Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصور تونس العثمانية... إرث معماري يصارع الزمن

تواجه تحديات كبيرة في ظل ارتفاع كلف الصيانة والترميم للحفاظ عليها

تضم تونس عدداً من القصور العثمانية الفخمة التي شيدها البايات على أطراف العاصمة وفي ضواحيها (اندبندنت عربية)

ملخص

هذه القصور تتميز بقيمتها المعمارية الفريدة، إذ تجمع بين الطابع المعماري التونسي التقليدي والتأثيرات الأوروبية، وبخاصة الفرنسية والإيطالية، نتيجة تأثر البايات آنذاك بالمعمار الأوروبي خلال زياراتهم إلى أوروبا.

تزخر تونس بعدد من القصور الفخمة التي شيدها بايات القرون الماضية على أطراف العاصمة وفي ضواحيها، ولكل قصر حكاية خاصة، إذ خصص بعضها للحكم وإدارة شؤون الدولة، فيما استُعملت أخرى للاستجمام وقضاء فصول معينة من العام.

وتواجه هذه القصور اليوم تحديات كبيرة، في ظل ارتفاع كلف الصيانة والترميم للحفاظ عليها صامدة أمام تقادم الزمن. وقد حظيت بعض هذه المعالم بالعناية، فبقيت شاهدة على حقبة مهمة من تاريخ تونس، في حين تعاني أخرى الإهمال والتصدع والانهيار، مما دفع السلطات التونسية إلى السعي لإنقاذها على رغم الصعوبات القانونية والإمكانات المادية المحدودة.

في هذا الصدد، أصدرت بلدية المرسى، الواقعة ضمن الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، قراراً يقضي بالإخلاء الفوري لبناية قبة الهواء بمرسى الشاطئ، وذلك بعد ثبوت خطورتها على السلامة العامة.

وجاء هذا القرار الصادر عن المعنيين بتسيير الشؤون العادية لبلدية المرسى، استناداً إلى جملة من النصوص القانونية والترتيبية ذات العلاقة، وإلى تقرير فني أنجزه خبير عدلي مهندس مدني خلال الـ22 من أبريل (نيسان) الماضي، أكد الحال المتداعية للبناية وتهديدها بالانهيار، وذلك وفق بلاغ نشرته البلدية.

قيمة معمارية فريدة

ويعد مبنى "قبة الهواء" أحد رموز مدينة المرسى ومن أبرز المعالم التاريخية بالضاحية الشمالية للعاصمة، لما يحمله من رمزية معمارية وارتباط وثيق بتاريخ المدينة كوجهة للاصطياف خلال فترة حكم البايات الحسينيين.

وشيد هذا المبنى في بدايات القرن الـ20 ليكون فضاءً خاصاً للاستجمام والاستراحة، استُخدم بالأساس كمصيف للباي ومحيطه، كذلك ارتبط بوظائف ترفيهية ونخبوية تعكس طبيعة الحياة الأرستقراطية آنذاك.

وبعد الاستقلال، آلت ملكية المبنى إلى الدولة قبل أن يُستغل خلال فترات لاحقة في أنشطة ترفيهية وسياحية، ليؤول في ما بعد إلى ملكية خاصة. غير أن غياب الصيانة والتعهد إضافة إلى تأثيرات العوامل الطبيعية، لا سيما الرطوبة وملوحة البحر، أسهما في تدهور حاله تدريجاً.

تؤكد المهندسة المعمارية سنية سليم، من المعهد الوطني للتراث، أن القصور الحسينية تعد من أبرز المعالم التاريخية في تونس، إذ شيد معظمها خلال القرنين الـ18 والـ19 وحتى القرن الـ20، وكانت مقر إقامة بايات تونس وشهدت أحداثاً تاريخية مهمة ارتبطت بتاريخ البلاد السياسي والاجتماعي.

وفي تصريحها تقول سليم إن هذه القصور تتميز بقيمتها المعمارية الفريدة، إذ تجمع بين الطابع المعماري التونسي التقليدي والتأثيرات الأوروبية، وبخاصة الفرنسية والإيطالية، نتيجة تأثر البايات آنذاك بالمعمار الأوروبي خلال زياراتهم إلى أوروبا. وقد منح هذا التمازج الحضاري لهذه القصور خصوصية تميزها عن بقية المعالم الأثرية الأخرى.

قبة الهواء

وبحسب المهندسة المعمارية، تضم هذه القصور المنتشرة في عدة مناطق من العاصمة تونس زخارف ثرية وفخامة معمارية لافتة. ويعد قصر الباي بباردو من أهمها، إذ يضم حالياً مجلس نواب الشعب ومتحف باردو، وكان المقر الرسمي للباي. كذلك توجد قصور ثانوية كانت العائلة الحاكمة تتحول إليها في مناسبات مختلفة، على غرار قصر "قبة الهواء" بالمرسى، الذي كان مقراً صيفياً بحكم موقعه المطل على البحر، إضافة إلى قصر حمام الأنف وقصور منوبة المخصصة للاستجمام والواحات، فضلاً عن قصور أخرى أقل فخامة كانت مخصصة للعائلات المقربة من البايات.

وأضافت سنية سليم أن غالب هذه القصور تعود ملكيتها إلى خواص، سواء إلى ورثة العائلة الحسينية أو إلى أشخاص اقتنوها لاحقاً، وهو ما يمثل أحد أبرز الإشكالات التي تعترض جهود الحماية والتدخل، باعتبار أن الدولة لا يمكنها التدخل مباشرة داخل أملاك خاصة.

وأوضحت أن المعهد الوطني للتراث يتولى تصنيف هذه القصور على أنها معالم ذات قيمة تاريخية، مع متابعة حالها بصفة دورية. واستشهدت في هذا السياق بقصر أحمد باي، الذي جرى إنقاذه إثر صدور قرار هدم في عام 2007، إذ قامت الدولة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحمايته.

وأكدت أن تدخلات المعهد تجري في إطار ما تسمح به مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية، والتي تهدف إلى حماية هذه المعالم من التدخلات العشوائية التي قد تشوه طابعها التاريخي والمعماري.

أما بخصوص قصر "قبة الهواء" بالمرسى، فقد بينت أن الإشكال الرئيس يتمثل في كونه ملكاً خاصاً يشهد نزاعاً عقارياً بين الورثة أمام القضاء، وهو ما عطل عمليات الترميم والتدخل القانوني، وبخاصة أن القصر يقع بمحاذاة البحر، مما أسهم في تدهور حالته بصورة أسرع.

وأشارت إلى أن صدور قانون البنايات المتداعية للسقوط لعام 2024 أتاح إمكانية إيجاد حلول عملية، من خلال تمكين بلدية المرسى من التدخل، لا سيما أن انهيار المبنى قد يشكل خطراً على المارة على رغم الحواجز والإجراءات الوقائية المعتمدة.

وختمت بتأكيد أنه جرى تعيين خبير عدلي لتشخيص الحال الحقيقية للقصر وتحديد التدخلات الضرورية، وذلك بالتنسيق مع مختلف المتدخلين وتحت إشراف المعهد الوطني للتراث، بهدف إنقاذ هذا المعلم التاريخي الهام.

في السياق ذاته، أكد رئيس لجنة المالية والموازنة بمجلس نواب الشعب والنائب عن دائرة قرطاج سيدي بوسعيد ماهر الكتاري، أن قرار إخلاء قبة الهواء بالمرسى يعد شرطاً أساساً يمكن الدولة قانونياً من التدخل لترميم المعلم.

وكشف في تصريح خاص عن أن لديهم، مبدئياً، دعماً لمرافقة وتمويل ترميم قبة الهواء من قبل منظمات عالمية تعنى بحماية المعالم الأثرية، مشيراً إلى أن قبة الهواء سترجع أفضل مما كانت عليه بعد عمليات الترميم والصيانة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التأثير الأندلسي والأوروبي

وتؤكد المتخصصة في الحضارة الإسلامية والباحثة في مجال العمارة الإسلامية عواطف الواعر أن التأثيرات المعمارية للأندلسيين لا تزال حاضرة بوضوح في البلاد التونسية، سواء داخل قصور البايات أو في المساكن التقليدية. ومن أبرز المعالم التي شيدها الأندلسيون بمدينة تونس "دار عثمان داي"، وهو قصر من الطراز الإسباني المغاربي يعود إلى القرن الـ17. وقد بني بعد استقبال عثمان داي للمورسكيين، الذين أبدعوا في زخرفته بالجص المحفور وألواح الرخام الأبيض والأسود والأسقف الخشبية المطلية والمذهبة، إضافة إلى واجهته المكسوة بالرخام.

وتضيف الواعر أن من بين القصور والمنازل التي حملت البصمة الأندلسية أيضاً "دار الحداد ودار العجيمي ودار بالقاضي ودار الرياحي ودار ابن عبدالله ودار العصفور ودار الباي ودار الشلبي ودار القصدلي". كذلك أدخل الأندلسيون زخارف جديدة ومواد مبتكرة أسهمت في إثراء المعمار التونسي، وشاركوا في تشييد القصور والمنازل الفخمة والمعالم الدينية، مثل المساجد والزوايا والمنشآت العسكرية كالثكنات والأبراج.

وأشارت الباحثة إلى أن الأندلسيين أسهموا أيضاً في بناء عدد من المعالم البارزة، من بينها النافورة العمومية ليوسف داي ببنزرت والمدرسة الأندلسية وسوق الشواشين وبرج الوستان بغار الملح، والحمام القديم بقرمبالية وجسر مجاز الباب وتربة يوسف داي، إضافة إلى نهج الأندلس بمدينة تونس. كذلك أوضحت أن تقنية تزيين الغرف والجدران بالزليج، التي اقتبسها الأندلسيون من أفريقيا في القرن الثامن الهجري، شهدت تطوراً كبيراً لديهم قبل أن يعيدوا توظيفها في تونس بعد هجرتهم، بصور وألوان أكثر ثراءً.

وأضافت أن المورسكيين نقلوا معهم بعض العادات والتقاليد ذات التأثير المسيحي، من بينها رسم الصليب على أبواب المنازل بواسطة مسامير سوداء صغيرة، وزخرفوا الأبواب بالأشكال النباتية والهندسية، واعتمدوا على تبليط وسط المنازل بالبلنط والكذال والرخام. واستخدموا الزليج بكثافة في تزيين الجدران، وبخاصة في عدة معالم.

كذلك أوضحت الباحثة أن الأندلسيين برعوا في توظيف الجص المنقوش بالآيات القرآنية والعبارات التقليدية مثل "العزة لله" و"الملك لله"، إلى جانب استعمال الكذال والخشب والرخام والقرميد، الذي اعتبر عنصراً جديداً ومميزاً لتغطية الأسطح وحمايتها من الرياح والأمطار. واستعملت هذه المواد أيضاً في زخرفة القباب الخشبية والمقرنصة والتيجان الأندلسية ذات الطابع الكورنثي، والعقود المزخرفة على صورة حدوة الحصان، فضلاً عن تطعيم البلاطات بالرخام الأبيض والأسود واستعمال الآجر في واجهات المنازل.

أهم القصور

تضم تونس عدداً من القصور العثمانية الفخمة التي شيدها البايات على أطراف العاصمة وفي ضواحيها، ومن أبرزها قصر "باردو" الذي بناه الحسين بن علي باي، ويعد من أجمل القصور التونسية بفضل زخارفه وتأثيراته الأندلسية والأوروبية. ومن القصور الشهيرة أيضاً قصر الوردة الذي شُيد عام 1798 في عهد حمودة باشا، واستعمل مقراً للاصطياف ثم تحول لاحقاً إلى ثكنة عسكرية قبل أن يصبح المتحف العسكري الوطني، إلى جانب قصر قبة النحاس الذي بناه محمد رشيد باي وسُمي بهذا الاسم نسبة إلى القبة النحاسية التي كانت تغطي مسبحه. أيضاً يبرز قصر السعادة بمدينة المرسى وهو من أحدث القصور العثمانية، وقد تحول بعد الاستقلال إلى مقر لبلدية المرسى، بينما يعد قصر زروق آخر القصور التي أقام فيها الأمين باي قبل إعلان الجمهورية، وهو يحتضن اليوم مؤسسة بيت الحكمة. ولم تقتصر هذه القصور على الضواحي فحسب، إذ تضم المدينة العتيقة أيضاً دار حمودة باشا الذي شيد عام 1630، ويعد من أبرز المعالم التاريخية التي تعكس فخامة العمارة العثمانية في تونس.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات