Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هموم الطبقة الوسطى بروح كوميدية في "مجرد وهم"

 فيلم فرنسي عن الهوية والعائلة والصداقة يحقق نجاحاً شعبياً

كوميديا أسرية في "مجرد وهم" (ملف الفيلم)

ملخص

جذب فيلم "مجرد وهم" للثنائي أوليفييه نقاش وإريك توليدانو نحو مليوني مشاهد في صالات السينما الفرنسية، مؤكداً المكانة التي يحتلها المخرجان، اللذان يعرف أحدهما الآخر منذ الطفولة، في شباك التذاكر الفرنسي.

منذ النجاح الكاسح الذي حققه فيلم "المنبوذون" قبل 15 عاماً، محولاً إياه إلى ثالث أكثر فيلم فرنسي تحقيقاً للإيرادات في التاريخ، بات اسما نقاش وتوليدانو مرادفين للسينما الجماهيرية القادرة على الجمع بين النجاح التجاري والبعد الإنساني. وقد شكل "المنبوذون"، محطة مفصلية في مسيرتهما: قصة أرستقراطي (فرنسوا كلوزيه) يصاب بالشلل إثر حادثة طيران شراعي، فيجد نفسه معتمداً على شاب (عمر سي) من الضواحي، خرج حديثاً من السجن، لتنشأ بينهما صداقة تتجاوز الفوارق الطبقية والثقافية.

منذ ذلك الحين، رسخ نقاش وتوليدانو أسلوباً سينمائياً يقوم على المزج بين الكوميديا الشعبية والحس الإنساني والالتفات إلى القضايا الاجتماعية، بعيداً من الاستعراض البصري أو التجريب الشكلي. فسينماهما تنطلق، قبل كل شيء، من العلاقات بين البشر، ومن إيمانهما بأن لقاءً عابراً قد يكون كفيلاً بإعادة رسم حياة كاملة.

في "مجرد وهم"، يحملنا الثنائي إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وهي عودة لا تقتصر على استحضار الديكورات والأزياء والأكسسوارات، وإنما تشمل إعادة بناء روح تلك المرحلة بأكملها، في عمل تتكفل إدارته الفنية بإحياء الزمن الماضي ببراعة.

فنسان مراهق ينتمي إلى عائلة من الطبقة الوسطى تعيش في إحدى ضواحي باريس. يحاول تدبير أموره إلى جانب أخ أكبر يبدو كأنه يقيم في عالم موازٍ. لكل منهما اهتماماته وذائقته الخاصة، فيما لا يكاد والداه يتوقفان عن الشجار. يقف فنسان عند تلك العتبة التي لم يعد فيها طفلاً، ولم يصبح بعد رجلاً. ومن خلاله، يرافقنا الفيلم في رحلة اكتشاف الذات، حيث تتزاحم الأسئلة حول الهوية، والصداقة، والعائلة، والدين، والرغبة، وبدايات الحب.

الفيلم كوميديا أسرية انطلاقاً من تلك اللحظة الفريدة من المراهقة، حين تكون الأحلام مشاريع قابلة للتحقق، قبل أن يكتشف الإنسان، مع مرور الزمن، أن كثيراً منها كانت مشوبة بقدر غير قليل من الوهم.

يدين الفيلم، في المقام الأول، إلى فريقه التمثيلي المتألق. فلوي غاريل يمنح شخصية الأب، بحضوره الآسر، دفئاً يجعلنا نتعلق به منذ اللحظات الأولى، فيما تؤدي كامي كوتان دور الأم بحساسية لافتة، أما الصبيان، سيمون بوبليل وألكسيس روزنستيل، فيقدمان أداء عفوياً وصادقاً يضفي على العمل شحنته الإنسانية.

يستمد الفيلم أيضاً جزءاً كبيراً من قوته من ذلك الإحساس بالصدق الذي يتسلل إلى كل مشهد، إذ تستند حكايته إلى تجربة المخرجين المعيشة، اللذين كانا مراهقين في منتصف الثمانينيات. لذلك نشعر بأن ما نراه ليس مجرد تحويل سيناريو إلى صور، وإنما استعادة حميمية لذاكرة تستبطن تفاصيل تلك المرحلة.

ويتفاقم هذا الإحساس بفضل إعادة إحياء تلك الحقبة بكل ما تختزنه من ملامح ثقافية وموسيقية، فالفيلم زاخر بالأغاني التي توقظ الحنين لدى كل من عاش تلك الأعوام، لتغدو الموسيقى جسراً عاطفياً يعيد المشاهد إلى زمن يعده كثر إحدى أزهى الفترات في تاريخ موسيقى البوب. حتى عنوان الفيلم "مجرد وهم"، مستعار من الأغنية الشهيرة لفرقة "إيماجينايشن"، التي ترافق أحداثه وتظل ترن في الذاكرة، فيغادر المشاهد الصالة وهو يدندن لحنها.

يقارب الفيلم جميع المواضيع بخفة ظل وطرافة، من دون أن يقع، ولو للحظة، في فخ الوعظ أو الديداكتية. سر نجاحه يكمن في نبرته، تلك النبرة التي تبدو لوهلة سهلة المنال، فيما هي في الحقيقة من أصعب التحديات السينمائية، فكثير من الأفلام ذات الطابع الكوميدي تطمح إلى امتلاك هذا التوازن الدقيق بين الخفة والعمق، لكنها غالباً ما تخفق، أما هنا فينساب الفيلم بسلاسة تكاد تشبه شربة ماء، وهو أسلوب نقاش - توليدانو المفضل: بث البهجة من دون تفريط بالمضمون، وتمرير الأفكار بأقصى درجات المتعة.

يلتزم الفيلم التزاماً كاملاً منظور الطفل، فلا يتحول أبداً إلى فيلم "عن" السياسة، فالسياق التاريخي والسياسي لا يقدم عبر الشرح أو الخطب، بل يتسلل إلينا من خلال ما يراه فنسان ويسمعه ويختبره. تنتمي العائلة إلى الطبقة الوسطى التي ترزح تحت مصاعب اقتصادية. الأب يواجه تعثراً مهنياً، والضائقة المالية تلقي بظلالها على الخلافات المتكررة بين الوالدين. ومع ذلك، لا يشرح الفيلم أزمة منتصف الثمانينيات أو يفكك أسبابها، بل يجعل منها خلفية تتطور فيها الشخصيات، فتغدو جزءاً من نسيج حياتها اليومية.

هناك أيضاً مسألة الهوية: العائلة يهودية سفاردية تعود جذورها إلى شمال أفريقيا، وهي خلفية تؤثر في إحساسها بالانتماء، وفي انتقال الذاكرة بين الأجيال، لكن الفيلم يتعامل مع هذه العناصر كلها بقدر كبير من الحكمة، من دون أن يحولها إلى مادة أيديولوجية أو خطابية.

ولا ينجرف الفيلم في أي لحظة إلى المباشرة أو الافتعال، وهنا تحديداً تكمن قوة السينما الجماهيرية التي يصنعها نقاش وتوليدانو، امتداداً لتقليد عريق في السينمايين الفرنسية والأميركية: أفلام لا تساوم على مستواها الفني، وفي الوقت نفسه تعرف كيف تخاطب جمهوراً واسعاً، جامعة بين الجودة والمتعة.

يشكل الانغماس في هذه الحقبة أيضاً فرصة لاكتشاف مقدار التحول الذي عرفته فرنسا خلال العقود الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفيلم عمل ديناميكي، يتغير ويتبدل ويتحرك باستمرار، مانعاً أي إحساس بالرتابة من التسلل إلى إيقاعه. وفيه مشاهد صممت لتبقى في الذاكرة، كأن يجد كثر أنفسهم داخلها لأنها تستعيد لحظات مألوفة من تجاربهم الخاصة. من بينها المشهد الذي يحاول فيه المراهقون الحصول على شريط فيديو بورنو لمشاهدته في المنزل. مجرد عملية الوصول إليه تتحول إلى مغامرة في ذاتها، تعكس زمناً كان فيه الحصول على مثل هذه الأشرطة يختلف جذرياً عن عالم اليوم.

لا يفلت الفيلم من بعض "مستلزمات" أفلام المراهقة. يتجسد أبرزها في اللازمة التي يعود إليها مراراً. يقع فنسان في الحب، لكن علاقته تصطدم برفض والد الفتاة، الرجل المحافظ جداً. وعلى رغم أن هذه العقدة تخدم السياق الدرامي، فإن تكرارها يبدو أقرب إلى حل جاهز منه إلى تطور عضوي داخل الحكاية.

نضحك ونتأثر مع الفيلم لأنه يخاطب فينا ما هو مشترك وإنساني، فهو لا يرفع طموحاته إلى مستوى الشعارات الكبرى، بل يبقيها بحجم الإنسان. جميعنا ننتمي إلى عائلة، جميعنا داعب أحلاماً، وجميعنا عرف لحظات صعبة داخل العلاقات العائلية، وبعضنا كان محظوظاً بما يكفي لتجاوزها بفضل الحب والتضامن.

ومن أجمل ما يمنحه الفيلم أنه يجعلنا نستمتع بمراقبة زمن عشناه، لكنه يبدو لنا اليوم غريباً وبعيداً في تفاصيله الصغيرة: من ورق الجدران إلى السيارات، ومن الملابس إلى الموسيقى. "مجرد وهم" يذكرنا بأن الماضي، مهما بدا قريباً، يصبح مع مرور الوقت عالماً آخر.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما