ملخص
انطلقت أعمال تطوير المناهج التربوية الجديدة في لبنان في عام 2022، عبر إعداد إطار السياسات التربوية، وإعداد الأداة الأساسية لتنظيم المهارات والمعارف عبر المراحل التعليمية المختلفة. وتم تطوير المنهج بعد الاطلاع على تجارب دولية متعددة، إلى أن تم تثبيته كخيار تربوي وطني، ومنذ ذاك الوقت تكررت الوعود بالبدء بالعمل به، لكن هذا المسار تعثر بسبب الحروب المتتالية وتعطلت العملية التربوية كاملة.
بعد مرور ثلاثة عقود، يشهد لبنان ولادة مرحلة تربوية جديدة، وتحول جذري مع إقرار المناهج التربوية الجديدة. فكانت المناهج التربوية السابقة قد أقرت في عام 1997، وبقيت معتمدة منذ ذلك الحين من دون تعديل أو تحديث. وعلى رغم محاولات عدة ووعودة متكررة بإقرارها في السنوات الماضية، حالت ظروف الأزمة الاقتصادية والحروب دون إتمام ذلك، في ظل أجواء من الترقب لهذه النقلة النوعية في المجال التربوي في لبنان.
وبعد طول انتظار، وافق مجلس الوزراء على إصدار هذه المناهج التربوية الجديدة التي تشكل نقلة نوعية وتطوراً مهماً طال انتظاره، نظراً إلى التحديث الشامل الذي يطرحه، ومن المفترض أن تدخل هذه المناهج حيز التنفيذ في العام الدراسي المقبل، وإن كان ذلك يطرح تساؤلات عدة حول آلية التطبيق.
تحديث غائب منذ عقود
في الأعوام الماضية، شهدت المناهج التربوية حول العالم ثورة مع تحول جذري قضى بالانتقال من التعليم التقني إلى التعليم المبني على المهارات والكفايات. وبصورة خاصة، ركزت الدول الرائدة على دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة والبرمجة وغيرها من المهارات الجوهرية في عصرنا هذا، في التعليم لمواكبة الثورة الرقمية والتغيرات كافة التي سجلت في سوق العمل. ويعتبر تحديث المناهج التربوية ضرورة حتمية لمواكبة التطور المتسارع في عالم المعرفة، وما يرافقه من تطور في مجال التكنولوجيا والعالم الرقمي.
وتعتبر تجربتا سنغافورة وفنلندا من بين التجارب الرائدة في هذا المجال، إذ اعتمدت الدولتين على مناهج مرنة ألغت الحدود التقليدية بين المواد وتركز بصورة خاصة على التعلم القائم على المشاريع، والعمل الجماعي، والراحة النفسية للطلاب. أما في العالم العربي، فتتجه الدول نحو تحديث جذري وشامل للمناهج، وهناك ميل إلى الدمج المكثف للبرمجة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، لتجهيز الجيل الجديد لسوق العمل بكل ما فيه من متطلبات جديدة.
في لبنان، انطلقت أعمال تطوير المناهج التربوية الجديدة في عام 2022، عبر إعداد إطار السياسات التربوية، وإعداد الأداة الأساسية لتنظيم المهارات والمعارف عبر المراحل التعليمية المختلفة.
وتم تطوير المنهج بعد الاطلاع على تجارب دولية متعددة، إلى أن تم تثبيته كخيار تربوي وطني، ومنذ ذاك الوقت تكررت الوعود بالبدء بالعمل به، لكن هذا المسار تعثر بسبب الحروب المتتالية وتعطلت العملية التربوية كاملة. وفيما يفترض أن يحصل تحديث سنوي مستمر، وتغيير جذري كل خمس سنوات، في الواقع لم يشهد تاريخ الجمهورية اللبنانية تغييراً للمناهج التربوية إلا أربع مرات فقط. لذلك تعتبر خطوة إقرار مناهج تربوية جديدة اليوم تواكب متطلبات العصر نقلة نوعية في المجال التربوي وخطوة لافتة، إذ تطرح تحديثاً شاملاً لبرامج تربوية مر عليها الزمن وأصبحت بعيدة كل البعد من التطورات كافة التي سجلت في العالم وفي سوق العمل على مختلف المستويات.
تغيير جذري في المسار التربوي
طوال أعوام، كثرت الشكاوى من المناهج التربوية المعتمدة التي اعتبرت بالية كونها بعيدة كل البعد من التطورات كافة التي سجلت خلال عقود. كما أنها لا تسمح للطالب بمواكبة متطلبات العصر، ما يتركه في مراتب متأخرة في هذا المجال. وفي السنوات الأخيرة، ربط القيمون على المجال التربوي هذا التأخير بالواقع اللبناني الذي أثقلته الأزمات الاقتصادية والوضع الأمني. لكن اليوم، تحول الحلم إلى حقيقة مع تغيير جذري حصل في المناهج بالانتقال من مبدأ الحفظ إلى مبدأ التعليم على أساس الكفايات والتركيز على مجموعة من الميادين، مثل الفنون والرياضة والصحة والثقافة والمواطنة والعلوم والتواصل والعالم الرقمي.
في حديثها لـ"اندبندنت عربية" أكدت مديرة المركز التربوي للبحوث والإنماء (إدارة رسمية) الدكتورة هيام اسحق أن "المنهج ينطلق مع تطبيق تجريبي اختياري يتم فيه تحضير الأرضية للانطلاق الجدي، وذلك مع تدريب للأساتذة وجمع للآراء والتعليقات حوله طوال العام الدراسي المقبل، على أن يجري التطبيق رسمياً في العام الدراسي 2027/2028".
وأضافت "في العام المقبل، سيكون تطبيق المنهج الجديد اختيارياً من المدارس التي تود خوض التجربة وتطبيقه، ولو في جزء منه فتأخذ وحدات تعليمية وتطبقها. وفيما سيجري العمل على التدريبات في المرحلة المقبلة"، كما تؤكد اسحق أن "التغيير الذي سيحصل كبير جداً، لذلك لا بد من أن تكون الانطلاقة بهذه الطريقة لأنه من الصعب أن يحصل التطبيق بصورة شاملة وجذرية مباشرة. لذلك في المرحلة المقبلة، سيكون على المدارس الراغبة في الانطلاق بالتجربة التواصل مع المركز لتأمين الموارد اللازمة لها. وستترك مساحة لصفوف الحضانة للتجربة، فيما تستمر الصفوف الأعلى على حالها بالمنهج السابق مع اعتمادها الكتب ذاتها من دون تغيير، على أن يعتمد فيها المنهج الجديد بطريقة اختيارية".
وتابعت اسحق "يذهب التغيير إلى منهج كفايات لأنه لا يمكن الاكتفاء في عصرنا هذا بالمعارف التي لدى الطالب، ولا بد من الاستفادة من كفاياته. وكان لا بد من سلوك هذا المسار لمواكبة التغيير العالمي والتطورات، وتزويد الطالب بكل ما يحتاج إليه من مهارات ليكون التعليم عادلاً ومنصفاً للكل. كما أن هناك توجيه فيه إلى الأنماط كافة مع كفايات دامجة وتقويم تكويني، فمع المنهج الجديد لا يعود المعيار لتقويم الطالب بحسب ما إذا نجح أو لا، بل تكون هناك مرافقة للوصول إلى الكفايات المطلوبة أياً كان مستواه".
التكنولوجيا حجر أساس
"التغيير المهم الذي في المنهج الجديد أيضاً يكمن في تركيزه على التكنولوجيا، بما يسمح بمواكبة تطورات العصر وتأمين الكفايات اللازمة للطالب في هذا المجال، فليس مقبولاً ألا يكون الطالب في هذا العصر متمرساً في تقنيات العالم الرقمي. من هذا المنطلق، ثمة تغيير في المقاربة التعليمية في المنهج الجديد، مع مواد جديدة لم تكن موجودة ومهارات يجري التركيز عليها لدى الطالب. كما أنه يركز على التوجيه المهني للطلاب، بما يسمح بمواكبة متطلبات سوق العمل بالاستناد إلى مهارات الطلاب من مراحل مبكرة. هناك تركيز أيضاً على تعزيز العلاقة مع المعلوماتية، والأنشطة الحياتية الثقافية، وحقول معرفية جديدة، مع اتجاه إلى الانفتاح بين المواد لتتداخل مع بعضها"، بحسب اسحق التي أوضحت أيضاً أنه "إلى جانب المناهج الجديدة، سيكون على الطالب التقدم بامتحان شفهي في الصف الثاني الثانوي، كما ثمة تركيز على الرياضة لأهميتها القصوى للصحة النفسية والجسدية، ولأن المقاربة الجديدة تتعاطى مع الطالب بمزيد من الشمولية مع تركيز على صحته الجسدية والنفسية. هذا إضافة إلى الفنون التي لها مكانة في المناهج الجديدة نظراً إلى اهتمام كثيرين من الطلاب بها وإظهار ميلهم إليها، كمجال يبرعون فيه أو يتمتعون بمواهب ومهارات ذات صلة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما التربية على المواطنية، فاعتبرتها اسحق "حجر أساس في المجال التربوي، لذلك ستكون موجودة كميدان نظراً إلى أهمية المواطنة لكل فرد في المجتمع بعد كل ما مر بها اللبنانيون". واعتبرت أن "التأسيس لجيل يشعر بالانتماء للوطن، ويتمتع بهذا الحس الوطني، ضروري لمستقبل واعد. ويشكل العمل الاجتماعي الذي سيكون على الطلاب كافة المشاركة به، سواء في جمعيات أم منظمات أم غيرها، جزءاً من هذا المبدأ".
في تطبيق هذا المنهج
مما لا شك فيه أن تغييراً جذرياً كهذا ونقلة نوعية من هذا النوع في المجال التربوي قد تواجه عقبات كثيرة، وقد تكون العوائق عديدة خصوصاً في لبنان نظراً إلى التفاوت بين المدارس بصورة عامة، وتحديداً بين القطاعين العام والخاص. لذلك قد يتوقع ألا تتمكن المدارس كافة من تطبيق المناهج الجديدة بالمستويات نفسها. لكن، بحسب اسحق، فإن "التفاوت لا يسجل بين المدارس الخاصة والرسمية فحسب، بل حتى بين المدارس في القطاع الواحد. فمن المدارس الرسمية ما هي مجهزة بمختبرات وآلات وموارد، وهي قادرة على مواكبة أي تطور، فيما قد تكون أخرى غير قادرة على المواكبة بالمستوى نفسه فتكون التحديات أيضاً في تطبيق المناهج بنسب متفاوتة. وهذا ينطبق حتى على المدارس الخاصة، وإن كانت أفضل حالاً بصورة عامة من تلك الرسمية. وعلى رغم كل التحديات التي يمكن أن نواجهها، فهذا لا يعتبر عذراً حتى لا نمضي قدماً ونسير في هذا التغيير".