ملخص
وراء الأكمة ما يقلق السلطات والمستهلك، والطريق قد تكون سالكة للاتجار بالأدوية الفاسدة والمفبركة، بل يعلن عنها أحياناً على شبكات التواصل في موريتانيا. وتتصاعد المخاوف من أن تصبح البلاد مركزاً لهذه التجارة الرابحة على حساب صحة المواطنين.
على الدوام توجه أصابع الاتهام إلى الدواء كمصدر لانتشار الأمراض في موريتانيا بدلاً من معالجتها، فكل حبة دواء لعلاج مرض قديم قد تكون سبباً في داء جديد. وهذه الأدوية التي تتسلل إلى رفوف الصيدليات وتُستورد خارج نطاق الرقابة، لا يتردد بعض الموريتانيون في تسميتها "تجارة الموت". فمع غياب أرقام موثوقة عن ضحايا الأدوية الفاسدة تتراجع الثقة بالطب على الصعيد الوطني، ويتضاعف عدد الباحثين عن علاج خارج البلاد.
وراء الأكمة ما يقلق السلطات والمستهلك، والطريق قد تكون سالكة للاتجار بالأدوية الفاسدة والمفبركة، بل يعلن عنها أحياناً على شبكات التواصل في موريتانيا. وتتصاعد المخاوف من أن تصبح البلاد مركزاً لهذه التجارة الرابحة على حساب صحة المواطنين.
استضافت العاصمة الموريتانية نواكشوط أعمال المنتدى الإقليمي للاستثمار في قطاع الصحة، بمشاركة وزراء وخبراء ومستثمرين وممثلين عن القطاع الخاص والمؤسسات المالية والتنموية من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، في إطار مساعٍ لتعزيز الاستثمار في القطاع الصحي وتطوير الصناعات الدوائية.
ونُظم المنتدى تحت شعار "تعزيز التجارة والاستثمار البيني داخل منظمة التعاون الإسلامي في قطاع الصناعات الدوائية: من الاستراتيجية إلى العمل"، بالشراكة بين وزارة الصحة والمركز الإسلامي لتنمية التجارة ومنظمة الصحة العالمية، إضافة إلى عدد من الشركاء الدوليين.
وأكد وزير الصحة اتيام التجاني خلال افتتاح المنتدى أن الاستثمار في الصحة لم يعُد يقتصر على كونه استثماراً في قطاع خدمي، بل في الإنسان والأمن القومي والاقتصادي، مشيراً إلى أن جائحة "كوفيد-19" أبرزت الحاجة إلى تعزيز الأمن والسيادة الصحيين ومضيفاً أن موريتانيا تنفذ إصلاحات متسارعة لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات وتوسيع فرص الولوج إليها، مع التركيز على بناء شراكات عملية وتعبئة الاستثمارات في مجالات التصنيع الدوائي والابتكار الصحي.
أدوية مغشوشة
أمام المستشفى الوطني في نواكشوط يقول محمد إن رحلته مع المرض ازدادت تعقيداً بعد تناوله أدوية يعتقد بأنها كانت مغشوشة، إذ كان يبحث عن العلاج ولكنه وجد نفسه، بحسب روايته، يواجه معاناة مضاعفة انتهت بإصابته بالسرطان. وتبدو آثار المرض واضحة على جسده النحيل وملامحه المرهقة، فيما يروي تجربته على أمل أن تسهم شهادته في لفت الانتباه إلى خطر الظاهرة.
قصة محمد ليست، وفق متخصصين، حالاً معزولة على رغم غياب إحصاءات رسمية تحدد عدد المتضررين من الأدوية المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات في موريتانيا.
وترجح وثيقة داخلية أعدتها وزارة الصحة الموريتانية عام 2017 أن يتسبب تداول الأدوية المزورة في مضاعفات صحية خطرة، من بينها الفشل الوظيفي لبعض الأعضاء وحالات وفاة.
ووصف تقرير فرنسي موريتانيا بأنها أصبحت إحدى منصات توزيع كميات من الأدوية الفاسدة محلياً وإقليمياً.
ولا تقتصر المشكلة على موريتانيا، إذ يقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن ما بين 19 و50 في المئة من الأدوية المتداولة في أسواق منطقة الساحل إما مغشوشة أو دون المستوى المطلوب.
وتشير تقديرات دولية إلى أن الأدوية غير المطابقة للمواصفات في منطقة الساحل ومن ضمنها موريتانيا تتسبب سنوياً في وفاة نحو 270 ألف شخص بسبب فشل علاج الملاريا، ونحو 170 ألفاً نتيجة استخدام مضادات حيوية رديئة الجودة، فضلاً عن خسائر اقتصادية تُقدّر بعشرات ملايين الدولارات .
تجارة عابرة للحدود
تدخل الأدوية المهربة إلى موريتانيا عبر منافذ عدة، أبرزها الحدود الجنوبية، فضلاً عن منافذ أخرى من بينها مطار نواكشوط، وفق معطيات رسمية وتقارير أمنية. وتكشف التحقيقات عن امتداد شبكات التهريب إلى عدد من الدول، من بينها الصين والهند وفرنسا وبلجيكا، في نشاط عابر للحدود تغذيه أرباح كبيرة، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في هذه التجارة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وللحد من ظاهرة الأدوية المغشوشة والمزورة شكلت أخيراً لجنة وزارية يترأسها الوزير الأول، وهي تعمل كما تقول على تنفيذ إجراءات تستهدف الحد من تزوير الأدوية وتعزيز جودة المنتجات الدوائية واستعادة ثقة المواطنين، ومن بين تلك الاجراءات إنشاء منصة رقمية لتتبع الدواء في مختلف مراحله، بدءاً من الاستيراد وصولاً إلى المستهلك.
وعلى رغم هذه الإجراءات لا تزال عمليات ضبط الأدوية المزورة تتكرر، ففي أبريل (نيسان) عام 2025 أعلن الدرك الوطني تفكيك شبكة لتخزين وتوزيع الأدوية المزورة وحبوب الهلوسة، وضبط نحو ألفي علبة وقارورة داخل مخازن سرية في نواكشوط، مع إحالة أكثر من 30 مشتبهاً فيهم إلى القضاء، في واحدة من أكبر العمليات الأمنية التي شهدها هذا المجال.
وأعادت تلك العملية للواجهة تساؤلات حول فاعلية الرقابة على سوق الدواء، وما إذا كانت هذه الضبطية تمثل استثناءً أو تكشف عن جانب من نشاط ظل قائماً لأعوام.
أرقام متفرقة
ولا تتوافر في موريتانيا إحصاءات رسمية مجمعة توضح الحجم الإجمالي للأدوية الفاسدة أو المزورة التي صودرت خلال الأعوام الأخيرة، غير أن بيانات رسمية متفرقة وتقارير إعلامية تعكس اتساع حجم الظاهرة.
فعام 2025 أعلنت وزارة الصحة عبر بيانات متلاحقة، ضبط شحنات من الأدوية المهربة والمزورة في ولايات عدة، من دون نشر حصيلة إجمالية للكميات المصادرة. وتداولت وسائل إعلام معطيات تفيد بإتلاف نحو 26 طناً من الأدوية منتهية الصلاحية ضمن حملة حكومية لمكافحة الأدوية الفاسدة، في حين تحدثت تقارير صحافية أخرى عن ضبط ما يقارب 40 طناً من الأدوية غير الصالحة للاستعمال خلال عمليات رقابية وأمنية متفرقة.
وتعكس هذه الأرقام، على رغم تباين مصادرها، اتساع سوق الأدوية غير المطابقة للمواصفات، والحاجة إلى نشر بيانات رسمية دورية تعزز الشفافية وتمكن من تقييم حجم الظاهرة بدقة.
يؤكد صيدلي فضل عدم الكشف عن هويته، أن خطر التزوير يطاول بالدرجة الأولى الأدوية واسعة الاستهلاك، مثل المضادات الحيوية وأدوية فتح الشهية، ويمتد إلى أدوية الأمراض المزمنة عند انقطاعها من الأسواق، مما يخلق فرصة لطرح بدائل مجهولة المصدر.
ويضيف أن التمييز بين الدواء الأصلي والمزور ليس أمراً يسيراً، بخاصة بالنسبة إلى المستهلك العادي، معتبراً أن مسؤولية حماية السوق تقع على عاتق الجهات الرقابية، وفي مقدمتها المختبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية الذي يفترض أن يضمن سلامة المنتجات المتداولة.
تشريع جديد
ويأتي هذا التوجه الحكومي بالتزامن مع مصادقة البرلمان الموريتاني أخيراً وبعد أعوام من التسويف والمماطلة على تحديث الإطار القانوني المنظم لقطاع الصيدلة. وتهدف التعديلات الجديدة إلى تشديد الرقابة على سوق الأدوية وتعزيز آليات التفتيش وإرساء نظام لتتبع الأدوية رقمياً، فضلاً عن مكافحة استيراد وتسويق الأدوية المزورة أو ناقصة الجودة، وتنظيم ممارسة مهنة الصيدلة بما يواكب متطلبات الإصلاح.
كذلك، يتضمن القانون تغليظ العقوبات على المخالفات المرتبطة بجودة الأدوية والممارسة غير القانونية، وفتح المجال أمام تنظيم التصنيع المحلي للأدوية، مما تعول عليه السلطات والمهنيون لإرساء سوق دوائية أكثر شفافية وضمان وصول المواطنين إلى أدوية آمنة.
وتنسجم هذه الخطوة مع تأكيد الوزير الأول المختار ولد انجاي أمام البرلمان أن محاربة الأدوية الفاسدة والضرب بيد من حديد على شبكات التهريب يمثلان أولوية قصوى للحكومة، في إطار إصلاح شامل لقطاع الأدوية واستعادة ثقة المواطنين يالمنظومة الدوائية.
في المقابل يحمّل النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود، السلطة التنفيذية مسؤولية التعثر في إصلاح قطاع الدواء، سواء تعلق ذلك بالتهريب أو التزوير أو الرقابة أو الأسعار، مضيفاً أن كل ذلك يصطدم بغياب الإرادة السياسية، وبمصالح متشابكة بين أصحاب النفوذ والفاعلين الاقتصاديين .
خطوة منتظرة
وفي سياق الإصلاحات الرامية إلى تشديد الرقابة على سوق الدواء، يبرز انضمام موريتانيا إلى الوكالة الأفريقية للأدوية (AMA) باعتباره أحد الملفات التي لا تزال تنتظر الحسم.
فحتى الآن، لم تستكمل موريتانيا إجراءات الانضمام إلى الوكالة، في وقت تسعى هذه المؤسسة القارية إلى توحيد المعايير التنظيمية وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية في مكافحة الأدوية المغشوشة وناقصة الجودة، ودعم قدرات هيئات الرقابة الوطنية.
وتشير أحدث بيانات الوكالة إلى أن 31 دولة أفريقية أصبحت أطرافاً في معاهدة إنشائها، بينما لا تزال دول أخرى، من بينها موريتانيا، خارج هذه المنظومة.
ويرى متخصصون أن الانضمام إلى الوكالة من شأنه أن يعزز تبادل المعلومات عن الأدوية غير المطابقة للمواصفات، والاستفادة من الخبرات الفنية وبرامج التنسيق القاري، بما يدعم الجهود الوطنية الرامية إلى مكافحة التهريب والاتجار بالأدوية المغشوشة، من دون أن ينتقص من صلاحيات السلطات الوطنية في تنظيم القطاع.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تحذيرات أممية ودولية متواصلة من اتساع ظاهرة الأدوية المغشوشة في أفريقيا ومنطقة الساحل، والدعوة إلى تحديث الأطر القانونية وتعزيز الرقابة على سلاسل الإمداد وتكثيف التعاون الإقليمي لمواجهة شبكات التهريب وحماية الصحة العامة.