Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التصعيد في مالي يهدد الثقل الجيوسياسي لليبيا

مخاوف من انتشار الجماعات المسلحة في المثلث الحدودي مع النيجر والجزائر وتداخل روسيا في حسابات المنطقة

تعد بلدة أنفيس بمثابة البوابة الاستراتيجية التي تتحكم في التحركات نحو "المعقل التاريخي" لـ "الطوارق" (أ ف ب)

ملخص

تتشارك كيدال في الروابط الاجتماعية لـ "الطوارق" والحدود الجغرافية مع جارتَيها في الساحل، حيث تحدّها النيجر من الشرق والجزائر من الشمال، وترتبط كلاهما بحدود مشتركة مع ليبيا، التي تنتشر بها قبائل "الطوارق"، وتتخذ موسكو من حدودها الجنوبية والشرقية مجالاً لتحريك عناصر الفيلق الأفريقي نحو دول الساحل والصحراء، مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

تواصلت الهجمات المسلحة أمس الإثنين التي هزت شمال مالي بعد أن تعرض وسط البلاد أيضاً السبت الماضي إلى معارك في محاولة من "الطوارق" المنضوين تحت "جبهة تحرير أزواد" لإسقاط القاعدة العسكرية المتمركزة ببلدة أنفيس شمال مالي، والتي تُعتبر آخر معاقل الجيش المالي المدعوم عسكرياً من الفيلق الأفريقي- الروسي.

وتعد بلدة أنفيس بمثابة البوابة الاستراتيجية التي تتحكم في التحركات التي تقود إلى مدينة كيدال المعروفة بـ "المعقل التاريخي" لحركات التمرد الانفصالية لـ "الطوارق" (إقليم "أزواد").

اختبار لروسيا

وتتشارك كيدال في الروابط الاجتماعية لـ "الطوارق" والحدود الجغرافية مع جارتَيها في الساحل، حيث تحدّها النيجر من الشرق والجزائر من الشمال، وترتبط كلاهما بحدود مشتركة مع ليبيا، التي تنتشر بها قبائل "الطوارق"، وتتخذ موسكو من حدودها الجنوبية والشرقية مجالاً لتحريك عناصر الفيلق الأفريقي نحو دول الساحل والصحراء، مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، فهل تدفع هذه العوامل القبلية والجغرافية روسيا إلى إعادة التفكير في توزيع نفوذها بين الساحل وليبيا، بخاصة في ظل تفاقم الاقتتال في مالي؟

ويقول الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين، إن التصعيد الذي تشهده منطقة الساحل الأفريقي وبخاصة مالي سيفرض على الجانب الروسي الشريك الأبرز للمجلس العسكري المالي إعادة التموضع وتوزيع نفوذه وانتشاره العسكري بهدف تحقيق المقاربة الأمنية المنشودة، باعتبار أن رهانات المجلس العسكري المالي كانت كبيرة على روسيا بغاية الوصول إلى مكاسب عسكرية متمثلة في تحقيق انتصارات على المجموعات المتطرفة وعلى الحركات الانفصالية على غرار "جبهة تحرير أزواد" التي ينخرط بها "الطوارق"، غير أن تلك الرهانات لم تتحقق باعتبار أن القوات الروسية لم تحرز الكثير من النجاحات، وفق قوله .

ويتابع تورشين في تصريح خاص لـ "اندبندنت عربية" أنه بعد رهان "جبهة تحرير أزواد" ممثلة في "الطوارق" وحليفتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" على استنزاف القوات الحكومية المالية وحليفها الفيلق الأفريقي الروسي، فإن موسكو ستدفع بعدد من العناصر القتالية الموجودة في ليبيا وأفريقيا الوسطى نحو مالي لتعزيز الفيلق الأفريقي- الروسي ومنع انهيار القاعدة العسكرية المتمركزة ببلدة أنفيس بولاية كيدال.

وينبه المتحدث إلى أن أي تراخٍ في تحقيق هذه المهمة سيدفع هذه الجماعات للتمدد نحو دول الساحل الأخرى كبوركينا فاسو والنيجر وليبيا مما سيضع الحضور الروسي أمام اختبار حقيقي سيؤثر بشكل كبير في مكانة روسيا في منطقة الساحل الأفريقي.

