Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السجال المستعاد حول تمويل "أبواق الماركسية الغربية"

غابرييل روكهيل يعيد قراءة علاقات الماركسيين بالمؤسسات الرسمية الأميركية خلال الحرب الثانية والحرب الباردة

موت كارل ماركس بريشة بيترو هايديك (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

منذ صدور كتاب المفكر والمؤرخ والمنظر السياسي الأميركي - الفرنسي غابرييل روكهيل (مواليد 1972) بالإنجليزية بعنوان "من مول أبواق الماركسية الغربية؟"، وهو يثير نقاشاً وجدلاً واسعين في الأوساط الفكرية اليسارية، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا. يشغل المؤلف حالياً منصب أستاذ الفلسفة في جامعة فيلانوفا، والباحث المشارك في "مختبر الأنثروبولوجيا السياسية" في "مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية" في باريس.

طال  السجال الفلسفي حول قضية "التمويل"، أطروحة الكتاب، والمنهج الذي اعتمده المؤلف في إعادة قراءة تاريخ الماركسية الغربية، وعلاقات بعض رموزها بالمؤسسات الرسمية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

وقد ازدادت حدة النقاش بعد أن نشرت الصحافة الأميركية والصحف الأوروبية وعلى رأسها صحيفة "لوموند" مقالات ومراجعات (كان آخرها قبل أيام)، تناولت الاتهامات المتعلقة بالفيلسوف الألماني الأميركي هربرت ماركوزه (1898–1979)، أحد أبرز رموز "اليسار الجديد" ومدرسة فرانكفورت، ومسألة تعاونه مع أجهزة الدولة الأميركية وتأثير البنى الرأسمالية، كمؤسسة روكفلر التي مولت أبحاثه، في الصورة التقليدية التي رسمتها له الأوساط اليسارية كأحد أبرز منظري أحداث مايو ( أيار) 1968 في فرنسا.

كان ماركوزه مفكراً ثورياً وأستاذاً لعدد كبير من المفكرين والناشطين السياسيين، وانتمى في شبابه إلى الحركة السبارتاكية، وفر من ألمانيا النازية إلى أميركا حيث طور نظرية نقدية للرأسمالية بين فيها كيف يؤدي الرفاه الاستهلاكي إلى تخدير الوعي الطبقي وإضعاف النزعة الثورية. وفي أواخر ستينيات القرن الـ20، وكان قد تجاوز الـ70 من عمره، أصبح ماركوزه مرجعاً فكرياً للشباب الثائر، حتى إن بعض طلاب باريس خلال أحداث أيار (مايو) 1968 رفعوا شعار"ماركس! ماو! ماركوزه!". ووفقاً للأبحاث التي استند إليها غابرييل روكهيل، فإن ماركوزه الذي عمل في أوائل خمسينيات القرن الـ20 في مكتب الاستخبارات التابع لوزارة الخارجية الأميركية وأعد تقارير استخبارية، استخدمت تحليلاته من مؤسسات الدعاية الأميركية، مما أثار تساؤلات حول وجود تقارب فكري أو تعاون عملي بينه وبين أجهزة الاستخبارات.

مواجهات حادة داخل اليسار

 أثارت هذه المزاعم مواجهات حادة داخل اليسار الفكري على المستوى الدولي، فبعضهم رأى أن هذه المعطيات تدل على أن الولايات المتحدة دعمت، عن قصد أو عن غير قصد، تيارات ماركسية غير تقليدية بهدف إضعاف النفوذ السوفياتي في أوروبا والولايات المتحدة. في المقابل، رفض عدد من المؤرخين والمتخصصين في تاريخ "اليسار الجديد" هذه الاتهامات، معتبرين أنها تشبه محاكمة استعراضية تفتقر إلى أدلة تثبت وجود تواطؤ مباشر مع وكالة الاستخبارات المركزية.

بغية فهم أعمق لهذه الأفكار، لا بد أولاً من الإشارة إلى أن روكهيل ينطلق في كتابه من فرضية مفادها بأن ما يعرف بـ"الماركسية الغربية" ليس تطوراً طبيعياً للفكر الماركسي، بل مشروع إمبريالي هندسته ومولته وكالة المخابرات المركزية (CIA) والمؤسسات الرأسمالية خلال الحرب الباردة، لتفريغ الماركسية من محتواها الثوري وجعلها ترفاً أكاديمياً. هذا يعني أن "الماركسية الغربية" لم تتطور بمعزل عن السياسات الثقافية التي انتهجتها الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وأن الحرب الباردة لم تكن برأي الباحث صراعاً عسكرياً أو جيوسياسياً فحسب، وإنما كانت أيضاً حرباً فكرية هدفت إلى إعادة تشكيل الوعي اليساري العالمي.

انطلاقاً من هذه الفكرة الناظمة للكتاب، حاول روكهيل تتبع أشكال التمويل والدعم المؤسساتي التي استفاد منها عدد من المفكرين الغربيين من خلال الجامعات الأميركية أو المؤسسات البحثية أو بعض المؤسسات الخيرية الكبرى، طارحاً السؤال الآتي: كيف تحول الفكر الماركسي الغربي من التركيز على قضايا الصراع الطبقي والإمبريالية والثورة الاجتماعية إلى الانكفاء نحو النقد الثقافي والفلسفة ومسائل الهوية والذات؟ ومن مول هذا التحول؟

ولا يدعي روكهيل أن المفكرين الذين استفادوا من هذا الدعم والتمويل كماركوزه كانوا عملاء للأجهزة الاستخباراتية بقدر ما سعى إلى إبراز الكيفية التي تداخلت بها المؤسسات الأكاديمية والثقافية مع الاستراتيجية الأميركية في إنتاج خطاب يساري نقدي يبتعد عن الماركسية اللينينية وعن التجربة السوفياتية، ذاهباً حد القول إن هذا التوجه أسهم في تحويل النقد الاجتماعي من التركيز على الصراع الطبقي والبنية الاقتصادية إلى الاهتمام بقضايا الثقافة واللغة والهوية، مما جعل "الماركسية الغربية"، في نظره، أقل تهديداً للنظام الرأسمالي من التيارات الثورية التقليدية.

وقد حاول الكتاب تبيان أن المؤسسات المرتبطة بالنخب الرأسمالية ومراكز النفوذ الثقافي والمنظمات المدعومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الدولة الأميركية، لعبت دوراً محورياً في تعزيز تيارات فكرية معينة وإضعاف سواها، متوقفاً مطولاً عند العلاقة بين مؤسستي فورد وروكفلر وبين انتشار مدارس النقد الثقافي المرتبطة بمدرسة فرانكفورت.

قضية هربرت ماركوزه

تحتل قضية هربرت ماركوزه موقعاً مهماً في الكتاب. فقد أعاد روكهيل فتح ملف عمله في "مكتب الخدمات الاستراتيجية" (OSS)، وهو الجهاز الذي سبق تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، مستنداً إلى وثائق تاريخية تشير إلى أن الفيلسوف، مثله كمثل عدد كبير من المثقفين الأوروبيين الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة هرباً من النازية، عمل بالفعل في هذا الجهاز خلال الحرب العالمية الثانية، ثم واصل عمله لفترة في وزارة الخارجية الأميركية. لكن روكهيل يمنح هذه الوقائع دلالة أوسع، معتبراً أنها تكشف عن علاقة عضوية بين بعض رموز النظرية النقدية ومؤسسات الدولة الأميركية. وقد أدى هذا الطرح إلى إعادة فتح نقاش قديم حول طبيعة عمل المثقفين خلال سنوات الحرب، فمن المعروف أن عدداً من المفكرين الأوروبيين المنفيين أسهموا في الجهود الأميركية ضد النظام النازي، وهو ما اعتبره عدد من المؤرخين جزءاً من السياق الاستثنائي للحرب العالمية الثانية، لا دليلاً على تبنيهم المشروع السياسي الأميركي. أما روكهيل فيرى أن هذه العلاقات استمرت بأشكال مختلفة خلال الحرب الباردة، وأنها أسهمت في إعادة تشكيل المشهد الفكري اليساري في الغرب.

غير أن هذه القراءة لم تمر من دون اعتراضات قوية، فقد نشر بعض الباحثين مراجعات نقدية للكتاب اعتبرت أن روكهيل يخلط بين الوقائع التاريخية والتفسيرات الأيديولوجية، وأنه ينتقل من إثبات علاقات مؤسساتية موثقة إلى استخلاص نتائج واسعة حول مجمل تاريخ الماركسية الغربية. ويرى هؤلاء النقاد أن وجود ماركوزه أو غيره من المفكرين داخل مؤسسات تابعة للولايات المتحدة إبان الحرب لا يكفي لإثبات أن مشروعهم الفلسفي كان امتداداً لسياسة الدولة الأميركية، لا سيما أن كتاباتهم اللاحقة تضمنت نقداً جذرياً للرأسمالية وللمجتمع الصناعي وللسياسات الأميركية نفسها.

ومن أبرز نقاط الخلاف أيضاً الطريقة التي يصنف بها روكهيل مفكري مدرسة فرانكفورت، فهو يضع تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر وهربرت ماركوزه، ضمن تيار أسهم، بقصد أو بغير قصد، في إضعاف الماركسية الثورية عبر التركيز على النقد الثقافي والفلسفي بدلاً من التحليل الطبقي والعمل السياسي المباشر. ويرى أن هذا التحول لم يكن مجرد تطور نظري، بل جاء في سياق تاريخي استفادت منه المؤسسات الغربية في مواجهة النفوذ السوفياتي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد في المقابل عدد آخر من الباحثين في تاريخ النظرية النقدية أن هذا الحكم يتجاهل الظروف الفكرية والسياسية التي عاشها هؤلاء المفكرون، ولا سيما تجربة الفاشية والمنفى والحرب العالمية الثانية. كما تشير بعض الدراسات إلى أن أعمال أدورنو وهوركهايمر وماركوزه ظلت من أكثر الأعمال تأثيراً في نقد الرأسمالية الحديثة، وأن اختزالها في علاقتها بمؤسسات التمويل أو أجهزة الدولة يؤدي إلى قراءة انتقائية لا تنصف تعقيد مشروعها الفلسفي.

بين المعرفة والسلطة

يتخطى كتاب روكهيل مسألة إعادة تقييم مدرسة فرانكفورت، طارحاً سؤال علاقة المعرفة بالسلطة. فالمؤلف يدعو إلى دراسة دور المؤسسات الممولة للأبحاث العلمية، ودور الجامعات، وشبكات النشر، والمؤسسات الثقافية في تشكيل الإنتاج الفكري في القرن الـ20. ولعل هذا السؤال لا يخص الماركسية وحدها، بل يشمل مختلف التيارات الفكرية التي تطورت في سياق الحرب الباردة، بحيث أصبح التمويل الثقافي جزءاً من المنافسة الدولية بين المعسكرين الشرقي والغربي.

كما يلفت الكتاب الانتباه إلى ضرورة التمييز بين مستويين من النقاش. المستوى الأول تاريخي، ويتعلق بالوثائق والأرشيف والعلاقات الفعلية بين المثقفين والمؤسسات الرسمية. أما المستوى الثاني فهو فلسفي، ويتعلق بتقييم الأفكار نفسها ومدى استقلالها عن السياقات السياسية التي نشأت فيها. ويبدو أن عدداً من الاعتراضات على  كتاب روكهيل تنبع من اعتباره أن إثبات العلاقة المؤسساتية يكفي للحكم على القيمة النظرية للمشروع الفكري بأكمله، وهذا ما لا يقبله جميع الباحثين.

ومهما يكن الموقف من استنتاجات المؤلف، فإن كتابه يمثل مساهمة مهمة في إعادة فتح ملف الحرب الثقافية خلال القرن الـ20، وفي تشجيع الباحثين على العودة للأرشيف والوثائق وإعادة فحص المسلمات التي استقرت في تاريخ الفكر المعاصر. كما أنه يسلط الضوء على الدور الذي لعبته المؤسسات الأكاديمية والثقافية في الصراع الدولي، وهو جانب ظل لفترة طويلة أقل حضوراً من الدراسات العسكرية والسياسية للحرب الباردة.

ختاماً، لا يمكن اختزال كتاب غابرييل روكهيل في كونه اتهاماً لهربرت ماركوزه أو لمدرسة فرانكفورت، كما لا يصح رفضه لمجرد طابعه الجدلي الجريء. فهو يثير أسئلة حقيقية حول استقلالية الإنتاج الفكري، وحدود العلاقة بين المثقف والمؤسسة والسلطة، ودور التمويل في تشكيل الحقول المعرفية ودور الفن أو الثقافة أو النظرية في تغيير المجتمع.

لكن قيمة هذه الأسئلة لا تعفي من ضرورة التعامل بحذر مع استنتاجاته، والتمييز بين الوقائع التي تثبتها الوثائق وبين التأويلات التي تبقى محل نقاش بين المؤرخين والفلاسفة. ولعل هذا الجدل، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل الكتاب حدثاً فكرياً يستحق القراءة والمناقشة، سواء من المهتمين بتاريخ الماركسية أو بدراسة الثقافة السياسية للحرب الباردة.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب