Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد وفاة طفل… التعليم الديني في موريتانيا تحت المجهر

أكد الأطباء أنه توفي قبل وصوله بوقت طويل إلى المستشفى... وقرار بسجن مسؤول المدرسة بتهمة الإهمال

أكدت أسرة الطفل في بيانها الأول بعيد الحادثة أنها لا تريد ظلم أحد ولا توجيه اتهامات جزافية، لكنها لن تقبل بضياع حق ابنها (مواقع التواصل)

ملخص

فجأة انطفأت روح الطفل سيدي محمد ولد محفوظ، فبعدما كان يدرس في "كتاتيب" قرب أبي تلميت جنوب غربي موريتانيا، رحل من دون أن يحقق حلم والديه بحفظ كتاب الله، كعادة الموريتانيين مع أطفالهم، وتحولت آمال أسرته في مستقبل مشرق للطفل صاحب الـ11 ربيعاً بعد رحليه، غصة في قلب أسرته وأقرانه، ووضعت الحادثة المأسوية بيئات التعليم الأهلي تحت مشرحة النقد.

المحاظر في موريتانيا أو الكتاتيب، تلك المدارس التقليدية في موريتانيا التي شكلت عبر قرون منبعاً لحفظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية، لا تزال تحتفظ بمكانة راسخة في المجتمع، لكنها تواجه منذ أعوام انتقادات متكررة تتعلق بظروف التدريس، وغياب الرقابة الصحية، وانتشار التعنيف الجسدي كجزء من المنظومة التعليمية.
وأعادت وفاة الطفل سيدي محمد ولد محفوظ هذا النقاش إلى الواجهة، لتطرح سؤالاً قديماً جديداً: هل ما زالت هذه المؤسسات آمنة لأطفال اليوم؟

قرار قضائي يفتح الجراح

مساء الثلاثاء الماضي، أصدر قاضي التحقيق بمحكمة مدينة روصو بمحافظة "الترارزة"، قراراً بإحالة شيخ محظرة "المبروك" إلى السجن، بتهمة "إهمال طفل كان تحت سلطته مما أدى إلى وفاته، فيما وُضع مساعدوه في المحظرة تحت الرقابة القضائية".

النيابة العامة وجهت التهم إلى أربعة أشخاص هم المدرس ومساعده وشقيقه والطبيب الخاص بالمحظرة، وذلك بعد الاستماع إلى إفادات الشهود، واستمرت جلسات التحقيق يومين، نظم خلالها ذوو الضحية ومتضامنون معهم احتجاجات طالبوا فيها بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة.

أسرة الضحية بين الألم والعدالة

في موازاة ذلك أكدت أسرة الطفل في بيانها الأول بعيد الحادثة أنها لا تريد ظلم أحد ولا توجيه اتهامات جزافية، لكنها لن تقبل بضياع حق ابنها، ولن ترضى "أن تتكرر هذه المأساة مع أسرة أخرى"، وأوضحت الأسرة أنها وضعت ثقتها في المحاظر (الكتاتيب) وأرسلت أبناءها إليها طلباً للعلم، لكنها فوجئت بمنعها من معرفة حقيقة وضع ابنها الصحي، وكان الطبيب في مستشفى الشيخ زايد أكد أن الوفاة وقعت قبل ثلاث ساعات من وصوله.
وتقول تفاصيل القصة "إن الطفل وصل بطريقة مهينة وغير طبيعية، إذ لم تسلك سيارة الهايلكس التي استغلها شيخ المحظرة لنقله أخيراً إلى المستشفى بالعاصمة الطريق الرسمي، بل أخذت مساراً صحراوياً مليئاً بالأحراش".

 

تفاصيل مؤلمة من داخل المحظرة

بدأت معاناة الطفل سيدي محمد منذ الـ17 من يناير (كانون الثاني) الماضي، حين ظهرت عليه أعراض حمى شديدة ورجفة متواصلة، قبل أن تتطور حالته إلى انتفاخ حاد في الحنجرة أعاق قدرته على البلع.

وعلى رغم وضوح علامات المرض، اكتفى المشرفون على المحظرة بإعطائه بعض المسكنات، في وقت كان يتعرض فيه لضرب متكرر من أحدهم، مما زاد من إنهاكه الجسدي والنفسي، ومع تدهور حالته حاولوا إطعامه بالقوة بطاطا ساخنة مطحونة، غير مدركين أن انسداد حنجرته جعله عاجزاً تماماً عن البلع.

في أيامه الأخيرة كان الطفل يمر بفترات هذيان وصعوبة في التعبير عن شعوره، ويطلب من إخوته أن يبلغوا والديه بحقيقة وضعه الصحي، ويعاتبهم على عجزهم عن ذلك، لكن محاولاته بقيت بلا جدوى، إذ كان يُبعَد عنهم أحياناً ويُتهم بأنه يتظاهر بالإغماء.

ومع استمرار التدهور أصبح الطفل عاجزاً عن التحكم في حاجاته البشرية، مما جعل المشرفين يتقززون من الاقتراب منه، وفي مساء الأول من فبراير (شباط) الجاري، توقفت أنفاسه عند الساعة السادسة، قبل أن يُنقل جثمانه بعد ساعات إلى "مستشفى الشيخ زايد" في نواكشوط، حيث أكد الأطباء أن الوفاة حدثت قبل وصوله بوقت طويل، حسب تصريح لوالدة الطفل في بث مباشر عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي.

احتجاجات وغضب شعبي

لم تبقَ قضية الطفل حبيسة جدران المحكمة، فخرجت احتجاجات أمام محكمة روصو، وارتفعت أصوات مطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين، وظهرت هبات تضامنية مع أسرة الضحية من مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، أفراداً وهيئات، مما دعا أهالي الضحية إلى تقديم شكرهم للجميع على مواساتهم، مثمنة التعاطي الإيجابي للسلطات الإدارية والأمنية مع القضية، وفق بيان الأسرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شيوخ المحاظر يردون

وخلال تداول وسائل التواصل الاجتماعي بواقعة وفاة الطالب سيدي محمد محفوظ، عبرت المنسقية العامة لشيوخ المحاظر وأئمة المساجد في موريتانيا عن "حزنها العميق لوفاة التلميذ، مقدّمة التعزية والمواساة لذويه".
وأكدت المنسقية في بيان أصدرته "رفضها القاطع لكل أشكال العنف الجسدي أو النفسي التي تتجاوز حدود التأديب الشرعي"، مشددة على أن "هذه الممارسات مرفوضة مهما كان مصدرها ولا يجوز تبريرها"، وداعية في الوقت نفسه إلى "عدم الانسياق وراء حملات التشويه التي تستهدف المحظرة". واعتبرت المنسقية أن "أخطاء الأفراد تظل فردية ولا تمثل قيم وأخلاق هذه المؤسسات"، مطالبة بالتثبت قبل إصدار الأحكام، ورفضت "أي تضييق غير مبرر على شيوخ المحاظر أو المساس بمناهجهم".
من جهتها قالت وزارة الشؤون الإسلامية في موريتانيا أن "محظرة المبروك" حيث وقعت الحادثة غير مرخصة، مؤكدة توقيف شيخها عن التدريس إلى حين تسوية وضعيته وفق الإجراءات المعتمدة.
وأوضح البيان أن بعثة تفتيش وصلت يوم الثالث من فبراير وألزمت المحظرة تسوية وضعها الإداري والتزام الضوابط التربوية، مشددة على أن الوزارة تحمي مكانة المحاظر العريقة، إذ بلغ عدد المرخص منها أكثر من 11 ألف محظرة على عموم الأراضي الموريتانية.
وجاء هذا الموقف الرسمي بعد جدل واسع أثارته الحادثة، فيما اتهمت أسرة الطالب، شيخ المحظرة بالتكتم على حالته الصحية وعدم إبلاغ ذويه بتطورات مرضه.

دلالات اجتماعية أعمق

من جهة ثانية اعتبر المختص في علم اجتماع الانحراف والجريمة، حدام برو، أن هذه القضية "تعكس انتقال المحظرة من فضاء أهلي مغلق إلى حقل عمومي خاضع للمساءلة الحقوقية، كذلك فإنها كشفت عن تصادم المرجعية التربوية التقليدية مع معايير الدولة الحديثة في الحماية والكرامة الإنسانية"، ويضيف أن "التحولات الرقمية والإعلامية زادت الضغط على أنماط الضبط التربوي القديمة، وأن القضية مثلت لحظة لإعادة تعريف السلطة الرمزية للشيخ في سياق دولة القانون".

وعن الحاجة إلى تأكيد حقوق التلميذ في المحاظر، يؤكد برو أن "صيانة المقاصد الشرعية تقتضي حفظ النفس والكرامة قبل تحصيل العلم، وأن التحسيس بخطورة مثل هذه الأحداث يعيد التوازن بين الهيبة التربوية والضمانات الحقوقية"، ويرى أن "البداية يجب أن تكون من تأصيل فقهي يربط الحقوق بمقاصد الشريعة، ومن إعداد ميثاق تربوي داخلي يحدد واجبات الشيخ وحقوق الطالب بوضوح، مع ضرورة تكوين المشايخ في مبادئ الحماية النفسية والتربوية، ودمج المحظرة في سياسات التعليم الوطني من دون المساس بخصوصيتها ورمزيتها".

الصمت شراكة في الجريمة

في خضم هذه الفاجعة اختار المخرج السينمائي سيدي محمد ولد الشيكر أن يكسر الصمت، معتبراً أن "الصمت أصبح شريكاً في الجريمة"، وقال "أعتقد أن بعض القضايا التي تتحول إلى 'تابوهات' (محرّمات) تصبح ضحيتها الأولى هي الحقيقة، وضحيتها الثانية هم الأفراد الأكثر هشاشة في المنظومة الاجتماعية بصفة عامة"، ويضيف مخرج فيلم "المتطرف" الذي سلط الضوء على الظواهر التي يعيشها طلاب المحاظر في موريتانيا، "لا أستهدف مؤسسة دينية ولا نظاماً تربوياً، لقد طرحت فقط سؤالاً حول الانحراف عن القيم الدينية السامية التي أُسست عليها المؤسسة الدينية العريقة التي تُعرف بالمحظرة. وأعتقد أن الخطر الحقيقي ليس في الدين، بل في غياب المساءلة القانونية، بخاصة عندما تحظى أي جهة بصفة القداسة سواء كانت دينية أو قضائية أو اجتماعية".
ويختم أن "دور الفن ليس التشهير، بل فتح مساحة هادئة وهادفة، الفن لا يصدر أحكاماً قضائية، بل يطرح أسئلة يخاف المجتمع من طرحها، وعندما ينجح في ذلك فإنه يسهم في تطوير وعي المجتمع لا في هدمه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير