Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق: حرب "شاملة" أخرى قد تندلع ضد إيران

عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية: لم تحسم المواجهة مع طهران بعد... وتجاوز خطوطنا الحمراء يعني العودة للحرب ولو بصورة مستقلة... و7 أكتوبر أنهى فكرة "حل الدولتين"

ملخص

أمام سياقات إقليمية تزداد فيها مساحات التوتر، وتتداخل فيها رسائل الردع مع محاولات التهدئة تحت وطأة تضارب الحسابات الاستراتيجية، نحاول في حوارنا مع رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق وأحد أبرز الجنرالات والاستراتيجيين بالدولة العبرية خلال السنوات الأخيرة عاموس يادلين قراءة المشهد الإقليمي من منظور إسرائيلي، بدءاً من فهم نتائج الحرب الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، وتبعات استمرار تعثر مسار المفاوضات واحتمالات تحرك تل أبيب منفردة عسكرياً ضد طهران مرة أخرى، فضلاً عن فهم السياسة الأمنية والعسكرية لإسرائيل في ملفات غزة ولبنان وسوريا، في ظل التحولات التي فرضتها المتغيرات الإقليمية على "عقيدتها الأمنية"، وانعكاس ذلك على مستقبل علاقات وتوترات تل أبيب مع الدول العربية.

مع عودة سخونة الأجواء مجدداً بين واشنطن وطهران، ومواصلة البلدين تبادل الضربات بين الحين والآخر على رغم مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي، والتي أقرت "هدنة هشة" لحين حل المسائل الخلافية عبر التفاوض، لا تزال منطقة الشرق الأوسط تعيش أشد مراحلها السياسية والأمنية تعقيداً منذ عقود، مع ترقب مآلات صراع "لم يحسم بعد" تتداخل فيه الدبلوماسية مع المواجهة المفتوحة والحروب غير المباشرة، وتتباين الحسابات العسكرية والأمنية على وقع تصاعد المنافسة الإقليمية والدولية لإعادة رسم ملامح نظام جديد في المنطقة.

وبقدر ما تعيشه المنطقة من تحولات تسعى فيها القوى الفاعلة لإعادة صياغة معادلات الردع والتحالفات والأولويات معاً، يبقى تعاطي إسرائيل مع ملفات ما بعد حرب غزة والتوتر على الجبهة اللبنانية ومواجهة "حزب الله"، فضلاً عن المسألة السورية ومستقبل المواجهة مع إيران، "محط قلق وشكوك"، لا سيما مع تحرك الدولة العبرية في هذه الملفات باعتبارها أجزاءً من "مشهد استراتيجي واحد"، تسعى من خلاله إلى صياغة "مفاهيمها وأولوياتها العسكرية والأمنية" بما يسمح لها بإعادة تموضعها في الإقليم ما بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 "من دون أي اعتبار لمصالح وحسابات دول المنطقة".

وأمام تلك السياقات الإقليمية التي تزداد فيها مساحات التوتر، وتتداخل فيها رسائل الردع مع محاولات التهدئة تحت وطأة تضارب الحسابات الاستراتيجية، نحاول في حوارنا مع رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق وأحد أبرز الجنرالات والاستراتيجيين بالدولة العبرية خلال السنوات الأخيرة عاموس يادلين قراءة المشهد الإقليمي من منظور إسرائيلي، بدءاً من فهم نتائج جولة الحرب الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، وتبعات استمرار تعثر مسار المفاوضات واحتمالات تحرك تل أبيب منفردة عسكرياً ضد طهران مرة أخرى، فضلاً عن فهم السياسة الأمنية والعسكرية لإسرائيل في ملفات غزة ولبنان وسوريا في ظل التحولات التي فرضتها المتغيرات الإقليمية على "عقيدتها الأمنية"، وانعكاس ذلك على مستقبل علاقات وتوترات تل أبيب مع الدول العربية.

تفاهم أميركي - إيراني "غير مكتمل"

في قراءته لرؤية إسرائيل لمخرجات الحرب الإيرانية التي أطلقتها بجانب الولايات المتحدة واستمرت 40 يوماً قبل أن تفضى بعد أسابيع عن مذكرة تفاهم من 14 بنداً، مقرة "هدنة هشة" لصراع دفع بالمنطقة إلى احتمالات تصعيدية مفتوحة، وهز الاقتصاد العالمي، يقول عاموس يادلين إن الدولة العبرية "ترى أن مذكرة التفاهم لا تعكس عواقب الحرب"، معتبراً أن بنود المذكرة "عكست قرار الولايات المتحدة تقديم كثير من التنازلات لإيران مسبقاً، فيما بقيت القضية النووية، التي تعد القضية الأولى والأهم، مؤجلة لفترة الـ60 يوماً من التفاوض" بين واشنطن وطهران.

وبجانب تأجيل "حسم الملف النووي" يشير يادلين الذي شغل منصب رئيس "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" (2011/2021) إلى تململ تل أبيب من عدم تطرق مذكرة التفاهم إلى ملفات بعينها "تمثل مصدر تهديد لإسرائيل ودول المنطقة"، على حد وصفه، قائلاً "ملف الصواريخ الذي يهمنا ودولاً بالمنطقة، استبعد من مذكرة التفاهم، كذلك قضية وكلاء طهران، بل على العكس منحت تلك المذكرة إيران نفوذاً كبيراً على لبنان"، معتبراً أن كل هذه الملفات هي بالطبع "أمر غير مقبول بالنسبة إلى إسرائيل".

 

ومع استنكاره لما وصفه بـ"وجود تفسيرين أو روايتين حول بنود مذكرة التفاهم" مضى يادلين في توضيح أسباب التململ الإسرائيلي من بنودها، ومدى احتمالية أن تقود في المستقبل إلى لجوء الدولة العبرية لإجراءات أحادية ضد إيران، من دون التنسيق مع الولايات المتحدة، قائلاً "تم تأجيل كثير من الأمور إلى فترة الـ60 يوماً من المفاوضات، ونرى تفسيرات متباينة، حتى في شأن مضيق هرمز، فعلى رغم وعد الإيرانيين بإبقائه مفتوحاً ما زالوا يطلقون النار على الملاحة في المضيق، كذلك أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (بعد توقيع المذكرة) أن المفتشين (النوويين) سيعودون إلى إيران، لكن الإيرانيين نفوا ذلك، مما يعني أنه ليس من الواضح ما الذي تم الاتفاق عليه بالفعل"، مضيفاً "الأمر الأكثر إثارة للقلق هو ما لم يتم الاتفاق عليه، لكن يبدو أن الإيرانيين دخلوا هذه المفاوضات بسردية مفادها أنهم انتصروا في الحرب، على رغم السردية المضادة التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأنه هو من انتصر في الحرب، لكن عندما ننظر في إسرائيل إلى نوع التنازلات التي منحت للإيرانيين، فإن الأمر أشبه بدفع مبالغ نقدية لهم مقابل بعض الوعود الائتمانية التي ربما لن يفوا بها أبداً"، معتبراً انطلاقاً من تلك الفرضيات أن "الأمر لم يُحسم بعد. وعلينا الانتظار لنرى ما سيحدث خلال مرحلة التفاوض" التي لا تزال متعثرة حتى اللحظة.

وإجمالاً يعتبر يادلين مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران وواشنطن، "تطوراً سلبياً يظهر أن إيران تمتلك أوراق ضغط تجاه الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن "إسرائيل لا تحب حقيقة أن القضية النووية غير واضحة، وعدم شمول ملف الصواريخ، فضلاً عن تحقيق إيران بعض النفوذ في لبنان، فهذه ثلاث قضايا سلبية بالنسبة إلى إسرائيل". وتابع، "مع ذلك فقد يكون للرئيس (الأميركي) قصة وسردية أخرى، وقد يصل إليها مع الوقت. 60 يوماً، وربما 60 يوماً أخرى بعد انتخابات التجديد النصفي، وإذا استمر الإيرانيون في التصرف بالطريقة التي يتصرفون بها، فربما تقرر الولايات المتحدة العودة إلى الحرب. لذا، خلاصة القول، هذه المذكرة ليست اتفاقاً، وليست اتفاقاً رائعاً".

استبعاد ملفي الصواريخ ووكلاء إيران من المفاوضات ومنح طهران نفوذاً في لبنان أمر سلبي وغير مقبول إسرائيلياً

وفي شأن احتمالية تحرك الدولة العبرية بصورة منفردة مجدداً ضد إيران، قال يادلين إن "القضية النووية تعد خطاً أحمر بالنسبة إلى إسرائيل. ولن تدخل إسرائيل في حرب دون الولايات المتحدة وفقاً للأهداف التي كانت محددة في بداية الحرب، لكن هناك مسألة واحدة هي: إذا رأت إسرائيل أن إيران تحاول التسلل للحصول على القنبلة النووية أو التهرب من الرقابة للوصول إليها، فهذا خط أحمر سيبرر تحركاً إسرائيلياً مستقلاً، كما فعلنا عام 1981 في بغداد (ضرب مفاعل تموز النووي العراقي)، أو عام 2007 في سوريا (استهداف مفاعل الكير السوري ضمن عملية البستان)"، مضيفاً "هذه هي "عقيدة بيغين" التي تنص على أنه لا يسمح بامتلاك الأسلحة النووية للدول التي تدعو إلى تدمير إسرائيل"، على حد وصفه.

وكان يادلين الذي شغل سابقاً نائب قائد سلاح الجو الإسرائيلي أحد الطيارين الثمانية الذين نفذوا "عملية أوبرا" الإسرائيلية ضد المفاعل النووي العراقي عام 1981، وخلال قيادته الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" (في الفترة ما بين 2006 و2010) كان مسؤولاً عن تقييم التهديد النووي الإيراني، وارتبط اسمه بالجهود الإسرائيلية لمواجهة البرنامجين النوويين الإيراني والسوري.

وعلى وقع تعثر مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، فضلاً عما تعتبره الولايات المتحدة الأميركية استمرار إيران عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي كان يمر من خلاله خُمس الإمدادات النفطية في العالم قبل الحرب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، أن مذكرة التفاهم مع إيران "انتهت"، وذلك عقب سلسلة من الضربات في أنحاء المنطقة.

ولم يكن هناك تقدم يُذكر في إطار الاتفاق المكون من 14 بنداً الذي يعمل عليه الوسطاء منذ منتصف يونيو، ويعود السبب وفق كثيرين إلى أن بنود المذكرة كانت غامضة للغاية وتركت مجالاً كبيراً لسوء التفسير والارتباك، إذ لا يزال يشكل وضع مضيق هرمز، ومخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب نقطة خلاف رئيسة عالقة في المحادثات.

ماذا حققت إسرائيل من الحرب؟

بسؤال يادلين حول مدى استمرار خطورة النظام الإيراني، سواء عبر قدراته العسكرية الصاروخية أو وكلائه، أوضح المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق قائلاً "أعتقد أنه سواء في حرب عام 2025 أو في الحرب التي اندلعت عام 2026، من الناحية العسكرية فقد حسمت إسرائيل الحرب عسكرياً بصورة ساحقة"، مشبهاً المواجهة العسكرية بين البلدين بمباراة كرة سلة، قائلاً "لو كانت مباراة كرة سلة، لكانت النتيجة 125 (لإسرائيل) مقابل 5 (لإيران)"، مضيفاً "كان بإمكان إسرائيل أن تذهب أبعد من ذلك إذا لم تضع الولايات المتحدة حدوداً لها".

 

ويقول يادلين إن "الرئيس ترمب فرض بعض القيود على الإجراءات الإسرائيلية" في الحرب الأخيرة، مضيفاً "مع ذلك لعب الإيرانيون في ملعب آخر، وفي رياضة أخرى، لم تكن مباراة كرة السلة، بل كانت مباراة كرة قدم أميركية"، وذلك في إشارة إلى استخدام طهران لمضيق هرمز كورقة ضغط، قائلا: "إذا واجهت إسرائيل إيران بمفردها، فإن أدوات الضغط التي تملكها لن تكون مهمة بالنسبة إلينا".

 

وأمام الحسم العسكري الإسرائيلي وفق رؤية يادلين، في مقابل بعض المكاسب الاستراتيجية التي حققها الإيرانيون، أكد المسؤول الاستخباري الإسرائيلي السابق، أن "التوازن العسكري لا يزال يميل بشدة لمصلحة الإسرائيليين، لا سيما بعدما تمكنت الدولة العبرية من القضاء على قيادتهم، وتدمير قاعدتهم الصناعية الدفاعية، مع القدرة على تحقيق التفوق الجوي، وإحباط برنامجهم النووي"، مضيفاً "كل هذا يقع في الجانب الإيجابي من التوازن العسكري (بالنسبة إلى إسرائيل)، أما التوازن الاستراتيجي، والتوازن العالمي، والتوازن الإقليمي، فللأسف، يصب في صالح الإيرانيين، لكنه هذا أمر لا تقوده إسرائيل، بل تقوده الولايات المتحدة".

 

وأمام هذه المعادلة المعقدة على المستويات الاستراتيجية والعسكرية يشدد يادلين على أن "الأمور لم تحسم بعد"، معتبراً أنه "من وجهة نظر إسرائيلية، فإن المعركة العسكرية، والحملة العسكرية، كانت ناجحة، إلا أن الظروف الاقتصادية الاستراتيجية العالمية حدَّت من الإنجازات التي كان بإمكاننا تحقيقها لو واصلنا الحملة العسكرية ضد إيران، والتي أوقفتها الوساطات الإقليمية".

القضية النووية خط أحمر بالنسبة إلينا وقد نعود للحرب حال "مُراوغة" طهران للحصول على السلاح النووي

ومع تأكيده على حجم الخسائر التي مُنيت بها طهران جراء الحرب الأخيرة، أوضح يادلين أنه في وقت "لم تُحسم فيه الأمور بعد، يتصرف الإيرانيون وكأنهم انتصروا في الحرب، وهو أمر لست متأكداً منه، بخاصة ضد إسرائيل"، معدداً بعض الخسائر التي مُنيت بها طهران جراء جولة الحرب الأخيرة، والتي من أبرزها "ترسيخ عداوتها مع العالم العربي"، إذ قال "أعتقد أن دول العالم العربي التي تعرضت لهجمات إيرانية، من دون أن تكون قامت بأي استفزاز ضدها، لن تصبح صديقة لطهران على الإطلاق"، وتابع "بجانب ذلك، فقد عانى الاقتصاد الإيراني، الذي كان في وضع سيئ للغاية، خسائر إضافية بلغت 250 مليار دولار جراء الهجمات الإسرائيلية والأميركية، وارتفع معدل التضخم، وارتفعت معدلات البطالة، وهو ما يعني أن قدرة النظام الإيراني على التعافي والتعامل في هذا الوضع الاقتصادي ستكون محل شك".

وأضاف، "على رغم بعض المكاسب التي يحصلون عليها بموجب مذكرة التفاهم، فإنها لا تكفي لإنعاش الاقتصاد الإيراني. وقد نشهد استمرار الاضطرابات الداخلية. لذا، فإن الأمر ليس أن إيران أصبحت الآن القوة المهيمنة في المنطقة، لا على الإطلاق"، مضيفاً "أنهم ليسوا في الموقف الذي كانا يأمل به الرئيس ترمب ورئيس الوزراء نتنياهو عندما أطلقا الحرب في الـ28 من فبراير (شباط)، بأن يسقط النظام الإيراني، وذلك على رغم أنهم لم يعبروا عن ذلك صراحة، لكن هذا كان الأمل، وفي هذه الحالة، كان الشرق الأوسط سيصبح منطقة مختلفة تماماً، وعليه فنحن في الأساس في الموقف ذاته الذي كنا عليه قبل الحرب: إيران نظام إرهابي ومتطرف وراديكالي، يردد هتافات (الموت لأميركا، الموت لإسرائيل)، ويسعى إلى تصدير الثورة الإسلامية إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط، لم تهزم، لكن الصراع سيستمر".

من يملك سردية النصر؟

 

وعن تبعات التباين في سرديات وروايات النصر التي يرددها كل طرف منذ انتهاء حرب الـ40 يوماً أعرب يادلين عن اعتقاده أن "الحكم النهائي على هذا الأمر لم يأخذ وقته الكافي بعد"، مضيفاً "يمكنني في هذا الأمر أن أتحدث عن ثلاث نقاط: لم يكن هناك انتصار مطلق منذ عام 1945، عندما هزم النازيون واليابانيون. ولتحقيق انتصار مطلق، كما تحدث رئيس الوزراء نتنياهو، أو كما تحدث الرئيس (ترمب) في البداية حول الاستسلام غير المشروط، لا يمكن تحقيق ذلك إلا بوجود قوات برية على الأرض". وتابع، "منذ البداية، كان واضحاً بالنسبة إلينا أنه لن تكون هناك قوات برية على الأرض، بل إن القوة الوحيدة التي يمكن أن تكون موجودة على الأرض هي الشعب الإيراني الذي سيطيح هذا النظام، كما حدث في سوريا أو في أماكن أخرى. لذا، كما قلت من قبل، المهم هو ما سيحدث في المستقبل مع هذا النظام. هذا النظام (الإيراني) لديه رواية النصر لأنه نجا".

وبحسب يادلين، فإن "سردية النصر للرئيس ترمب معقدة لأنه كان يريد انهيار النظام، لكن النظام صمد"، مضيفاً "كان الرئيس ترمب هو الذي قال، في ولايته الأولى، أو ربما قبل أن يصبح رئيساً، إن إيران لم تفُز أبداً في حرب قط، لكنها لم تخسر أبداً في مفاوضات. لذا، سيتعين علينا أن ننتظر لنرى ما سيحدث في المفاوضات، وما هي الشروط التي ستفرض في شأن القضايا الثلاث الأكثر أهمية: القضية النووية، ومضيق هرمز، والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط".

ومضى قائلاً "إذا أخذنا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل، فإنه يوضح أنه عندما تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومة اللبنانية أو أي حكومة عربية، التي لا تريد لإيران أن تسيطر على بلدها، بالخطوة الصحيحة، فإن النفوذ الإيراني يتضاءل إلى الصفر تقريباً، لكن هذه كلها عمليات ما زلنا في خضمها".

ارتكبنا خطأً فادحاً بسبب تقييم خاطئ بعدم قدرة "حماس" على شن "غزو شامل" وسننشئ منطقة عازلة عسكرية مع أي دولة تهدد أمننا

ومع تشديده على أن النتيجة النهائية للحرب لم نصل إليها بعد، تابع يادلين "الأمر الثالث الذي أود الإشارة إليه هو بما أنه لا يمكن تحقيق نصر مطلق، عليك تحقيق نصر استراتيجي يغير مسار الأحداث. في تلك اللحظة، كما ناقشنا سابقاً، حول من حقق النصر الاستراتيجي؟ فهناك سرديتان، وعليه، علينا أن ننتظر ونرى النتائج في غضون عام لفهم من حقق بالفعل انتصاراً استراتيجياً".

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في السابع من أبريل (نيسان) الماضي ودخول الأطراف المتحاربة في مرحلة التفاوض، يتمسك كل طرف بروايته الخاصة عن النصر، ففي الوقت الذي يكرر فيه الجانب الأميركي بأعلى مسؤوليه الرسميين في البيت الأبيض و"البنتاغون" والخارجية، تمكنهم في أقل من 40 يوماً من المعارك العسكرية من تدمير وإزالة جميع القدرات العسكرية الإيرانية بدءاً من برنامجها النووي، مروراً بقدراتها الصاروخية والجوية، وسلاح بحريتها، فضلاً عن "تغيير النظام"، تروج طهران في المقابل أنها "استطاعت هزيمة العدو وإجباره على الخضوع أمام شروطها ومطالبها"، وإن لم يكن بالمفاهيم العسكرية والردع فـ"بالقدرة على البقاء وإفشال مخططات الخصوم".

لبنان ومعضلة "حزب الله"

من الملف الإيراني إلى المسألة اللبنانية، والسؤال حول النهج الإسرائيلي في استمرار احتفاظه بوجود عسكري في الجنوب اللبناني ضمن "مناطق أمنية"، على حد توصيفه، وما إذا كان هذا الأمر يمثل استراتيجية أمنية أوسع نطاقاً وطويلة الأمد للدولة العبرية في "احتلال مناطق عربية"، على رغم توصل تل أبيب والحكومة اللبنانية إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من نقاط تجريبية لمصلحة الجيش اللبناني، اعتبر يادلين أن سياسة إسرائيل في توسيع ما يعرف بـ"المناطق العازلة في محيطها هو نابع من مخاوف أمنية من تكرار أحداث السابع من أكتوبر 2023".

وقال يادلين، "دعوني أوضح موقفي، لم يعد بإمكاننا تحمل تكرار ما حدث في السادس من أكتوبر (قبل السابع من أكتوبر)، حين تكون منظمة إرهابية تحولت إلى قوة عسكرية قوية، مثل (حزب الله)، تمتلك صواريخ باليستية وقوات كوماندوز أكثر مما يمتلكه عديد من الدول الأوروبية، موجودة على حدودنا من دون أي إنذار مبكر، لن يتكرر هذا الأمر مرة أخرى، لا في غزة ولا في الشمال. سننشئ منطقة عازلة عسكرية مع أي دولة، لضمان الحفاظ على السلام واستمراره".

 

ووفق تقييم يادلين، فقد ارتكبت تل أبيب خطأ فادحاً حين سمحت بوجود ما يسميه "المنظمات الإرهابية"، على حدودها، وذلك "بسبب تقييم خاطئ مفاده أنها غير قادرة على شن غزو شامل"، في إشارة إلى أحداث السابع من أكتوبر، معتبراً أن "هذا الأمر لن يتكرر مرة أخرى"، إلا أنه عاد وقال "مع ذلك فإن إسرائيل ليس لها أي مطامع إقليمية في لبنان أو سوريا أو أي مكان آخر. وستنسحب القوات الإسرائيلية من كل منطقة يتم نزع السلاح منها وتخضع لتفتيش فعال من قبل قوات دولية فعالة، على عكس قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، تماماً كما انسحبنا من آخر شبر في سيناء، وذلك بموجب اتفاق ينص على نزع السلاح من سيناء"، معتبراً أن "بناء الثقة بين بلدين لا يتفقان على كل شيء، لكنهما لا يرغبان في الدخول في حرب أخرى".

وبحسب يادلين، فإن المشكلة في لبنان من وجهة النظر الإسرائيلية تبقى في وجود "منظمة إرهابية (حزب الله)، تسيطر عليها وتمولها إيران، وتحصل على أسلحتها من إيران، وتريد أن تكون على حدودنا"، معتبراً أن هذا الأمر "مثل القضية النووية، ومثل عقيدة بيغين، يعد خطاً أحمر بالنسبة إلينا".

وجودنا في الجنوب اللبناني مرتبط ببقاء "حزب الله" ونزع سلاحه ولن ننسحب قبل إنجاز هذه المهمة

وذكر يادلين أنه في حالة "تنفيذ الاتفاق المبرم في واشنطن (بين بيروت وتل أبيب) وبدأ إسرائيل بالانسحاب من المناطق التجريبية، على ألا يكون لـ(حزب الله) وجود في تلك المناطق، مع التحقق من أن الجيش اللبناني هو الذي يتولى السيطرة، وكذلك من قبل الأميركيين، حينها ستكون الدولة العبرية مستعدة للانسحاب".

وأواخر الشهر الماضي، وقعت إسرائيل ولبنان برعاية أميركية، اتفاقاً إطارياً يهدف إلى إنهاء حالة الحرب المستمرة وإرساء أسس سلام دائم بين البلدين، ونص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي، واستعادة الجيش اللبناني لسيطرته على كامل أراضيه، ونزع سلاح "الميليشيات المسلحة"، إلا أن التطبيق الفعلي لم يتم حتى الآن.

وتابع يادلين "بما أننا لا نريد أن نعود إلى 6 أكتوبر، فإننا كذلك لا نريد أن تندلع الحروب في كل مكان. هذا فهم خاطئ لمفهوم عقيدتنا، الذي يستند بالأساس إلى أن على إسرائيل أن تعيش في ظل وقف إطلاق النار، وفي سلام، وأن تبني نفسها، لأن أحد أعدائنا سيشن حرباً في المستقبل". وأضاف "لا نريد الدخول في حرب استنزاف في كل مكان على سبع جبهات. سيكون هذا خطأً فادحاً بمثابة العودة إلى أحداث السادس من أكتوبر. لذا فإن السياسة الصحيحة اليوم هي تحديد الجبهة التي يمكنك تحقيق الاستقرار فيها، والتوصل إلى نوع من الترتيب الدبلوماسي أو السياسي، وليس بالضرورة سلاماً، بل ترتيب والاستعداد للضربة الوقائية التي سيتعين علينا تنفيذها إذا عاد (حزب الله) إلى الحدود، أو إذا استولت (حماس) على غزة مرة أخرى".

ووصف يادلين هذه الرؤية بـ"المفهوم الدفاعي المحسن"، موضحاً "هذا ليس المفهوم الذي ربما تضعه الحكومة الحالية نصب عينيها، وهو أن على إسرائيل أن تتجاوز حدودها إلى منطقة آمنة ما"، مضيفاً "أنا أؤمن بسلامة أراضي لبنان والأردن وأي جار لنا، لكن مع ترتيب عسكري يضمن ألا تتعرض إسرائيل لهجوم مفاجئ من أحد أعدائها، بخاصة إذا لم يكن ذلك العدو حكومة شرعية، بل منظمة إرهابية" داخل حكومة، أو داخل دولة".

"حققنا ردعا كبيراً لـ'حزب الله'"

وعن مدى تقييمه في شأن إمكان تفكيك "حزب الله" ونزع سلاحه من قبل الحكومة اللبنانية، وما إذا كانت تعقيدات هذه الإشكالية تمثل تحدياً، سواء على الداخل اللبناني أو على المستوى الإقليمي، مما يعني بالتبعية بقاء إسرائيل "في احتلالها للجنوب اللبناني" تحت ذريعة "سلاح حزب الله"، تمسك يادلين مجدداً بأن "أمن إسرائيل هو القضية الأهم اليوم بعد السابع من أكتوبر"، قائلاً "لن نسمح أبداً لمنظمة إرهابية بالوصول إلى حدودنا"، متمسكاً بمعادلة "عودة (حزب الله) إلى حدود إسرائيل الشمالية تعني عدم انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني، الأمر بهذه البساطة والوضوح".

 

 

وقال يادلين "إذا توقف (حزب الله) عن كونه منظمة إرهابية داخل لبنان، وهذا ما يريده الشعب اللبناني. فهم يريدون أن يكون احتكار السلاح حصراً في يد الحكومة اللبنانية. وفي أي علاقة بين دولتين كإسرائيل ومصر، على سبيل المثال، لا توجد منظمة إرهابية في مصر تهاجم إسرائيل"، مضيفاً "النظام المصري تعامل مع (منظمة إرهابية) كانت تريد مهاجمة إسرائيل، وكذلك في القاهرة والإسكندرية وسيناء. لذا، إذا تعامل اللبنانيون بجدية مع (حزب الله)، فلن يكون لدينا أي سبب للبقاء في لبنان. أما إذا أصبح (حزب الله) أقوى ومدعوماً من إيران كأداة ضد إسرائيل، فلن تدافع إسرائيل عن نفسها من حدودها". وتابع "سيكون لدينا منطقة عازلة تمنع (الإرهابيين) من الدخول لقتل مواطنينا، لن يعود الأمر كذلك مجدداً".

ومع سردية يادلين، وهي السردية ذاتها التي يتمسك بها غالب المسؤولين في إسرائيل، لتبرير الوجود العسكري في جنوب لبنان، سألنا المسؤول الاستخباري السابق، حول مدى جدية ادعاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حول مدى "هزيمة (حزب الله) في المواجهات الأخيرة وإضعاف قدراته العسكرية"، فقال المسؤول الاستخباري السابق "لقد هُزم (حزب الله)، ورئيس الوزراء (نتنياهو) محق"، مضيفاً "في عام 2024، تم قطع رأس القيادة. ونفذت هجمات "البيجر"، وتم تدمير 3000 صاروخ باليستي كانت موجهة نحو قلب إسرائيل، وهُزم (حزب الله) إلى درجة أنه تم ردعه لمدة عام ونصف العام. وعلى رغم أن إسرائيل واصلت مهاجمته، فإنه لم يرد بأي صورة من الصور. وهذا ردع بنسبة 100 في المئة، بعكس قبل الحرب، كان التوازن 50-50. وكان ردعاً متبادلاً (بين "حزب الله" والدولة العربية). لذا لا شك في أن (حزب الله) قد هُزم".

عدم فوز الائتلاف الراهن في الانتخابات المقبلة لا يعني عدم وجود نتنياهو في الحكومة الجديدة التي قد تشهد استبعاد اليمينيين المتطرفين والمتشددين الأرثوذكس

وتابع قائلاً "لكن هذه الهزيمة هل تعني انتصاراً مطلقاً؟"، ليعود ويجيب، "كما ذكرت سابقاً لتحقيق الانتصار المطلق في الحالة اللبنانية علينا السيطرة على كامل لبنان. ونحن لا نريد القيام بذلك. ولا يجب أن يعاني اللبنانيون وجود (حزب الله) هناك"، معتبراً أن "توازن الردع الراهن بين (حزب الله) وإسرائيل هو 90-10"، موضحاً أن "(حزب الله) تمكن خلال عام ونصف العام من تعزيز قدراته قليلاً، ولكن إذا نظرتم إلى الأشهر الثلاثة الماضية، فقد قُتل مئات، وربما آلاف، من مقاتليه وقد تم الاستيلاء على أراضيهم. وتم طردهم من جنوب نهر الليطاني. ولن يتمكن (حزب الله) من ردع إسرائيل بعد الآن"، مشيراً إلى أن المواجهات الأخيرة "أوصلت إسرائيل إلى مستوى يتيح لها امتلاك الردع المهيمن والقدرات العسكرية المهيمنة".

سياسة "المناطق العازلة"

قضية "المناطق العازلة" أو "الآمنة" التي توسعت فيها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، سواء في غزة أو لبنان، أو حتى سوريا، والتي تثير مخاوف وانتقادات عربية واسعة من استمرارها، لما يُعد "انتهاكات صارخاً لسيادة واستقلال تلك الدول"، تمسك يادلين في حديثه معنا بفلسفة بقائها من منظور إسرائيلي، مكرراً أن "الوجود الإسرائيلي على طول الحدود أو على عمق 10 أميال داخل لبنان أو سوريا هو أمر متعلق بالتهديد"، مقارناً عدم انتهاج السياسة ذاتها مع دول جارة لبلاده كمصر، لانتفاء التهديد.

وذكر يادلين "لسنا موجودين عسكرياً على عمق 10 أميال داخل مصر، ولا في الأردن، لكن إذا كانت هناك منظمة إرهابية (تهدد أمننا) في أي بلد، ونحن على يقين من أنها ستهاجم إسرائيل، فلن ننتظر تكرار ما حدث في السابع من أكتوبر"، معتبراً أن "شرط انسحاب قوات بلاده من تلك المناطق هو انتفاء التهديد أو قطع دعم إيران لـ(حزب الله) ونزع سلاحه".

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت "سياسة المناطق العازلة" هي الخيار الأنسب لمعالجة مخاوف إسرائيل الأمنية؟ نفى يادلين ذلك، قائلاً انطلاقاً من خبرته العسكرية والاستراتيجية إن "أفضل وضع أمني (لإسرائيل) هو السلام"، مستدلاً في ذلك على "العلاقة بين مصر وإسرائيل" اللتين توصلتا إلى اتفاقية سلام في سبعينيات القرن الماضي بعد خمس حروب اندلعت بينهما، قائلاً "بعد كل هذه الحروب، في النهاية، قرر الرئيس (المصري الراحل أنور) السادات ورئيس الوزراء (مناحيم) بيغين أن كلفة الحرب أعلى بكثير من كلفة السلام، واتفقا على السلام، وأعيد كل شبر من الأراضي إلى مصر"، مضيفاً "هناك منطقة منزوعة السلاح في سيناء، لكن هذا لم يعد مهماً. المهم هو أن البلدين قررا ألا يخوضا حرباً بعد الآن".

 

رغم التوترات مصالح القاهرة وتل أبيب متطابقة في تجنب الحرب وتحقيق الاستقرار وهذا هو المبدأ التوجيهي للحكومات أياً كانت في كلا البلدين

وتابع يادلين "قال الرئيس السادات حينها: لا مزيد من الحروب، ولا مزيد من إراقة الدماء. وعليه عندما يكون هناك رئيس لبناني يقول الشيء نفسه ويكون قادراً على إجبار (حزب الله) على تفكيك نفسه. وعندما يكون هناك رئيس سوري يقول الشيء نفسه، لن تكون هناك حاجة إلى منطقة عازلة".

وعلى رغم رؤيته تلك عاد يادلين، وقال "ربما تكون هناك حاجة إليها (المناطق العازلة) خلال العقد الأول لفهم أن هذا نظام مستقر يريد حقاً تحقيق السلام مع إسرائيل. لكن مع مصر، استغرق الأمر ثلاث سنوات وتمت إعادة سيناء بأكملها"، مكرراً أن "المنطقة الأمنية، هي ضد المنظمات الإرهابية التي تقودها إيران، مثل (حماس) و(حزب الله) و(الجهاد الإسلامي)، وليست ضد الجيش اللبناني، أو الجيش السوري، أو السلطة الفلسطينية".

 

وحول المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل في الجنوب السوري ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، وبما يتجاوز اتفاقية وقف إطلاق النار 1974، اعتبر يادلين أن هدوئها في الفترة الأخيرة "مثال جيد على القدرة على التوصل إلى ترتيب أمني، أو اتفاق"، بغض النظر عن إمكان "التوصل إلى سلام (مع سوريا) لأن (هضبة) الجولان لا تزال تقف حاجزاً بيننا".

وعلى رغم انخفاض مستويات التهديد لإسرائيل من الجانب السوري، مما يعني انتفاء سبب الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق والنقاط في الجنوب السوري، عاد يادلين وبرر استمرار الوجود العسكري بالقول "لسنا متأكدين مما إذا كان نظام الشرع نظاماً براغماتياً. نحن نعلم أنه نظام مُعادٍ لـ(حزب الله) ومُعادٍ لإيران. في هذا الصدد، نحن على الجانب ذاته"، مضيفاً "لكن فيما يتعلق بتجاوز خط عام 1974، أعتقد أن هذا أمر يمكن لإسرائيل التنازل عنه من أجل التوصل إلى اتفاق أمني مع النظام السوري".

غزة ومآل خطة السلام الأميركية

ومن ملفات لبنان وسوريا إلى مستقبل الوضع في قطاع غزة وخطة السلام الأميركية التي لا تزال متعثرة مع تبادل الاتهامات بين "حماس" وإسرائيل في شأن انتهاك بنودها في مرحلتها الأولي، مما يعثر حتى الآن إمكان الدخول في المرحلة الثانية منها، ألقى يادلين بمسؤولية التعثر على حركة "حماس"، بسبب عدم التزام تفكيك سلاحها.

 

وقال يادلين، "تتألف خطة ترمب للسلام من ثلاث مراحل، وبينما كانت المرحلة الأولى محددة بوضوح: إعادة جميع الرهائن، وانسحاب إسرائيل إلى الخط الأصفر، ووقف إطلاق النار، وما إلى ذلك، كانت المرحلة الثانية غامضة للغاية وتركت مجالاً لتفسيرات مختلفة حول تفكيك حركة (حماس)، ومن سيتولى الحكم، وكيف ستتم إعادة إعمار غزة"، مضيفاً "كانت المبادئ التوجيهية الأساسية موجودة، لكن لم يتم الاتفاق على التفاصيل. وما نراه اليوم هو أن (حماس) ترفض تفكيك نفسها، وترفض نزع سلاحها، وهذا يعرقل بصورة أساسية خطة ترمب برمتها"، على حد وصفه.

