Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدرجات المونديال... مرآة للتسامح أم منصة للكراهية؟

قضايا اجتماعية حرجة استُدعيت إلى مقاعد اللعبة فهزّت هويّتها التي تدعو إلى التسامح والروح الرياضية

أُجبر اللاعب الإنجليزي جاستن فاشانو على الانتحار (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

تطوّرت ظاهرة الكراهية في مُدرّجات كرة القدم اليوم من كونها هتافات كانت تتعلق بقضايا مثل "رهاب المثلية الجنسية" إلى فكرة أوسع بكثير وهي فكرة رفض التنوّع العرقي.

ليست مُدرّجات كرة القدم تلك المقاعد التي يجلس عليها المشاهدون في الملعب فقط، بل إنها تمتد كظاهرة اجتماعية من وإلى الشارع الرياضي باستمرار في كافة أنحاء العالم. إذ باتت تلك المُدرّجات تستقطب قضايا اجتماعية حَرِجة كثيرة من المجتمع وتهتف بها هناك، ثم تُعيدها بعد ذلك إلى شوارع بعض العواصم الرياضية العالمية من جديد، ولكن بصيغة أكثر عنفاً أحياناً. لذلك إذا كنت تشعر بالفخر كون مدرجات كأس العالم في عام 2026 أصبحت في غاية النظافة واللطافة، عليك وبكل أسف أن تراجع شعورك هذا. فظاهرة الكراهية في مُدرّجات كرة القدم اليوم تطوّرت من كونها هتافات كانت تتعلق بقضايا مثل رهاب المثلية الجنسية في عام 2014 لتصل إلى فكرة أوسع بكثير وهي فكرة رفض التنوّع العرقي وظهور هويات متعددة في كرة القدم الحديثة، وهي ظاهرة تجلّت بوضوح من خلال بطولة كأس العالم 2026 الحالية.

ووفق منصات رياضية ومواقع عِلمية واستطلاعات رأي الكترونية فإنه في بطولات كأس العالم وبطولات كروية كبرى أخرى سابقة، أخذت هتافات الكراهية في مدرجات كرة القدم طابع رهاب الجنسية المثلية وذلك حتى عام 2014 تحديداً. إذ امتدت هذه الظاهرة التي غَزَت وقتها المُدرّجات وغُرف تبديل ملابس اللاعبين والشارع الكروي في مختلف أنحاء العالم منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا هذا. ثم ظهرت هتافات الكراهية في المونديال الحالي 2026 واتت ذات طابع عِرقي.

في هذا السياق، أظهرت استطلاعات رأي إلكترونية حديثة أن جماهير كرة القدم ما زالت ترفض فكرة التنوع العرقي في بعض المنتخبات التي خاضت منافسات كأس العالم الحالية.

مرآة تَقدُّم الشعوب

إذا كانت بطولة كأس العالم في كرة القدم هي مرآة تطوّر العالم الحديث في كافة المجالات عِلمياً وسياسياً واقتصادياً، فإن مُدرجات الجماهير في هذه البطولة هي مرآة تقدم الشعوب والمجتمعات الحديثة إنسانياً وحضارياً. على رغم ذلك تمتد يد العُنف والكراهية في المجتمع الرياضي إلى منصّات أصبح أكثرها اليوم إلكترونياً، لتُظهر استطلاعات الرأي -إلى جانب هتافات المشجعين في الملاعب - تَأخُّرَ لعبة كرة القدم في فهم قضايا اجتماعية وإنسانية حاسمة. ويقول رافضون لهذه الفكرة، إنه "إذا كنا نريد حقاً أن تظل لعبة كرة القدم جميلة، علينا أن نسأل وفي هذا التوقيت تماماً: هل وصلت الكراهية في مدرجات كأس العالم 2026 إلى مستويات غير مسبوقة؟".

فالعنصرية، ورفض ظهور هويات مُتعددة في كرة القدم الحديثة، ورهاب المِثلية، تُعد من أكبر مظاهر الكراهية في مدرجات كرة القدم الحديثة اليوم.

 

كلمات مُهينة

على عكس الإساءة العنصرية، تعتمد ظاهرة رِهاب المثلية على افتراض أن كون الشخص مِثلياً هي هوية مُخزية ثقافياً ويجب رفضها باستمرار. إذ لا يخطر ببال أحد أن يُنعت شخص أبيض بكلمة عنصرية مُهينة، لذلك قد يكون تشبيه رهاب المثلية بالعنصرية مفيداً "تكتيكياً" للترويج لأهمية مكافحته.

على رغم ذلك، ليس صحيحاً أبداً بالنسبة لمجتمع "ميم" أن رهاب المِثلية يُشبه العنصرية، إذ إن لكل منهما طريقة عمل مختلفة ونتائج خطيرة على الحياة، قد تكون مختلفة تماماً في بعض الأحيان.

قضية التنوّع

في مونديال 2026، أعطى منتخب فرنسا مثالاً على تأثير قضية التنوّع العِرقي في كرة القدم. إذ أثّرَت الهجرة وظهور هويات مُتعددة في كرة القدم الحديثة بشكل كبير على المدرجات. وكشف تحليل آلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن واقع "مُضلّل" في قضية التنوع العرقي في كرة القدم الحديثة. "فعلى رغم أن كرة القدم تبنّت قضية التنوّع، وأن عدداً كبيراً من اللاعبين يُمثّل الآن بلداناً غير بلدانهم الأصلية، مما يُجسّد أثر الهجرة وظهور هويات مُتعددة في كرة القدم الحديثة، إلا أن جمهور اللعبة لا يستقبل جميع أشكال التنوع بالطريقة نفسها".

 

في 2014

يعد عام 2014 العام الأكثر عنفاً بالنسبة لرهاب المثلية الجنسية. وتقول واحدة من المقالات الصحافية التي نُشرت في هذا الصدد، إنه "في 2014 وبينما شاهد ملايين الأشخاص حول العالم نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عبر شاشات التلفاز، كان كثيرون يجهلون أن المباراة تتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية ورهاب المتحولين جنسياً  (IDAHOT)، والذي يُحتفل به في 17 مايو (أيار) من كل عام".

ووفق المقال أيضاً، "يُعدّ هذا اليوم حملةً عالمية تهدف إلى تسليط الضوء على مشكلة رهاب المثلية الجنسية ورهاب المتحولين جنسياً، المنتشرة، وفق مجتمع ميم، وبشكل كبير وخطير، في جميع أنحاء العالم".

ونُشرت مقالة بهذا الخصوص على منصات حوار بريطانية وهي للمحاضر في علوم الرياضة والتمارين في جامعة سوانزي، أندي هارفي، الذي أكد "أنه قد يكون من المفيد لو كان مزيد من مشجعي كرة القدم على دراية بهذا اليوم". وذلك "لأنه لم ترتبط أية رياضة بريطانية بمواقف مُعادية للمثلية الجنسية بقدر ارتباط كرة القدم بها". ووفق أندي فقد "عزّز برنامج 'الكراهية في المدرجات' الذي بثته حينها القناة الرابعة، فكرة أن كرة القدم الإنجليزية لا تزال تعاني من هتافات تمييزية من قبل أعداد كبيرة من المشجعين". بدوره أظهر الفيلم الوثائقي كيف كانت هذه الهتافات تُردَد غالباً على مرأى ومسمع من رجال الأمن والشرطة، من دون أن يتخذوا هم أو سلطات كرة القدم أي إجراء يُذكر.

في السياق، ولكن في مقالة ثانية نُشرت على الموقع ذاته يوم 12 يوليو (تموز) 2026 تحت عنوان: "كأس العالم 2026: كيف يتم استقبال المنشورات المتعلقة بالتنوع والشمول على وسائل التواصل الاجتماعي؟"، أكد الموقع أن كرة القدم تبنّت قضية التنوع، "وإن لم يخلُ الأمر من كثير من الجدل". وعلى رغم ذلك تساءل الموقع: "لكن كيف تستجيب المجتمعات الإلكترونية لهذه الجهود؟ إذ يكشف تحليل آلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن واقع أكثر تعقيداً مما كنا نعتقد. ففي نظر الجمهور، لا تُستقبل جميع أشكال التنوع بالطريقة نفسها". وأضاف الموقع، "قال نيلسون مانديلا جملته الشهيرة وهي: للرياضة قدرة على توحيد الناس بطريقة لا يمتلكها إلا القليل غيرها. إذ من المفترض أن تكمن هذه الفكرة في صميم رسالة الفيفا لكأس العالم 2026، والتي تُقدّم كاحتفال بالوحدة والتنوع والشمول في العالم". وتعكس البطولة نفسها هذا الطموح، إذ يُمثّل عدد كبير من اللاعبين الآن بلداناً غير بلدانهم الأصلية، مما يُجسّد أثر الهجرة وظهور هويات متعددة في كرة القدم الحديثة. فيما يُقدّم المنتخب الفرنسي مثالاً صارخاً على ذلك.

قضايا اجتماعية مُستقطَبة

لكن هذه الرمزية تحمل في طياتها توترات عدة. وفي خضم نقاشات عالمية محتدمة حول الهجرة، والهوية الوطنية، وحقوق مجتمع الميم، لا تزال بطولة كأس العالم تُثير جدلاً واسعاً، "سواءً حول تأشيرة حكم صومالي، أو سفر المشجعين، أو مشاركة إيران". وكما هي الحال مع الجدل الذي دار حول شارة "حب واحد" في كأس العالم 2022، "تبقى كرة القدم ساحةً مركزيةً تُسلّط فيها الأضواء على قضايا مجتمعية أوسع نطاقاً، وغالباً ما تكون مثيرةً للجدل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك لا تتوقف هذه النقاشات عند حدود الملعب، بل تمتدّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، "إذ يُضخّم كل منشور، أو حملة، أو تصريح عام، ويُعلّق عليه، ويُناقش بسرعة فائقة". في هذا السياق، تستفيد اتحادات كرة القدم، والجهات الراعية، والعلامات التجارية من حضور غير مسبوق، لكنها تواجه أيضاً تعرّضاً متزايداً لردود فعل الجمهور. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً وهو: كيف يُمكن للمنظمات التواصل بفعالية بشأن التنوّع والشمول في مثل هذه المساحة المُجزّأة والمُستقطبة؟

انتحارات وتأخير إعلان هويّة

من الجانب الاحترافي للعبة، أصبح من الشائع الآن الإشارة ألا يُعلن أي لاعب كرة قدم محترف عن مثليته الجنسية أثناء لعبه في الدوري الإنجليزي. إذ شكّلت وفاة اللاعب الإنجليزي جاستن فاشانو الذي انتحر عام 1998 بعد إعلانه مثليته الجنسية عام 1990 وسط موجة من رهاب المثلية في وسائل الإعلام، إشارة تحذير لغيره من المثليين المحترفين من السير على خطاه. لذلك انتظر روبي روجرز لاعب نادي "ليدز يونايتد" السابق حتى اعتزاله ليعلن مثليته، وذلك وفقاً لشروحات صور نُشرت على مواقع إخبارية لوكالة "أسوشيتد برس". ففي فبراير (شباط) 2013، أعلن روبي روجرز لاعب "ليدز" السابق، مثليته الجنسية بالتزامن مع إعلانه اعتزاله كرة القدم الاحترافية. وذلك لأنه "لم يستطع تصوّر الاستمرار في اللعب بسبب أجواء رهاب المثلية في غرف الملابس والمدرجات". وفي وقت سابق من ذلك العام أعلن توماس هيتزلسبيرغر نجم الدوري الإنجليزي الممتاز واللاعب الدولي الألماني السابق، مثليته الجنسية بعد اعتزاله اللعب، إلا أن الاستقبال الجماهيري الإيجابي الذي حظي به يتناقض تماماً مع تجربة زملائه.

"هل يَعلم حبيبُكَ أنكَ هنا؟"

كان غراهام لو سو مدافع نادي تشيلسي ومنتخب إنجلترا السابق، واحداً من أشهر ضحايا عجز كرة القدم عن تقبّل التنوع الجنسي حتى عام 2014. فعلى رغم كونه معروفاً بميوله الجنسية المُغايرة، إلا أنه أصبح هدفاً للإساءات المُعادية للمثليين خلال مسيرته الكروية في التسعينيات. وتُجسّد قضية لو سو بوضوح أحد الجوانب التي نادراً ما تُذكر في السلوك المعادي للمثليين. إذ ردّد مشجعو الفريق المُنافس لفريقه هتافات مثل: "هل يعلم حبيبك أنك هنا؟"، وذلك للتشكيك في هوية مشجعي الفريق المنافس الجنسية، وكوسيلة لترسيخ مفاهيمهم عن الذكورة المغايرة. وبعبارة أخرى، تُعدّ "المزاحات" المُعادية للمثليين سواءً كانت تُمارس في المدرجات أو في غرف الملابس آليةً لفرض رقابة على ميول الرجال غير المثليين أيضاً.

هل يُعدّ التنوّع عائقاً؟

للإجابة على هذا السؤال، قامت جهات بحثية أخيراً بتحليل أكثر من 6000 منشور على "فيسبوك" و"إنستغرام"، نشرتها 9 اتحادات كرة قدم أوروبية. وبالاستناد إلى مقابلات مع خبراء في هذا المجال، حَدّدت تلك الجهات 7 أبعاد للتنوّع، ومنها الجنسي والعرقي، وهي: النوع الاجتماعي، والعرق والإثنية، والعمر، والإعاقة، والدين، والثقافة، والميول الجنسية، والطبقة الاجتماعية. وبشكل عام، يبدو أن المنشورات المُتعلقة بالتنوع الشامل وهو التنوع الجنسي والعرقي تحظى بتفاعل أقل بين الجماهير. وهذه النتيجة المتوافقة مع بعض الدراسات السابقة تُفضي بسهولة إلى استنتاج مُبسّط مفاده أن التنوّع الرياضي بكل أنواعه "يُعاقَب" بطريقة ما على وسائل التواصل الاجتماعي. وتساعد هذه الاختلافات المهمة الباحثين في تفسير سبب وصول الأبحاث السابقة إلى استنتاجات متناقضة في كثير من الأحيان، فبعض الدراسات تُركز على بُعد واحد من أبعاد التنوّع، بينما تجمع دراسات أخرى بينها في مقياس واحد. بذلك تُظهر نتائج تلك الأبحاث أن التنوّع في الرياضة حديثاً ليس مفهوماً متجانساً، بل هو مجموعة من الأبعاد المتميزة التي قد تُثير استجابات اجتماعية وعاطفية وثقافية متباينة للغاية تبعاً للجمهور.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة