Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديفيد ساترفيلد: النظام الإيراني ضعف لكن خطره لا يزال قائما

المبعوث الأميركي السابق للشؤون الإنسانية بالمنطقة لـ"اندبندنت عربية": المفاوضات صعبة وشاقة وطهران تلعب على عامل الوقت وتحمل الألم لتحقيق أهدافها وسرديات النصر المتبادلة ستحسمها النتائج السياسية وحجم التنازلات التي سيقدمها كل طرف للآخر

ملخص

أمام سياقات إقليمية تزداد فيها مساحات التوتر، وتتداخل رسائل الردع مع محاولات التهدئة تحت وطأة تضارب الحسابات الاستراتيجية، يجيب السفير ديفيد ساترفيلد، مدير "معهد بيكر للسياسات العامة" بجامعة رايس الأميركية، على أسئلتنا حول نتائج وتبعات جولة الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران إقليمياً ودولياً وتداعيات غياب "نصر" واضح على وقع ما بات يعرف في المفاهيم العسكرية والاستراتيجية بـ"الحرب غير المتكافئة"، واحتمالات تعثر المسارات الدبلوماسية وعودة الحرب على رغم إدراك الجميع لأخطار التصعيد، فضلاً عن محاولة فهم التشابكات العالمية السياسية والاقتصادية للتصعيد في الشرق الأوسط ومدى انعكاس ذلك على التحالف الغربي، والمنافسة مع كل من بكين وموسكو.

في توقيت إقليمي شديد الغموض والتعقيد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية والأمنية مع رهانات السياسة والاقتصاد، تترقب المنطقة والعالم مآلات صراع "لم يحسم بعد" بين واشنطن وطهران مع اقتراب وقف إطلاق النار الذي أقر كهدنة "هشة" لحرب دفعت معها المنطقة إلى احتمالات تصعيدية مفتوحة، إلى نهايته من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق سياسي ودبلوماسي، ينهي حرباً استمرت لأكثر من خمسة أسابيع.

وفيما تسارع مسارات السياسة احتمالات عودة الحرب، تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لترقب نتائج جولة جديدة مرتقبة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تخيم عليها فجوة عميقة من عدم الثقة المتبادلة، وتباين جذري في تعريف الأولويات، لا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره عادة ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، وملف طهران النووي، ما يعكس أن الجهود الرامية إلى التوصل لسلام أكثر صموداً في المنطقة لا تزال تقف على أرضية هشة.

وأمام سياقات تزداد فيها مساحات التوتر، وتتداخل رسائل الردع مع محاولات التهدئة تحت وطأة تضارب الحسابات الاستراتيجية، نحاول في حوارنا مع السفير ديفيد ساترفيلد، مدير "معهد بيكر للسياسات العامة" بجامعة رايس الأميركية، والمبعوث الأميركي السابق للقضايا الإنسانية في غزة (2023/2024)، قراءة نتائج وتبعات جولة الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران إقليمياً ودولياً وتداعيات غياب "نصر" واضح على وقع ما بات يعرف في المفاهيم العسكرية والاستراتيجية بـ"الحرب غير المتكافئة"، واحتمالات تعثر المسارات الدبلوماسية وعودة الحرب على رغم إدراك الجميع لأخطار التصعيد، فضلاً عن محاولة فهم التشابكات العالمية السياسية والاقتصادية للتصعيد في الشرق الأوسط ومدى انعكاس ذلك على التحالف الغربي، والمنافسة مع كل من بكين وموسكو.

"تفاؤل" حذر ومخاوف قائمة

في قراءته للمشهد ومع عودة مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد فشل الجولة الأولى في أعقاب وقف إطلاق النار، يعرب السفير ساترفيلد عن تفاؤله في ما يتعلق بإمكانية التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في المدى القريب، وذلك في ضوء "رغبة الطرفين في إتمام اتفاق"، وعلى رغم ذلك تبقى المخاوف الأكبر مرتبطة "بمدى تغير النظام الإيراني الذي أصبح أكثر تشدداً لسلوكياته في ما يتعلق بدعم الوكلاء والأذرع واستخدام مضيق هرمز كأداة ضغط على الاقتصاد العالمي في المستقبل".


ويقول ساترفيد الذي عمل سفيراً لبلاده في عدد من دول المنطقة كتركيا ولبنان، إن "إحدى القضايا الرئيسية في التفاوض هي ما إذا كان المضيق (هرمز) سيعود، إلى الوضع الذي كان قائماً حتى 28 فبراير (شباط)، مما يعني أن لا تملك إيران أي سيطرة أو سيادة جديدة معترف بها على المضيق، ولا يمكنها فرض رسوم ابتزازية أو تعريفات أو رسوم عبور على السفن المارة"، معتبراً أن هذه "مسألة حاسمة"، مشيراً إلى أن أي حديث عن احتمالية "انتزاع طهران لأي تنازل من الولايات المتحدة في هذا الملف سيكون تطوراً سلبياً للغاية لكل دول المنطقة والاقتصاد العالمي".

وبشأن مسار المفاوضات والقضايا محل النقاش بين الطرفين، أوضح ساترفيلد أنه "لا يزال يتعين حل هذه المسألة (المضيق). لكن دعونا ننظر إلى ما قيل، أو على الأقل ما تم تداوله من الجانب الأميركي، وهو مناقشة الإفراج عن أصول إيرانية وإلغاء تجميدها، والمبالغ المرتبطة بذلك مختلفة هناك الـ 6 مليارات دولار، وهي التي تحتفظ بها دولة قطر، إضافة إلى بعض الأموال الأخرى، والتي من بينها تلك المستحقة من العراق لإيران. والمتعلقة بمدفوعات الكهرباء المنقولة، والتي جميعها تبلغ نحو 20 أو 21 مليار دولار. إن كون هذه المسألة قيد المناقشة أمر مثير للاهتمام للغاية لأنه من الواضح أن إيران لديها حاجات اقتصادية وجودية عميقة وكبيرة".

 

وتابع: "بالنسبة لحصول النظام على ضخ نقدي، حتى لو كان هذا النقد خاضعاً لبعض الضوابط، كما كان في برنامج النفط مقابل الغذاء (في حالة العراق في التسعينيات من القرن الماضي) أو مشاريع أخرى سابقة في المنطقة تم فيها الإفراج عن الأموال، تم وضع أغراض محددة في الاعتبار، فإن هذا لا يزال مؤشراً إيجابياً".

وعن صعوبة التفاوض، ذكر مدير معهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس الأميركية، أن من المهم "أن ندرك أن إيران تعتقد أن الوقت يلعب في مصلحتها، وضد الولايات المتحدة والرئيس الأميركي"، موضحاً: "حتى الآن تملك طهران قدرة على إغلاق المضيق، وعلى رغم حرمانها من عائدات التصدير النفطية جراء الحصار، فإنه يبقى لديها قدرة أكبر، أو تقدر أن لديها قدرة أكبر على تحمل الألم لفترة أطول من الرئيس الأميركي أو الاقتصاد العالمي"، مشيراً إلى أن "الاقتصاد العالمي يتجاوز بكثير الهيدروكربونات والألمنيوم والهيليوم لأشباه الموصلات والبوليمرات لتصنيع البلاستيك والأسمدة والمواد الأولية، والذي يعتمد العالم بشكل حاسم فيه على حركة هذه السلع من الخليج".

وشرح ساترفيلد تلك التأثيرات والتبعات السلبية قائلاً: "نحن على بعد ثلاثة إلى خمسة أسابيع من التأثير الكبير لنقص الموارد غير المتعلقة بالهيدروكربونات في السوق العالمية، قبل أن يواجه الاقتصاد العالمي مشكلات خطيرة للغاية. لذا فإن إيران تقدر حساباتها، بأن الوقت في مصلحتها وليس في مصلحة الولايات المتحدة"، لذا فإن "المفاوضات صعبة وشاقة" على حد وصفه.

تحالفاتنا مع دول الخليج ستزداد متانة وقوة وبوتين أبرز الرابحين من الحرب والصين اكتفت بالمراقبة والصمت لعدم امتلاكها أية أوراق تأثير في المشهد 

وأمام اقتراب الطرفين الأميركي والإيراني إلى "الخطوط العريضة بشأن بنود الاتفاق المرتقب" على حد تقدير البلدين، مع بقاء "عدد من الملفات غير المحسومة بعد"، وعلى رأسها الملف النووي، يتطرق ساترفيلد إلى هذه النقطة قائلاً إن "ما يبقى بحاجة إلى حل، ولم تتم مناقشته علناً إلا قليلاً، هو برنامج التخصيب النووي"، وهو الملف الذي يطرح الكثير من الأسئلة بشأن مستقبله، بحسب حديثه، متسائلاً: "هل لا تزال الولايات المتحدة تصر على تجميد تام لأي تخصيب نووي إيراني محلي، حتى للأغراض المدنية؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي المدة الزمنية التي تصر عليها؟ سمعنا حديث واشنطن عن 20 عاماً. وتمسك إيران بخمس سنوات. هل هناك مجال للتسوية هنا؟ هذا سؤال مهم". ثم يضيف: "السؤال الثاني بالطبع يتعلق بمصير الـ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المئة. وهناك كمية أخرى من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة أيضاً. هل إيران مستعدة للالتزام بإزالة تلك الكميات من اليورانيوم المخصب، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو بشكل مباشر من قبل الوكالة، لتخفيفها إلى مستويات نووية مدنية تتراوح بين 2.6 و3.5 في المئة، وربما الاحتفاظ بها كاحتياطي لإيران؟ هذا سؤال معلق. ولا نعرف ما الذي تستعد إيران للتنازل عنه".

وإضافة إلى وضع مضيق هرمز، يشكّل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب نقطة خلاف رئيسية عالقة في المحادثات.

وعلى رغم تفاؤله بمسار المفاوضات، لم يخف ساترفيلد مخاوفه بشأن بعض الأمور "غير الإيجابية" التي كشفتها الحرب الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، قائلاً: "إذا نظرنا إلى الصورة الشاملة في الوقت الحالي فإنها تحمل أموراً ليست إيجابية، لا سيما بعد أن أظهرت إيران أمرين كانا في السابق موضوع نقاش وتحليل، ولم يكونا مؤكدين".

هذين الأمرين بحسب ساترفيلد هما "ما أظهره النظام الإيراني من قدرة ورغبة في ضرب البنية التحتية في الخليج، سواء المدنية أو المتعلقة بالهيدروكربونات أو تلك المتعقلة بالصناعة، وأن جميع جهود الولايات المتحدة في تعزيز الدفاع الجوي لم تستطع منع إيران من اكتساب القدرة ليس فقط على التهديد، بل على الإضرار فعلياً بتلك البنية التحتية، وأن هذه القدرة، وحتى مع تدخل الولايات المتحدة مباشرة في البحر والبر والجو، لم تستطع إيقافها"، مضيفاً: "الأمر الآخر الحاسم، وهو سلبي للغاية، يتمثل في أن إيران لديها القدرة والإرادة على إغلاق المضيق وأن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على إعادة فتحه. وهو موضوع كان تحليلاً قبل هذا الصراع. لكن أصبح بعد الحرب أمراً مثبتاً وهذه تطورات ليست إيجابية لمصلحة الاقتصاد العالمي".

وذكر ساترفيلد: "بالتأكيد، من وجهة نظر كثر، تخرج إيران من الحرب متضررة ومنهكة، مع تضاؤل قدراتها بشكل كبير، لكن مع وجود نظام متشدد للغاية يتولى زمام الأمور في جميع أنحاء البلاد، وقدرة مثبتة على التصعيد بطريقة لا تستطيع الولايات المتحدة مواجهتها، فهذه ليست نتيجة جيدة".

تحدي "خطر" النظام الإيراني

يركز السفير ساترفيلد في حديثه على استمرار "الخطر" الذي يمثله النظام الإيراني على المنطقة ودولها حتى مع الحرب الأميركية- الإسرائيلية عليه، إذ بحسب تعبيره "لا يزال النظام سليماً وقائماً"، بل إن الأشخاص القائمين على السلطة في الوقت الحالي "هم أكثر تشدداً وارتباطاً بالحرس الثوري"، مما يعقد الأمر ويضفي مزيداً من التحديات على أي تعاط أو حل مع إيران.


