ملخص
تقوم فكرة المنصة، على استرجاع البائع المتعثر كل ما سدده كاش، على أن يحظى المشتري بسعر التعاقد القديم، الذي يقل كثيراً عن أسعار التعاقد الحالية، مما يعني أن المنصة تعالج تسعيراً خطأ، دفع البعض إلى التعثر، وحفز آخرين على الشراء بأسعار قديمة تقل عن مثيلاتها في الوقت الحالي.
عززت منصة المتعثرين العقارية التي دُشنت خلال الأسابيع القليلة الماضية في مصر بإجمال 6200 وحدة عقارية متعثرة بقيمة سوقية 82 مليار جنيه (1.60 مليار دولار) من فرضية وجود فقاعة عقارية في البلاد، وسط خلافات بين مطورين واقتصاديين حول توصيف ما تشهده السوق.
لم يتفاجأ المصريون من هذه الأرقام التي قد تكشف جانباً من أزمة لطالما عرفوها وتفاعلوا معها خلال الأعوام الأخيرة، واستدعت تدخلاً رئاسياً أكثر من مرة، فأمام تأخر تسليم الوحدات تظاهر مئات العملاء المتضررين للمطالبة بحقوقهم التعاقدية، في وقت تعللت فيه الشركات غير الملتزمة بارتفاع أسعار مواد البناء إثر تعويم الجنيه المصري أكثر من مرة، الأمر الذي خلق مشكلات في التسليم، تجلت بوضوح كثير من أزمات القطاع.
وأمام ظاهرة نمت في الأعوام الأخيرة بوضوح، سبق أن طالب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعدم طرح أي شركة عقارية لبيع وحداتها من دون جاهزية 30 في المئة على الأقل من المشروع، قبل أن يعاود بتكليف الحكومة تشكيل لجنة لمراجعة مدى التزام الشركات العقارية في أعمال التسليم على خلفية تصاعد الشكاوى.
استرجاع البائع المتعثر كل ما سدده كاش
لكن مع تدشين منصة مستقلة تبدت المشكلة التي لطالما أنكرها كثيرون، وبدت كتظاهرة للمتعثرين وساحة للتنازلات العقارية من دون أي أعباء إضافية، كـ"الأوفر برايس" أو خصم رسوم تنازل بلغت في بعض الأحيان 15 في المئة من قيمة الوحدة.
تقوم فكرة المنصة، على استرجاع البائع المتعثر كل ما سدده كاش، على أن يحظى المشتري بسعر التعاقد القديم، الذي يقل كثيراً عن أسعار التعاقد الحالية، مما يعني أن المنصة تعالج تسعيراً خاطئاً، دفع البعض إلى التعثر، وحفز آخرين على الشراء بأسعار قديمة تقل عن مثيلاتها في الوقت الحالي.
يقول مؤسس المنصة محمود عمار، إن منصته تمثل متنفساً للمتعثرين وهم كثر في السوق المصرية، مشيراً إلى أن 30 يوماً من عمر هذه المنصة كانت كفيلة بجمع ما يصل إلى 6200 وحدة متعثرة يرغب مُلاكها في تسييلها نقداً من دون "أوفر برايس" أو خصومات قد تصل إلى 15 في المئة عند التنازل وفقاً لاشتراطات بعض الشركات العقارية.
استعداد للتنازل عن جزء من الأقساط
ويضيف عمار، أن نحو ثلثي المتعثرين (70 في المئة)، لديهم استعداد للتنازل عن جزء من الأقساط التي سددوها مقابل سرعة البيع، وهو ما يكفي للتعبير عن وجود أزمة وحال عدم رضا على صفقة الشراء من المطور العقاري، لكن على رغم ذلك، يقدم المتحدث أرقاماً مهمة عن جانب آخر من الظاهرة.
ويشير مؤسس المنصة إلى أن المنصة تلقت ما يزيد على 30 ألف طلب للشراء، أي خمسة أضعاف عدد المتعثرين الراغبين في التنازل، لكن مع ذلك يشير إلى أن هذا الرقم يتفاعل مع أسعار التعاقد القديم المحفزة، ويرفض في الوقت ذاته الشراء من المطور العقاري ذاته بالأسعار الحالية، معتبراً أن السوق تعاني أزمة تسعير واضحة، وهو ما يستدعي البحث عن حلول.
وأمام خمسة قرارات من تحرير سعر الصرف في الأعوام الـ10 الماضية، تراجع سعر صرف الجنيه المصري إلى أدنى مستوى في تاريخه حين قارب 54 جنيهاً للدولار في البنوك، من مستوى ثمانية جنيهات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، الأمر الذي انعكس على معدلات التضخم في البلاد.
إلغاء معرض "سيتي سكيب"
تزامنت تظاهرة المتعثرين على منصة التخارج مع إعلان معرض "سيتي سكيب مصر" العقاري الأكبر من نوعه، عدم تنظيم دورة المعرض خلال عام 2026، للمرة الأولى منذ انطلاقه في مصر عام 2011، في مؤشر رآه كثيرون في السوق تعبيراً عن الأزمة التي تعانيها.
الاقتصادي المصري هاني توفيق، من بين من يعتقدون بوجود فقاعة عقارية في السوق منذ أعوام، ويقول إن ما حدث من تدشين منصة للتنازلات العقارية تعبير واضح على ذلك، ويقول إنه حين يسجل القطاع العقاري 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 10 في المئة هي نسبة المتوسط العالمي فإن تكدساً عقارياً يمكن توقعه، وتصبح العقارات بلا مشترين، ومن ثم تنشأ الفقاعة العقارية.
ويرى توفيق، أن أحد حلول المشكلة في استصدار قوانين تمكن من إنشاء صناديق استثمار عقاري تابعة للدولة من مصادرة المشروعات المتعثرة، والعمل على ضخ الأموال لاستكمال تلك المشروعات وتسليمها إلى الحاجزين، مع تحميل المطور العقاري الفارق من أمواله الخاصة أو وحداته السكنية.
فقاعة عقارية غير مرشحة للانفجار قريباً
المتخصص في الشأن الاقتصادي مدحت نافع يتفق على وجود فقاعة عقارية في السوق المصرية من حيث المبدأ، لكن مع ذلك يقول إن تلك الفقاعة غير مرشحة للانفجار الوشيك، إذ يرى أن تراجع القوى الشرائية له تجليات لكن إثارة الفزع يمكن أن تؤدي الى صدمات لا ضرورة لها.
ويدعو نافع إلى التفريغ الآمن للفقاعة من خلال تحريك الثروة العقارية واستغلالها وتوريقها، معتبراً أن الاستغلال يمكن أن يكون لأغراض سياحية أو استثمارية وبالقطع سكنية.
ويعاود الإشارة إلى الصناديق العقارية كحل مقترح، ويقول إن تلك الصناديق ليست رفاهية بل ضرورة والضرائب العقارية يمكنها أيضاً أن تؤدي دوراً في ترشيد الاستثمار العقاري وحفز مالكي العقارات على تحريكها.
مبيعات أكبر 10 شركات عقارية
وعلى رغم الحال التي يجمع عليها كثيرون بشأن وجود أزمة تسعير في السوق، لا يتفق المطور العقاري هشام طلعت مصطفى مع هذا التوصيف، إذ يلفت إلى أن وجود 6 آلاف متعثر ليس تعبيراً عن أزمة في ظل مبيعات أكبر 10 شركات عقارية مدرجة في البورصة في النصف الأول من العام الحالي.
ويقول مصطفى إن الشركات الـ10 لديها ما يصل إلى 500 ألف وحدة تحت التطوير حالياً، بجانب مبيعات بلغت 800 مليار جنيه (15.60 مليار دولار) حتى الآن منذ بداية العام، معتبراً أن نسبة الشركات العقارية غير الملتزمة لا تتجاوز اثنين في المئة من السوق.
ويرى مصطفى أن هامش ربحية الشركات تراوح ما بين 13 و18 في المئة بحسب نتائج أعمالها المفصح عنها، وهو ما ينفي فرضية التسعير المبالغ فيه من جانب الشركات، ويبرر الارتفاعات في أسعار العقارات خلال الأعوام الأخيرة بارتفاع معدلات التضخم في البلاد، والتي انعكست بطبيعة الحال على أسعار مواد البناء من حديد وأسمنت وألومنيوم وأخشاب.
غياب التزام بعض الدخلاء الجدد
وعن وجود تباطؤ في إعادة البيع وتسييل العقار نقداً، يشير المطور العقاري إلى أن سياسات التقييد النقدي التي يتبعها البنك المركزي المصري في الأعوام الأخيرة تقف بوضوح وراء تواضع السيولة في السوق، معتبراً أن الأمر لا ينبئ عن ظاهرة أو أزمة تعانيها السوق.
عانت السوق في مصر ممارسات سلبية مع دخول غير منظم لرؤوس الأموال المستثمرة في هذا القطاع من دون سابق خبرة، ووسط غياب التزام بعض الدخلاء الجدد في مواعيد تسليم الوحدات المتفق عليها للعملاء، وفوضى تسعير الوحدات، أصبح لزاماً على قدامى المطورين التدخل لإنقاذ سمعة القطاع والشركات الجادة من تلك الأخطاء.
وبنهاية عام 2025، وصل إجمال شركات التطوير العقاري المسجلة رسمياً في غرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية إلى 2480 شركة، لكن هناك تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 11 ألف شركة أخرى تمتلك سجلات تجارية وتعمل في السوق العقارية، لكنها لم تستوفِ بعد إجراءات الانضمام لعضوية الغرفة.
حصر المشروعات العقارية المتأخرة
لكن رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية ورئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، طارق شكري، لا ينكر وجود أزمة حقيقية استدعت من رئيس الجمهورية التدخل بصورة عاجلة وفورية قبل أسابيع، حين وجه بحصر المشروعات العقارية المتأخرة على مستوى الجمهورية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى شكري في هذه الاستجابة خطوة مهمة لتحديد الحجم الحقيقي لمشكلة التأخيرات ونسبتها وأماكنها الجغرافية، تمهيداً للتعامل معها بصورة موضوعية ودقيقة، خصوصاً في ظل عدم امتلاك الغرفة والحكومة حصراً دقيقاً لنسبة الوحدات والمشروعات المتأخرة على مستوى الجمهورية.
ويعتقد شكري أنه من الإنصاف التفرقة بين حالات التأخير الناتجة عن أسباب حقيقية وخارجة عن إرادة المطور، وحالات أخرى يكون سببها ضعف القدرة التنفيذية أو الإدارية للمطور، خصوصاً مع أنباء دخول عدد ممن يفتقرون إلى سابق خبرة إلى المجال في الأعوام الأخيرة.
تعويم الجنيه المصري وارتفاع أسعار الخامات والفائدة
وأوضح أن الشركات واجهت خلال الأعوام الأخيرة ظروفاً وتحديات صعبة، من تعويم الجنيه المصري إلى ارتفاع أسعار الخامات وأسعار الفائدة، لافتاً إلى أن التطوير العقاري يتطلب إدارة مجموعة كبيرة من الملفات، تشمل المقاولات، وسعر الأرض، والضرائب، والالتزامات الزمنية، والمرافق، وإدارة المشروع.
في تقييم فني لـ"ذا بورد كونسالتنغ" صادر في 2025، تبين وجود تباطؤ في نمو مبيعات السوق العقارية مع ظهور قوي للساحل الشمالي في سجلات الشركات لتعوض التباطؤ في القاهرة، مما اضطر شركات التطوير العقاري إلى زيادة عمولات التسويق من 4 و5 إلى 15 في المئة في بعض المشروعات.
تقرير آخر لشركة "سفلز مصر" تحدث عن أن السوق المصرية تواجه ضغوطاً قصيرة الأجل على الكلفة، وترتبط بالأساس بتحركات سعر الصرف، وارتفاع مدخلات الطاقة، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد، لكن من دون أي مؤشرات إلى حدوث إعادة تسعير واسعة النطاق للأصول العقارية حتى الآن.