ملخص
يجمع الكاتب اللبناني يوسف معوض في رواية "حاييم صراف عكا / يهودي في ذمة الإسلام" الصادرة عن رياض الريس، بترجمة الكاتب جان هاشم، بين التاريخ والرواية، على أن حضور الأول في الثانية لا يقتصر على كونها رواية تاريخية، سواء على مستوى الشخوص أم الوقائع المروية. بل يتعداه إلى وجود فصول تاريخية مستقلة بذاتها، موثقة بالمصادر والمراجع، تشكل خلفية للأحداث الروائية أو توطئة لها أو فاصلاً بينها.
تدور أحداث الرواية في بلاد الشام التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية، في العقد الأخير من القرن الـ18 والعقدين الأولين من القرن الـ19، لا سيما في ولاية عكا التي امتد نفوذها من اللاذقية شمالاً حتى غزة جنوباً وشمل جبلي لبنان وعامل. وتتمحور حول شخصية حاييم فارحي اليهودي الذي عرف بصراف عكا، وتوليه إدارة الشؤون المالية فيها، خلال المدة الواقعة بين عامي 1790 و1820، التي تعاقب على الحكم فيها ثلاثة ولاة هم: أحمد باشا الجزار، وسليمان باشا الكرجي، وعبدالله باشا. وشهدت أحداثا تاريخية خطرة كانت لها تداعياتها على البلاد والعباد.
وانطلاقاً من الأحداث، التاريخية والروائية، تطرح الرواية أسئلة الأقلية والذمية والطائفية والسلطة والتخلف والدين والاستعمار وغيرها. وهذه الأسئلة لا تزال مطروحة حتى اليوم، بصورة أو بأخرى.
مسار دائري
تبدأ الرواية، على المستوى النصي، من حيث تنتهي، على المستوى الوقائعي. وتبلغ المسافة الزمنية بين البداية النصية والنهاية الوقائعية 30 عاماً هي زمان الأحداث، وتتطابق فيها النهايتان النصية والوقائعية، وتبلغ المسافة بينهما صفراً. وبذلك، نكون إزاء مسار دائري على المستوى النصي، فتلتقي البداية والنهاية النصيتان عند واقعة إعدام الصراف حاييم فارحي ورمي جثته في البحر. وعليه، نعرف مصير الشخصية قبل التعرف إلى مسارها، ويغدو سؤال المسار حافزاً على القراءة للإجابة عن سؤال المصير.
في المسار، يشكل تعيين حاييم فارحي، المتحدر من عائلة يهودية مقيمة في دمشق، في خدمة والي عكا، بداية للأحداث، على المستوى الوقائعي، تترتب عليها سلسلة من التداعيات، فتعقد العائلة مجلساً عائلياً سرياً للبحث في الأخطار المحتملة على العائلة والملة، جراء هذا التعيين، وهي التي تميل إلى العمل في مجال المصارف والرهونات، وتتجنب الخوض في الشأن العام خشية الأخطار المترتبة عليه، مما يعكس شعوراً أقلويا دفيناً ذا جذور تاريخية.
وإزاء تحفظ العائلة على قبول التعيين، يصر حاييم عليه مدفوعاً برغبة في التحرر من سلطة الأب، وسعي إلى تحقيق الذات، وطموح إلى أعلى المراكز، وهو الذي راكم العلم والمعرفة لركوب هذا المركب الخشن. ولم يحل ما يؤثر عن أحمد باشا الجزار من بطش وجنون ودموية من دون المضي في طريقه، حتى إذا ما مات الجزار، يدخل في خدمة خليفته سليمان باشا، فإذا ما مات بدوره، ينتقل إلى خدمة الوالي الجديد عبدالله باشا الذي كانت له يد طولى في تعيينه. وبذلك، نكون إزاء مستشار واحد وثلاثة حكام، ويكون للمستشار أن يحصل على عائدات تقربه من الحكام الثلاثة، ويكون عليه أن يتحمل تبعات هذا التقرب، من جهة ثانية.
المستشار النموذجي
تقدم الرواية صورة شبه نموذجية للمستشار، ذلك أن حاييم فارحي لم يكن مجرد صراف للولاية، يتقن عمله، ويقوم به بكفاءة عالية مستنداً إلى معرفة واسعة وخبرة كبيرة، في هذا المجال الذي كثيراً ما برع فيه اليهود من أبناء ملته. بل يتعدى ذلك إلى لعب دور المستشار السياسي، فيشير على الحاكم بما يراه مناسباً، ويحذره مما لا يتناسب مع آليات الحكم. وبذلك يجمع بين الدورين المالي والسياسي، مما يجعل منه الشخصية الثالثة في الولاية.
على أن درجة التجاوب معه والأخذ بآرائه تختلف من حاكم إلى آخر، تبعاً للهامش الذي يتيحه له الحاكم. من هنا، يبدأ هامش تأثيره ضيقاً مع الجزار الذي كان يشعر بالرهبة والرعب في حضوره، ويقتصر على الجانب المالي، إلى حد كبير، ويلجأ إلى التقية والمصانعة والمداهنة والمراوغة والتحفظ في إبداء الرأي في حضرة الجزار، وهو ما لا ينطلي عليه، فيعمد إلى التنمر عليه، والتعريض به، ولا يتورع عن شتمه. على أن الأذى الذي يحيق به يبلغ الذروة حين يأمر الجزار، خلال ترؤسه قافلة الحج، باعتقال آل فارحي في دمشق واستعادة الأموال التي جنوها من تجارتهم، وبتشويه وجه حاييم في عكا.
وهو ما يحدث بالفعل، فيتم اعتقال رجال العائلة واستعادة الأموال، ويتم جدع أنف حاييم وقطع أذنه وقلع عينه، لا لشيء إلا لأن بعض أعيان دمشق أوغروا صدر الوالي على المستشار وعائلته. وعلى رغم ذلك، فإن فارحي يقف إلى جانب الجزار في حصار عكا، ولا يتخلى عنه، ويلازمه في مرضه الأخير، ويشفق عليه لأنه لا عائلة تجلس فوق رأسه، حين يلفظ أنفاسه الأخيرة.
يتسع هامش تأثير فارحي في ولاية سليمان باشا التكرجي، وتنشأ ثقة متبادلة بين الرجلين، بفعل الأمان الذي يشعر به المسشار في ظل الوالي الجديد، تجعله يبدي الآراء المناسبة لمصلحة الولاية، ويحذر من الآراء غير المناسبة. ويذكر، في هذا السياق، نصحه بالعفو عن المتمردين، وضع حد للضباط المشاغبين، وإعادة الامتيازات لزعماء الشيعة التي سلبهم إياها الجزار، ودفع المال لشيوخ البدو لضمان عدم عبثهم بالاستقرار النسبي. وإذا كانت هذه الآراء قد آتت ثمارها، فإن بعض الآراء لم تكن في مكانها كالتماسه الرحمة لمحرز البدوي، واستبدال الطبيب الإيطالي فرنسيسكو بآخر جاهل في معالجة الوالي، مما يشير إلى أن تداخل الخاص بالعام غالباً ما تكون له عواقب وخيمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على أن تدخل المستشار يبلغ ذروة الجرأة في ولاية عبدالله باشا، وهو الذي أسهم في وصوله إليها، فيحاول تليين طباعه القاسية، لكنه يقع في فخ نصبه له القاضي محمد أبو الهدى الذي طلب منه تنبيه الوالي إلى سوء معشره وفساد حاشيته وأهمية منصبه، حتى إذا ما فعل، بدافع الحرص على الوالي والولاية، يقوم الأخير بإذلاله متنكراً لفضله، ويقرر تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بأهل الذمة، فيشعر المستشار بالإهانة، ويقوم بارتداء الزي الذمي في نوع من الاحتجاج الصامت على القرار. وحين يدرك الوالي خطأه ويحاول استثناء المستشار من الأحكام، يرفض الاستثناء ويشترط شموله سائر أبناء الملة، مما يؤدي إلى تدهور دراماتيكي للعلاقة بينهما، ينتهي بإعدام المستشار الذي يدفع حياته ثمناً لتقربه من السلطة.
ثلاثة نماذج
في مقابل هذا النموذج الوحيد للمستشار في الرواية، نقع على ثلاثة نماذج مختلفة للحاكم، الأول هو القوي المتمثل في الجزار، وتتمظهر قوته في: ترهيب الأتباع، وإنزال الويلات بالمقربين قبل المنافسين، والتعسف في ممارسة السلطة، وإسقاط من يعترض طريقه، وحل المشكلات بالسيف، ورفض التملق والمتملقين، والتطلع إلى تولي ولاية دمشق، وطرد التجار الفرنسيين من الولاية، وتهديد القنصل الفرنسي في عكا، وإعدام المشتبه بفسادهم من الموظفين، واعتقال آل فارحي في دمشق، وتشويه وجه المستشار، وعلى سبيل المثال لا الحصر.
وتبلغ قوته الأوج حين يصمد في وجه حملة نابوليون بونابرت على عكا، ويحول دون سيطرته عليها. وبذلك، نكون إزاء شخصية طاغية دموية طموحة صريحة سليطة مرتابة متنمرة، والغاية عندها تبرر الوسيلة.
يتمثل النموذج الثاني العادل في سليمان باشا الكرجي، وتتمظهر عدالته في: العفو عن المتمردين، ومنح الضباط الأمان، والعفو عن السجناء، وضمان سلامة الممتلكات والأشخاص، وتثبيت المستشار في منصبه، وغيرها. وبذلك، نكون إزاء شخصية عادلة مسالمة إنسانية، لا تفصل بين الغاية والوسيلة. أما النموذج الثالث الضعيف، فيتمثل في عبدالله باشا، ويتمظهر ضعفه في: قتل ضابط الجمارك العجوز، والوقوع تحت تأثير جماعة صوفية، والنزوع نحو التطرف الديني، ومضايقة أهل الذمة، والتنكر لولي نعمته الصراف، وتدهور العلاقة بينهما إلى حد الأمر بإعدامه. وبذلك، يعكس النموذج الثالث شخصية ضعيفة متهورة، وألعوبة في أيدي بعض المتدينين، تتسرع في اتخاذ قرارات غير مدروسة وتكون لها مضاعفاتها الخطرة.
هذه الوقائع ينتظمها خطاب روائي، يقوم على التناوب بين راو عليم يستخدم صيغة الغائب، وراو شريك هو الصراف الذي يستخدم صيغة المتكلم ونمط اليوميات الكلامي. وإذا كانت الموضوعية تطبع روي الأول، فإن الذاتية تطبع روي الثاني. والرواية هي نتاج التكامل بين هذين النمطين السرديين، يتجاور فيها التاريخي والسيري، الموضوعي والذاتي، الواقعي والمتخيل، ويتمخض هذا التجاور عن نص روائي جميل، يجمع بين الفائدة والمتعة، ويستحق الوقت الذي يبذل في قراءته.