توزيع النفوذ

ويرى العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، أن النفوذ الروسي في أفريقيا لم يعد حادثة معزولة ومرتبطة بدولة واحدة، بل أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية ضد الغرب، بخاصة بعد حرب أوكرانيا والعقوبات على روسيا.

ويذهب بالنصر إلى أن تصاعد التوترات في مالي قد يدفع روسيا لإعادة ترتيب أدوات نفوذها بين الساحل وليبيا، لكن ليس بالضرورة الانسحاب من منطقة لمصلحة أخرى، فالأمر يتعلق بإعادة ترتيب الأولويات والموارد لخدمة مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى.

ويواصل حديثه قائلاً بأنه منذ 2021، أصبحت مالي مركزاً رئيسياً للنفوذ الروسي في أفريقيا بعد تراجع الفرنسيين، إذ استغلت موسكو المشاعر المناهضة لفرنسا والانقلابات العسكرية، وعززت وجودها عبر التعاون العسكري والأسلحة والتدريب، فأصبحت مالي بوابة روسيا للتوسع في الساحل، أما ليبيا فهي ليست مجرد دولة مجاورة، بل إنها نقطة ارتكاز على البحر المتوسط، ومنفذ قريب من أوروبا، وبوابة للتأثير في الطاقة والهجرة، وهي بذلك تعد مركزاً لوجستياً يربط روسيا بالساحل وأفريقيا الوسطى والسودان، وساحة لموازنة النفوذ الغربي في "الناتو".

 

 

ويقول العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي إن نفوذ روسيا في ليبيا يمتد للاقتصاد والاستراتيجيات، ولا يقتصر على الجانب العسكري، لافتاً إلى أنه لو تصاعدت العمليات المسلحة في مالي، سيكون أمام روسيا عدد من الخيارات من بينها، تعزيز انخراطها بزيادة المستشارين والأسلحة والطائرات المسيرة للحفاظ على مصداقيتها، إضافة إلى إعادة توزيع الموارد لأنه لو ارتفعت التكاليف، قد تنقل بعض قدراتها بين ليبيا وأفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر، مع جعل ليبيا قاعدة خلفية، مؤكداً أن هذا السيناريو هو الأكثر واقعية، لأن ليبيا توفر بنية لوجستية أفضل، وتعتبر نقطة ربط بين البحر المتوسط وشمال أفريقيا والساحل وأوروبا، بخاصة أن مالي تعاني من صعوبات النقل والبنية التحتية، بينما ليبيا تستقبل المعدات جواً وبحراً بسهولة.

وعلاقة بتأثير هذه التطورات على تراجع روسيا في مالي من عدمه، يؤكد بالنصر أن هذا الأمر ليس بالضرورة، لأن العقيدة الروسية في أفريقيا تقوم على توسيع النفوذ بأقل تكلفة، منوهاً أن موسكو غالباً لا تستبدل ساحة بأخرى، بل توزع الموارد بحسب الأولويات، لذلك قد تستمر في دعم مالي وتحتفظ بنفوذها في ليبيا وأفريقيا الوسطى، مع التوسع في السودان، لأن سياستها تقوم على المرونة، ولا يقتصر تركيزها على جبهة واحدة.

ويذهب العميد بالنصر أنه بعد مقتل، قائد "فاغنر" يفغيني بريغوجين عام 2023، انتقلت إدارة النفوذ لوزارة الدفاع الروسية عبر فيلق أفريقيا، وأصبحت السياسة أكثر مركزية وأقل اعتماداً على الشركات الخاصة، ما يمنح روسيا قدرة أكبر على إعادة توزيع القوات بين ليبيا والساحل من دون الوقوع في فراغ أمني.

ويقول العسكري السابق إن خسارة الساحل تعني فقدان المصداقية أمام الحكومات العسكرية الأفريقية، وتراجع فرص الوصول للموارد، وعودة النفوذ الغربي، لذلك ستحاول روسيا الحفاظ على وجود متوازن بين الساحل وليبيا.

ويبرز بالنصر قائلاً إن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو مواصلة القوات الروسية دعمها لمالي مع وجود قوي في ليبيا، أو أن تصبح الأخيرة مركزاً لوجستياً وعسكرياً لإدارة عمليات الساحل، مع الاعتماد على مالي جزئياً، أما السيناريو الثالث، فإنه سيركز على إعادة الانتشار الاضطراري أي تقليص الحضور في الساحل مع نفوذ غير مباشر عبر حلفاء محليين، وهو الأقل احتمالاً على المدى القريب.

ويلفت الخبير بالشؤون العسكرية إلى أن تصاعد التوترات في مالي قد يدفع روسيا لإعادة توزيع نفوذها، لكن ليس عبر التخلي عن منطقة لمصلحة أخرى، فالمقاربة الروسية تقوم على شبكة مترابطة من مراكز النفوذ، إذ سيكون خيار ليبيا كقاعدة جيوسياسية ولوجستية على المتوسط، ومالي محور أمني في الساحل، وهو الخيار الأكثر ترجيحاً لتعزيز التكامل بينهما بدل الاستبدال، لكي تحافظ روسيا على مرونتها أمام تنافس القوى الغربية في أفريقيا.

جنوب ليبيا

وفي ما يخص تداعيات تصعيد شمال مالي، بين "الطوارق" والجيش المالي المدعوم من القوات الروسية، على الحدود الجنوبية الليبية الواقعة قربها كل من النيجر والجزائر، المشتركين بدورهم في الحدود مع كيدال يؤكد المتخصص بالعلاقات الدولية إلياس الباروني، أن تجدد المعارك في مالي، بخاصة في محيط كيدال وأنفيس، لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة محلية معزولة، بل يمثل تطوراً استراتيجياً داخل الفضاء الأمني لمنطقة الساحل، التي ترتبط مع جنوب ليبيا بشبكة معقدة من الحدود المفتوحة، ومسارات التهريب، وحركة الجماعات المسلحة، والقبائل العابرة للحدود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويري أن أي تصعيد في شمال مالي ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الأمن الليبي، وبخاصة في الجنوب الذي سيشهد إعادة تموضع للجماعات المسلحة نحو الجنوب، فإذا اشتدت العمليات العسكرية وضاقت مساحة تحرك الفصائل الطوارقية أو الجماعات المسلحة الأخرى داخل مالي، فإن جزءاً منها قد يلجأ إلى إعادة الانتشار في المثلث الحدودي بين ليبيا والنيجر والجزائر، مستفيداً من الطبيعة الصحراوية الواسعة وضعف الرقابة الحدودية ما سيعيد جنوب ليبيا إلى دوره التقليدي كمنطقة عبور وإعادة تنظيم.

ويواصل الباروني حديثه قائلاً إن الاقتصاد غير المشروع سيزدهر، فالحروب في الساحل تؤدي عادة إلى زيادة نشاط شبكات تهريب السلاح والوقود والمخدرات والبشر، والتي تتخذ من الجنوب الليبي محطة رئيسية، فكلما ازداد الضغط العسكري في مالي برزت أهمية ليبيا كمنفذ لوجستي، وهو ما يرفع من الأخطار الأمنية داخل مدن الجنوب مثل سبها وأوباري ومرزق والقطرون.

ويحذر الباروني من احتمال تسرب العناصر المتطرفة كأحد أبرز آثار معارك مالي على ليبيا، فالتداخل بين الحركات الانفصالية وبعض الجماعات الجهادية في الساحل، حتى وإن لم يكن تحالفاً دائماً، يخلق بيئة تسمح بانتقال عناصر مسلحة عبر الحدود، وهو ما قد يمنح تنظيمات مثل "داعش" أو "القاعدة" فرصة لإعادة التموضع مستغلة الفراغات الأمنية في الجنوب الليبي.

وينبه المتحدث إلى أن القيادة العسكرية في الجنوب الليبي ستكون مضطرة إلى تعزيز انتشارها وتأمين الحدود الجنوبية، وهو ما يستهلك موارد إضافية في وقت لا تزال ليبيا تعاني انقساماً سياسياً ومؤسساتياً يحد من بناء منظومة أمن حدود متكاملة.

ويري أن أي تطور ميداني في مالي قد يترك تأثيرات اجتماعية وسياسية داخل التجمعات الطوارقية في ليبيا، باعتبار أن "الطوارق" ينتشرون في مالي والنيجر والجزائر وليبيا، سواء من حيث التضامن القبلي أو حركة الأفراد أو التفاعلات الاقتصادية، محذراً من أن الخطر لا يتمثل في انتقال الحرب نفسها إلى ليبيا، وإنما في انتقال تداعياتها الأمنية عبر الحدود، وهو السيناريو الأكثر تأثيراً على الاستقرار في الجنوب الليبي، بحسب قول إلياس الباروني.

توازنات القوة

وفي شأن تصاعد العنف في الساحل الأفريقي على توازنات النفوذ بين الفاعلين الدوليين في ليبيا، يقول المتخصص في العلاقات الدولية، إن معارك شمال مالي لا تعيد رسم المشهد الأمني في الساحل فحسب، بل تؤثر أيضاً في خريطة التنافس الدولي على ليبيا، باعتبارها حلقة وصل بين شمال أفريقيا والساحل.

 

 

ويشير الباروني إلى أن روسيا تنظر إلى مالي وليبيا كمسرحين مترابطين، فإذا تعرض نفوذها في مالي لضغوط كبيرة نتيجة تصاعد هجمات "الطوارق"، فقد تسعى إلى تعويض ذلك عبر تعزيز حضورها السياسي أو الأمني في ليبيا، للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، وبالتالي قد يزداد اهتمام موسكو بترسيخ نفوذها في ليبيا إذا واجهت تحديات متزايدة في الساحل.

ويتابع المتحدث أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية ستعتبر المعارك في مالي تهديداً مضاعفاً، لأنه يزيد احتمالات توسع الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهذا قد يدفعها إلى تكثيف الانخراط في الملف الليبي، ليس فقط لدعم العملية السياسية، وإنما أيضاً لمنع تحول الجنوب الليبي إلى امتداد للفوضى الآتية من الساحل.

ويواصل حديثه قائلاً إن تركيا قد تستغل تصاعد الاضطرابات لتعزيز دورها الأمني والسياسي داخل ليبيا، عبر التأكيد على أن استقرار ليبيا يمثل خط الدفاع الأول عن المتوسط، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية والعسكرية، بينما ستصبح دول الجوار، مثل الجزائر ومصر وتشاد والنيجر أكثر حرصاً على منع انتقال الفوضى إلى حدودها، الأمر الذي قد يدفعها إلى تنسيق أمني أكبر مع الأطراف الليبية، وإن كان ذلك سيظل محكوماً بتباين مصالحها الإقليمية.

ويرجح إلياس الباروني أن تصاعد الأزمة في مالي قد يدفع إلى إعادة تعريف أهمية ليبيا في الاستراتيجية الدولية؛ فبدلاً من أن ينظر إليها فقط باعتبارها ساحة نزاع داخلي، ستُعامل أيضاً كخط دفاع متقدم عن أمن الساحل والمتوسط معاً، وهذا سيزيد من أهمية الجنوب الليبي في حسابات القوى الدولية.

ويشدد الباروني على أن ما يجري في شمال مالي ليس حدثاً منفصلاً عن ليبيا، بل جزء من منظومة أمنية واحدة تمتد من خليج غينيا إلى البحر المتوسط، فكلما تصاعدت المواجهات بين "الطوارق" والجيش المالي والقوات الروسية، زادت احتمالات انتقال الضغوط الأمنية إلى الجنوب الليبي، سواء عبر تحركات الجماعات المسلحة أو توسع شبكات التهريب أو إعادة انتشار التنظيمات المتطرفة، وفي الوقت نفسه، سيؤدي هذا التصعيد إلى رفع القيمة الجيوسياسية لليبيا في نظر القوى الدولية، مما يجعلها ساحة أكثر أهمية في التنافس بين روسيا والغرب والقوى الإقليمية، ويؤكد أن أمن ليبيا أصبح مرتبطاً بصورة وثيقة بأمن الساحل الأفريقي، وليس فقط بتوازناتها الداخلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير