Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع خفي يخيّم على اتفاق الشراكة بين الجزائر وأوروبا

الاتحاد الأوروبي يتشدد في دخول الحديد والصلب الجزائري ووضع جدولاً زمنياً لتطبيق قوانين انبعاثات الميثان وتبون يطالب بمراجعة شاملة لاتفاق الشراكة

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في الجزائر العاصمة، 25 مارس 2026 (أ ف ب)

ملخص

لم يتوقف انزعاج الجزائر عند هذا الحد، بل تزامن توجيه الرسالة مع إشارة الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال زيارته لمعرض الجزائر الدولي، إلى ملف القيود المفروضة على صادرات الحديد والصلب الجزائرية نحو السوق الأوروبية، مما يكشف عن استمرار ضرب "خفي" تحت الحزام بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، ويعكس عودة الجدل حول مستقبل اتفاق الشراكة الموقع بين الجانبين.

عاد اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي إلى دائرة الشد والجذب إثر رسالة مشتركة رفقة قطر ونيجيريا والولايات المتحدة الأميركية تم توجيهها إلى رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، وكذا إلى قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تدعو إلى مراجعة قواعد تنظيم انبعاثات الميثان التي يمكن أن تحد من صادراتها.

ووفق ما جاء في الرسالة، فإن الجزائر وبقية الموقعين على الرسالة اعتبروا أن الجدول الزمني الذي وضعه الاتحاد الأوروبي لتطبيق متطلبات القياس والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الميثان ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2027، صعب الالتزام به بالنسبة إلى عدد معتبر من موردي النفط والغاز، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة.

ومن أجل تسهيل الأمور، طالبت الجزائر المؤسسات الأوروبية باعتماد آلية تعليق المهلة الزمنية المفروضة، بغرض منح فترة كافية لبلورة المنهجيات اللازمة ومسارات الامتثال التي توائم جميع الأطراف، إلى جانب ضمان حماية العقود الجديدة المبرمة خلال مهلة إجراء التعديلات التشريعية اللازمة، نظراً إلى الطبيعة الطويلة المدى لهذه العقود وحجمها المالي، إضافة إلى رفع العقوبات المترتبة على عدم الامتثال خلال المرحلة الانتقالية.

تصريحات رئاسية

وأكدت الجزائر أنها وشركاءها المنتجين للبترول والغاز بذلوا جهوداً ملموسة وضخوا استثمارات معتبرة في مجال الحد من انبعاثات الميثان، وأنهم مستمرون في تعزيز هذه الجهود، في انسجام تام مع أهداف اللائحة الأوروبية والالتزامات الدولية.

ولم يتوقف انزعاج الجزائر عند هذا الحد، بل تزامن توجيه الرسالة مع إشارة الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال زيارته لمعرض الجزائر الدولي، إلى ملف القيود المفروضة على صادرات الحديد والصلب الجزائرية نحو السوق الأوروبية، مما يكشف عن استمرار ضرب "خفي" تحت الحزام بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، ويعكس عودة الجدل حول مستقبل اتفاق الشراكة الموقع بين الجانبين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح الرئيس الجزائري أن الحكومة مطالبة بالتفاوض مع الجانب الأوروبي لفتح حدوده أمام الحديد والصلب الجزائري، مؤكداً أن فرض نظام الحصص على الجزائر غير مقبول، في وقت لا تفرض الجزائر حصصاً أو قيوداً مماثلة على وارداتها القادمة من الاتحاد الأوروبي، التي تمثل نحو 85 في المئة من إجمال الواردات.

وأضاف أن هذا الواقع يفرض تعاملاً أكثر توازناً للصادرات الجزائرية، خصوصاً أن الصلب الجزائري "يتميز بجودة عالية وانخفاض كبير في انبعاثات الكربون، مما يجعله منتجاً يتماشى مع التوجهات البيئية الأوروبية"، مبرزاً أن الوضع يتطلب مراجعة شاملة لبنود الاتفاق بما يضمن مصالح الطرفين بصورة عادلة ومتوازنة.

عراقيل وهمية

يقول أستاذ الاقتصاد سعيد بنرايس، إن مسعى الجزائر إلى إعادة التفاوض على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لا يجب أن ينظر إليه كخطوة تقنية، بل كمدخل فعلي لتأسيس علاقة جديدة تقوم على مبدأ التوازن والربح المشترك، مضيفاً أن الخطوة سيادية وضرورية لإعادة التوازن لعلاقة ظلت لأعوام تميل لمصلحة الجانب الأوروبي.

وأوضح أنه لا يمكن تحقيق هذا الطموح من دون تفعيل جدي لآليات الاتفاق القائمة، وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية المشتركة، وتعزيز قنوات الحوار الاقتصادي الدائم بين الطرفين، مشيراً إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على اختلال الميزان التجاري، بل تشمل أيضاً ظهور عراقيل جديدة أمام المنتجات الجزائرية التي بدأت تجد لها مكاناً في الأسواق الخارجية.

وواصل بنرايس، أن الجزائر لا تطالب بإلغاء الاتفاق، وإنما بإجراء مراجعة شاملة تعيد إليه التوازن المطلوب وتجعله أكثر انسجاماً مع التحولات التي شهدها الاقتصاد الجزائري خلال العقدين الأخيرين، موضحاً أن حجم المبادلات التجارية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بلغ منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ نحو ألف مليار دولار، في حين لم تتجاوز الاستثمارات الأوروبية في الجزائر 13 مليار دولار، يتركز معظمها في قطاع الطاقة، مقابل تحويل الشركات الأوروبية نحو 12 مليار دولار من الأرباح خلال الفترة نفسها، وهو واقع غير مقبول يستدعي إعادة الأمور إلى نصابها.

وختم بأن "الحديث عن انبعاثات الميثان وبقية القضايا البيئية إنما يندرج في سياق إلهاء الجزائر عن المطالبة بمراجعة اتفاق الشراكة، وذلك عبر وضع عراقيل وهمية".

أوروبا أكبر شريك

وكانت الجزائر والاتحاد الأوروبي وقعا اتفاق شراكة عام 2002، ودخل حيز التنفيذ عام 2005، ويشمل التعاون في جميع المجالات، بما في ذلك التجارة.

ويعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك للجزائر، ومثل نحو 50.6 في المئة من التعاملات التجارية الدولية عام 2023، غير أن القيمة الإجمالية لصادرات الاتحاد الأوروبي إلى الجزائر تراجعت بصورة مطردة خلال الأعوام الماضية، إذ انخفضت من 25.2 مليار دولار عام 2015 إلى 17 ملياراً في 2023، وفق الأرقام التي أعلنتها المفوضية الأوروبية.

وترى الجزائر أن الدعوة إلى مراجعة اتفاق الشراكة لا تأتي على خلفية نزاع مع الاتحاد الأوروبي، وإنما في إطار دعم العلاقات الثنائية وفق مبدأ "رابح - رابح"، على اعتبار أن المعطيات الاقتصادية التي بني عليها الاتفاق تغيرت بصورة كبيرة، إذ كانت الصادرات الجزائرية تعتمد أساساً على المحروقات، بينما أصبحت اليوم منتجات متنوعة خارج قطاع الطاقة، تشمل المواد الفلاحية والأسمنت والمعادن والمواد الغذائية وغيرها.

ولا تزال حادثة منع منتج غذائي جزائري ممثلاً في معجون الشوكولاتة قبل عامين، كان يلقى رواجاً كبيراً وبخاصة في السوق الفرنسية، أبرز الأمثلة على معاناة المنتجات الجزائرية في دخول أسواق دول الاتحاد الأوروبي، على رغم أن المادة الأولية المستعملة في صناعة المنتج المعني مستوردة أصلاً من أوروبا، مما اعتبره متابعون نوعاً من الازدواجية في تطبيق القواعد التجارية عندما يتعلق الأمر بمنافسة المنتجات الأوروبية.

إشادة واتهامات

وفي خضم الانزعاج الجزائري، وبغرض منع أي توتر محتمل يزيد من متاعب دول الاتحاد الأوروبي التي تعيش أوضاعاً صعبة على مستويات عدة، سارع الاتحاد نهاية الأسبوع الماضي عبر بعثته في الجزائر إلى إصدار بيان يشيد بتقديم الجزائر رسمياً في الـ24 من يونيو (حزيران) الماضي، أول إسهام وطني في مجال المناخ إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، وقالت إن هذه الوثيقة الاستراتيجية تمثل محطة مفصلية في التزام الجزائر بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتعزيز التكيف مع تحديات التغير المناخي.

وجاء في بيان البعثة الأوروبية "نحن فخورون بصورة خاصة بالشراكة المتعددة الأطراف، التي أسهمت في تحقيق هذا الإنجاز المهم"، وأضاف البيان أن "هذا النجاح يجسد قوة التعاون الدولي، ومتانة الشراكة مع الجزائر في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة".

وسبق أن اتهمت المفوضية الأوروبية الجزائر بفرض قيود على واردات السيارات، مثل اعتماد الصرامة في الحصول على التراخيص، وكذا استخدام قطع غيار مصنعة محلياً، وهي السياسات التي اعتبر الاتحاد الأوروبي أنها تعادل تقريباً حظر الاستيراد، معرباً عن قلقه حيال سياسة الجزائر الهادفة إلى استبدال الواردات بالإنتاج المحلي، وفرض قيود على التجارة مع دوله وتحويلات رؤوس الأموال.

وكان مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أكد خلال زيارة إلى الجزائر أن الاتحاد مستعد لبحث المطالب الجزائرية في شأن مراجعة اتفاق الشراكة، وقال إن الجزائر شريك رئيس للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة ومورّد موثوق به للغاز الطبيعي، وتلعب دوراً مهماً جداً في تأمين إمدادات الطاقة الأوروبية في لحظة نراها حاسمة.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي