطر الجماعات الإرهابية على نحو 40 في المئة من أراضيها، وأن هذه المساعدات قد تفيد القوات الحكومية في مالي بشكل غير مباشر، على رغم التوترات الحالية بين باماكو وباريس.
وأقدم المجلس العسكري في مالي على استئناف الحوار مع "إيكواس"، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إذ كشفت المنظمة عن استئنافها المفاوضات مع باماكو من أجل انتقال سياسي شامل، بعد أشهر من التوترات الدبلوماسية التي اتسمت بالعقوبات الاقتصادية وتعليق بعض الأنشطة.
وقالت الصحافة في مالي إن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تتجه نحو نهج أكثر تصالحاً، لكن وراء هذا الانفتاح تكمن صراعات حاسمة على السلطة من أجل مستقبل مالي ومنطقة الساحل بأكملها.