 

وتابع يادلين "هناك جزء ثالث، وهو المتعلق بالنقطتين 19 و20 (من الخطة الأميركية)، واللتين تتحدثان عن السيادة الفلسطينية"، معتبراً أنهما "مشروطتان بأداء الفلسطينيين في مكافحة الإرهاب، وفي عدم تربية الأطفال ليصبحوا (إرهابيين)، وعدم دفع مكافآت مقابل القتل، وهو ما تفعله السلطة الفلسطينية مع (الإرهابيين)"، قائلاً "لا نزال عالقين في المرحلة الثانية".

وذكر يادلين أنه "على عكس (جبهة) لبنان، إذ لا يمكننا وقف التهريب من إيران، على رغم تراجع حجمه عما كان السابق لتحول سوريا لتكون مُعادية لـ(حزب الله)، فإن (حماس) أصبحت ضعيفة جداً، ولم يعد بإمكانها تكرار أحداث السابع من أكتوبر مرة أخرى، وهو ما يمنح إسرائيل نفوذاً هائلاً تجاه (حماس)"، مضيفاً "إذا قارنا الجبهات الثلاث، غزة ولبنان وإيران، فإن الموقف الإسرائيلي في غزة هو الأقوى لأن النجاح العسكري هناك كان حاسماً للغاية، وترمب في هذه الحالة يقف إلى جانب إسرائيل".

ومضى يادلين في اتهام "حماس" بالمسؤولية عن تعطيل "الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق السلام"، قائلاً إن "تأخر البدء في إعادة إعمار غزة هو بسبب تأخر تفكيك (حماس) سلاحها، وعلى الفلسطينيين في غزة أن يدركوا أنه إذا أرادوا يوماً ما انسحاب إسرائيل، وإذا أرادوا يوماً ما إعادة إعمار غزة، فعليهم التأكد من تفكيك (حماس)، ومن أنها لم تعد للحكومة في القطاع".

ووفق خطة السلام الأميركية في غزة التي توصل إليها في أكتوبر 2025، فقد نصت المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار على وضع حد للعمليات العسكرية وانسحاب إسرائيل من المناطق السكنية ودخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر، على أن تشمل المرحلة الثانية نزع سلاح "حماس" وتسليم إدارة غزة إلى لجنة وطنية بإشراف "مجلس السلام" الذي يترأسه الرئيس ترمب وبدء إعادة الإعمار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أنه ومنذ تسلم إسرائيل لأسراها من القطاع ضمن صفقة تبادل مع "حماس" بقي وقف إطلاق النار هشاً، كما بقي عدد من الملفات العالقة حائلاً دون الدخول في المرحلة الثانية، مع تبادل الاتهامات بين "حماس" وإسرائيل في شأن مسؤولية تعطيل تنفيذ الاتفاق أو خرق وقف إطلاق النار.

ويعد ملف حصر السلاح القضية الأكثر تعقيداً بين "حماس" وإسرائيل، إذ تتمسك الأخيرة بتنفيذه قبل الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، فيما تصر الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها "حماس"، على استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق غزة قبل الحديث عن نزع السلاح، مع تأكيد "أن تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة عملية معالجة وحصر السلاح ورفض أي دور لإسرائيل في هذا الأمر".

ورداً على اتهام إسرائيل بالتنصل من تنفيذ بنود المرحلة الأولي من الخطة الأميركية، لا سيما على مستوى المساعدات الإنسانية الداخلة إلى القطاع، والذي أقرته الخطة بنحو 600 شاحنة في اليوم، فضلاً عن توسع الدولة العبرية في السيطرة على أراضي غزة، واستمرار قصفها لمناطق بالقطاع، وإن بصورة متقطعة، قال يادلين في شأن مستوى المساعدات الإنسانية إنه "كذبة من أكاذيب (حماس)"، موضحاً "تحصل غزة على حجم من المساعدات الإنسانية أكثر بكثير مما كانت تحصل عليه قبل الحرب، لكن من الذي يجني المال من ذلك؟ (حماس). إنهم يأخذون المساعدات الإنسانية ويبيعونها"، معتبراً أن "هذه هي الطريقة التي يمولون بها أنفسهم، لذا فإن إسرائيل تلتزم بالمستوى الذي وعدت به"، نافياً أن يكون القطاع "يواجه أزمة إنسانية".

وعن استمرار إسرائيل لقصفها لمناطق في القطاع أرجع يادلين الأمر "لعدم نزع (حماس) سلاحها"، قائلاً "عندما نرى الحركة، أو قواتها النخبة، تحاول تدريب عناصرها، أو تحاول إنتاج الصواريخ مجدداً، فإننا سنتصرف ضد ذلك. لن نتسامح بعد الآن مع وجود منظمة إرهابية على حدودنا. ويجب أن يكون هذا واضحاً لعدونا ولحلفائنا".

"حل الدولتين" بعيد

وما كان لافتاً في حديث يادلين عن الملف الفلسطيني، هو استبعاد "خيار حل الدولتين"، حتى على أساس خطة السلام الأميركية، وذلك بسبب أحداث السابع من أكتوبر، قائلاً "أظهر ما حدث في السابع من أكتوبر أنه سيكون من الصعب جداً التوصل إلى حل الدولتين، حتى لو تشكلت حكومة (إسرائيلية) أخرى"، مضيفاً "هذا هو الدرس الذي استخلصه الرأي العام الإسرائيلي، من اليسار إلى اليمين، وهو أنه لا توجد رغبة لدى الفلسطينيين في التوصل إلى حل الدولتين. ليس الإسرائيليون هم من يعرقلونه، بل الفلسطينيون"، مشيراً في ذلك إلى "ما يطالب به هؤلاء الطلاب في الجامعات الأميركية هو "فلسطين من النهر إلى البحر"، إذاً، أين تقع إسرائيل؟ الأمر ليس بهذه السهولة".

 

ثم عاد يادلين وتساءل "هل يمكننا أن نكون أكثر انفتاحاً ونواصل ما قامت به الحكومات الإسرائيلية على مدى سنوات عديدة جداً؟ أن نقترح سلاماً لائقاً وصادقاً على جيراننا الفلسطينيين؟ نعم، لكن إذا أصروا على ما يصرون عليه، وهو أن إسرائيل ليست دولة شرعية، وأنه لا يحق للشعب اليهودي أن يكون له دولة، فإن حل الدولتين لن يكون قريباً".

خيار الصدام "مستبعد" بين مصر وإسرائيل

من بين الملفات التي طرحت خلال حوارنا مع يادلين، كانت العلاقات المصرية - الإسرائيلية، وحجم التوتر الذي يخيم عليها في الفترة الأخيرة، سواء بسبب ما تراه القاهرة من نيات إسرائيلية متواصلة لتهجير سكان غزة من القطاع، أو قلق الدولة العبرية من تزايد الانتشار العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، إلا أن يادلين قلل "من تبعات هذا التوتر، أو احتمالات أن يقود إلى مواجهة عسكرية بين البلدين".

وأعرب يادلين عن اعتقاده أن "مصالح القاهرة وتل أبيب متطابقة في تجنب الحرب وتحقيق الاستقرار والسلام والتنمية الاقتصادية"، قائلاً أن "هذا هو المبدأ التوجيهي للحكومات، أياً كانت، في كلا البلدين". وتابع "في بعض الأحيان، وبسبب غزة، أو القضية الفلسطينية، أو حتى الحكومات الإسرائيلية المتطرفة للغاية، قد تتدهور العلاقة بين البلدين، لكنها لن تصل مرة أخرى إلى الحرب"، مضيفاً "لا أرى أي سبب يدعو مصر إلى الدخول في حرب مع إسرائيل، والعكس صحيح. لذا آمل أن تعود الثقة بعد الانتخابات، والتي كانت سائدة في الماضي بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وبين الجيشين، إلى المستوى الجيد جداً الذي كانت عليه قبل حرب غزة".

 

نتائج الحرب استراتيجياً لم تكتمل بعد ومسار المفاوضات وطبيعة التنازلات سيحسمان الطرف المنتصر

ورداً على استمرار الحديث في الداخل الإسرائيلي عن تهجير سكان غزة إلى مصر، وإصرار بعض مسؤوليها على هذا الأمر، قال يادلين "لا أرى أي هجرة (فلسطينية) إلى مصر. فقد رفض المصريون استقبالهم"، وتابع "لم تكن إسرائيل هي من اقترحت (تفريغ غزة من سكانها)، بل كانت خطة ترمب هي التي نصت على إخلاء غزة. وأعتقد أن قرار ترمب لم يعد موجوداً بعد، لكن إذا أراد أحدهم (سكان القطاع)، بقراره الخاص، مغادرة غزة، فلا يمكنني لومه"، مرجعاً الأمر على حد وصف بأنه "لا أحد يريد العيش تحت حكم (حماس)، لكن مصر رفضت استقبال الفلسطينيين، وقد يضطرون إلى الذهاب إلى مكان آخر، لكن إذا تخلت (حماس) عن نهجها الإرهابي، أعتقد أن غزة ستصبح المكان الذي يرغبون في العيش فيه، وستتم تنميتها وفقاً لخطة ترمب".

وتابع، "أما فيما يتعلق بالوزراء المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية فهم لا يضعون السياسة. فالسياسة يضعها رئيس الوزراء والوزراء المسؤولون الآخرون، كما هو الحال في مصر (تُصاغ السياسة) على يد الرئيس المسؤول. وهناك أشخاص يتحدثون ضد إسرائيل في مصر، ونحن لا نوليهم اهتماماً ما دام رئيس مصر والقيادة المصرية يحافظان على اتفاقية السلام بين البلدين".

 

"نتنياهو قد يبقى في السلطة لكن بائتلاف مختلف"

حول تقييمه للمشهد الانتخابي الإسرائيلي بعد سنوات من الحروب المتواصلة؟ ومستقبل رئيس الوزراء نتنياهو السياسي المستمر؟ رفض يادلين بداية الحديث عن السياسة الداخلية الإسرائيلية، لكنه عاد، وقال "إن فرص بقاء الائتلاف الراهن في الحكم تبقى ضعيفة"، موضحاً "لا أرى أن هذا الائتلاف سيفوز في الانتخابات، فهم يتحملون مسؤولية أحداث السابع من أكتوبر. والشعب الإسرائيلي غير راضٍ عن هذه الحرب الطويلة. وغير راضٍ عن التنازلات التي قدمت للأرثوذكس المتشددين في الوقت الذي يرسل فيه معظمنا أبناءه إلى الجيش".

 

ووفق يادلين فإن "عدم فوز الائتلاف الراهن في الانتخابات المقبلة، لا يعني عدم وجود نتنياهو في الحكومة الجديدة"، قائلاً "قد تضم الحكومة الجديدة نتنياهو، لكن من دون اليمينيين المتطرفين ومن دون المتشددين الأرثوذكس".

وأمس الأحد أعلن البرلمان الإسرائيلي أن الانتخابات التشريعية ستُجرى في الـ27 أكتوبر المقبل، وهو آخر موعد يسمح به القانون، في استحقاق يعد على نطاق واسع استفتاءً على زعامة نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة في 2023.

وتنتهي الولاية الحالية للكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في الـ17 من يوليو (تموز)، مما يتيح للائتلاف الحاكم إكمال ولايته الممتدة لأربع سنوات، وهو ما لم يتحقق منذ عقود.

وأعلن نتنياهو (76 سنة)، وهو رئيس الوزراء الأطول عهداً في تاريخ البلاد عبر ولايات عدة، نيته خوض الاستحقاق الانتخابي المقبل، وقال الشهر الماضي إنه يعتزم "تشكيل حكومة وطنية موسعة، لا حكومة يمينية، ولا حكومة يسارية تعتمد على الأحزاب العربية"، إلا أن غالب استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر أن غالبية الإسرائيليين تريد رحيله عن السلطة، مع بروز رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت كمنافس رئيس له.

المزيد من حوارات