ويقول ساترفيلد، "ذكر الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أنه نجح في تغيير النظام في إيران، إلا أن هذا الكلام غير صحيح، لا يزال النظام سليماً، فقد تغيرت الشخصيات في القيادة، وما زاد من تعقيد الأمر أن هذا التغيير لم يكن في الاتجاه الإيجابي، بل العكس، جميع القادة الجدد هم أكثر تشدداً ومرتبطون  بالحرس الثوري"، مضيفاً: "إذا كان هناك تنافس أو انقسام بين شخصيات النظام، وقد يكون هناك بالفعل، فهو بين درجات مختلفة من الصلابة، ومن الآراء المتشددة. لا يوجد ما يسمى بالنهج المعتدل أو المحافظ هنا. كلهم متشددون. هذه هي نتيجة الإجراءات التي اتُخذت خلال الأسابيع الستة الماضية. وهذا ليس تطوراً إيجابياً".

 

وحول مدى تمثيل النظام الإيراني لتهديد لدول المنطقة، لا سيما عبر دعم الوكلاء والأذرع التابعة له، مضى ساترفيلد قائلاً: "تصدير التشدد ودعم جماعات مثل الحوثيين وحزب الله وحماس وغيرها، لا توجد أي مؤشرات حتى الآن على أن النظام في إيران قد تخلى أو تراجع عن هذا الأمر. وفي الواقع، كان هجوم حزب الله على إسرائيل، الذي أدى إلى اندلاع الصراع في لبنان خلال الأسابيع القليلة الماضية، بلا شك نتيجة للضغط الإيراني على حزب الله لفتح جبهة تشتيتية أخرى"، وأضاف، "لا أرى أي مؤشر هنا على أن هذا الدعم سيتوقف، ما لم تصل إيران داخلياً إلى استنتاج مفاده أنها لا تملك القدرة المادية أو المالية على الاستمرار في تقديم الدعم من وجهة نظر أيديولوجية، فمن المؤكد أن هذا الدعم سيستمر. وهذا يمثل تحدياً".

"النصر" تحسمه مخرجات التفاوض

منذ إعلان وقف إطلاق النار في السابع من أبريل (نيسان) الجاري، يتمسك كل طرف من أطراف الحرب بروايته الخاصة عن النصر، ففي الوقت الذي يكرر فيه الجانب الأميركي بأعلى مسؤوليه الرسميين في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية، تمكنهم في أقل من 40 يوماً من المعارك العسكرية من تدمير وإزالة كافة القدرات العسكرية الإيرانية بدءاً من برنامجها النووي مروراً بقدراتها الصاروخية والجوية، وسلاح بحريتها فضلاً عن "تغيير النظام"، تروج طهران في المقابل، إنها "استطاعت هزيمة العدو وإجباره على الخضوع أمام شروطها ومطالبها"، وإن لم يكن بالمفاهيم العسكرية والردع فـ"بالقدرة على البقاء وإفشال مخططات الخصوم".

وأمام هذا التباين في روايات نتائج الحرب الإيرانية، وما هي العناصر التي ترسم ملامح النصر في الحروب الحديثة سواء المعركة ذاتها أم السياسة أم الترويج الإعلامي لسرديات كل طرف، اعتبر السفير ساترفيلد، أن النصر يحسمه بشكل أساس "النتائج السياسية للصراع وحجم التنازلات التي سيقدمها كل طرف للآخر لإنهاء الحرب".


​​​​​​​وقال ساترفيلد: "بالطبع كل طرف تبني سردية نصر مختلفة، لكن السؤال هنا هو كيف سينتهي هذا الصراع، لنرى بالضبط ما سيتم الاتفاق عليه، ومن قدم تنازلات لمن وبأي درجة"، مشيراً وبشكل لافت وفق تقديره: "من الناحية الاستراتيجية وفي الوقت الحالي، فإن إيران في وضع أفضل لتعلن انتصاراً استراتيجياً بسبب قدرتها المثبتة على البقاء".

وأوضح ساترفيلد وفق تقديره قائلاً: "هذا صراع غير متكافئ في القدرات والقوة، وهو ما تميزت به معظم الحروب الحديثة، أي أنها غير متكافئة. وإيران، من خلال بقائها سالمة، ومن خلال استمرار قدرتها على توجيه التهديد والأخطار إلى دول المنطقة أو في ما يتعلق بمضيق هرمز، وذلك في مواجهة القوة النارية الهائلة التي جلبتها الولايات المتحدة وإسرائيل بطريقة تقليدية، فإن ذلك يمثل بلا شك نتيجة استراتيجية لمصلحة إيران"، مضيفاً: "هذه هي مفارقة الحرب غير المتكافئة".

 

واعتبر ساترفيلد، أن كلا الجانبان "يقدمان روايات متنافسة من أجل تشكيل المفاوضات والرأي العام العالمي وكذلك المحلي لكل منهما، لكن في النهاية دعونا نرى إلى أين سيؤدي ذلك فعلياً على طاولة المفاوضات".

وعن تأثير الرأي العام المحلي في معادلات الصراع وسرديات مخرجاته، ذكر ساترفيلد، أنه بالنسبة للجمهور الإيراني فهو "مهم في معادلة الحرب بالنسبة للنظام"، موضحاً أنه "بقدر رغبة الشعب الإيراني في استبدال نظام بلاده البائس والقاتل والفاسد والعاجز، لا سيما بعد أن وصل بقمعه إلى مستويات غير مسبوقة كما شهدنا في بداية العام الحالي حين قتل في التظاهرات ضده أكثر من 8 ألاف شخص، إلا أنه يملك تأثيراً على النظام وسلوكيته".

وتابع: "بالنسبة للولايات المتحدة، فقد كشفت معظم استطلاعات الرأي عدم تأييد الحرب واستمرارها"، مضيفاً: "لكن لم يكن له حتى الآن تأثير حاسم في الخيارات التي تتخذها الإدارة بمرور الوقت. مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لدينا، لا شك في أنه إذا استمر الصراع، وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع ليس فقط بالنسبة للهيدروكربونات ولكن بالنسبة للمنتجات الأخرى، مثل البلاستيك، ورقائق أشباه الموصلات، والأسمدة، والمنتجات الزراعية، فإن ذلك سيكون له تأثير حتمي، ولكن حتى الآن لم يحدث ذلك".

إسرائيل وإعادة التموضع في المنطقة

من وجهة نظر السفير ساترفيلد، وعلى رغم المخاوف المتنامية وفق كثير من المراقبين بالشرق الأوسط من اتساع إدوار إسرائيل الأمنية والسياسية والعسكرية بالمنطقة انطلاقاً من الحرب الإيرانية الراهنة، وفتحها لجبهات متعددة لم تهدأ بعد منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحرب غزة، يبقي "التهديد والخطر الإيراني هو مصدر زعزعة الاستقرار والفوضى بالمنطقة".

وفي رده على سؤال حول "التموضع الإسرائيلي الأمني والعسكري في معادلات الإقليم"، أوضح ساترفيلد، أنه يعتقد أن "المنطقة قبل الحرب الإيرانية أي قبل 28 فبراير، وأثناء الصراع وبعده، كانت تعتبر إيران التهديد الوجودي الأساسي وليس إسرائيل"، موضحاً: "هذه هي الحال أمس واليوم".

رغم ما تثيره الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة من مفاقمة المصادر المحتملة للتطرف إلا أن تهديدها يبقي ثانوياً مقارنة بالخطر الإيراني على الشرق الأوسط

وتابع: "على رغم أن الإجراءات الإسرائيلية، سواء في غزة أو في لبنان، والتي يُنظر إليها على أنها تفاقم المصادر المحتملة للتطرف، والتطرف على مستوى الشارع، تبقى مصدر قلق في جميع أنحاء الخليج، والمنطقة، لكن لا ينبغي أن يكون هناك أي لبس في إدراك أن التهديد الرئيسي الحقيقي الذي يواجه دول المنطقة هو التهديد الإيراني، وهو تهديد ازداد الآن ولم يتضاءل"، على حد وصفه.

ومضى قائلاً: "هناك بالفعل قلق بشأن الآثار والعواقب المترتبة على الإجراءات الإسرائيلية، لكن إسرائيل نفسها تظل تحدياً ثانوياً أو ثالثاً، وليست التحدي الرئيسي في المنطقة. كذلك فإن تل أبيب تظل شريكاً أمنياً مهماً على رغم كل هذا، من حيث التعاون ضد التهديد الإيراني المشترك".

تحالفاتنا الأمنية باقية "وستتعزز"

وبسؤاله عن مدى تأثير الحرب على التحالفات الأمنية الكلاسيكية في الشرق الأوسط، وما إذا كانت لا تزال فعالة وقادرة على مواجهة التحديات العسكرية الطارئة، فضلاً عن احتمالات أن تدمج أطراف جديدة سواء على المستوى الإقليمي والدولي، أعرب ساترفيلد، عن اعتقاده بأن "الحرب الإيرانية لم تغيرها، بل عززت من أهميتها وضرورتها"، قائلاً: "التحالف بين واشنطن ودول الخليج، كشف أهميته وضرورة تعزيزه وتقويته في الحرب الإيرانية، ليس فقط لأنه لا يوجد بديل لمواجهة التهديد الإيراني المستمر، وهو تهديد وجودي، إلا من خلال الولايات المتحدة، ومبيعاتها العسكرية، بل أيضاً من خلال المشاركة الأمنية النشطة القائمة على العلاقات الأمنية".

وتابع ساترفيلد: "قبل هذه الحرب كانت هناك دول خليجية تتحرك باتجاه تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة والحصول على التزام أمني أميركي من خلال توقع معاهدة بشأن ذلك، وبعد الحرب لا أعتقد أن الرغبة في ذلك تضاءلت بل إنها تعززت وقد تزداد في المستقبل".

وبشأن احتمالية ظهور تحالفات جديدة في المنطقة وإن بأشكال وأنماط مختلفة، رد السفير ساترفيلد بالقول إن "كل ذلك ممكن نظرياً، لكن لا شيء منه يمكن أن يحل محل الدور الحاسم للولايات المتحدة، سواء أعجبنا ذلك أم لا"، مضيفاً: "هذا ليس تعليقاً أيديولوجياً أو سياسياً، لكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة فقط من تمتلك القوة العسكرية، ولديها القدرة على توفير أنظمة دفاع جوي متطورة، وفي نهاية المطاف يمكنها التخفيف من التحدي الإيراني سياسياً وعسكرياً. لا يمكن لأي تحالف آخر من الدول القيام بذلك. وهذا أمر لم تغيره الحرب".

 

وعما إذا كانت الحرب الإيرانية الراهنة، هي آخر كبرى التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة، أم أن الشرق الأوسط بتعقيد ملفاته وتعدد بؤر توتره لا يزال تنتظره دوامات أخرى من العنف والحروب غير المنتهية، أجاب ساترفيلد قائلاً: "لقد توقفت منذ زمن طويل عن إصدار التوقعات، لكن بالنسبة للشرق الأوسط نأمل في ألا تكون هناك صراعات أخرى مثل هذه"، ثم عاد وذكر أن "إلا طبيعة النظام الإيراني، التي لم تتغير على رغم الحرب، سواء من حيث وجود نظام في طهران ذي طموحات ذات طابع هيمني، موجهة نحو المنطقة وما وراءها.، ويستند إلى دعم جهات فاعلة من غير الدول مثل حركة حماس والحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، هي أمور ستسبب اضطرابات هائلة".


​​​​​​​وتابع: "على رغم أن قدرتهم (النظام الإيراني) على تقديم الدعم لأذرعها بالمنطقة كما فعلوا في الماضي، هو أمر مشكوك فيه. إلا أن إرادتهم للقيام بذلك، ودافعهم الأيديولوجي للقيام به، لا يزالان قائمين. وهذا، للأسف، مصدر يدفع نحو مزيد من عدم الاستقرار والصراع، وليس نحو الحد منه".

هرمز وسلاح "الطاقة"

على مدار أيام الحرب، كان "إغلاق مضيق هرمز" من قبل إيران وتأثير ذلك في امدادات الطاقة العالمية، أحد أبرز الملفات التي خلفتها ولا تزال العمليات العسكرية الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران، هذا الملف وبقدر ما كشفه من تأثير المضايق البحرية وحرية الملاحة في الاقتصاد العالمي، إلا أنه أعاد التأكيد على بقاء الطاقة كأداة ضغط في الصراعات الجيوسياسية وتشكيل التحالفات الأمنية والسياسية.

ووفق حديث السفير ساترفيلد لم تكن "الطاقة بالأداة الحاسمة في الصراع بقدر ما سببته من ضغوط وتأثير في الاقتصاد العالمي"، موضحاً: "إذا توقعنا ما سيحدث خلال ثلاثة أسابيع، أو أربعة، أو خمسة، أو ستة، من هذا الانقطاع الدراماتيكي لنحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية القادمة من منطقة الخليج، فضلاً عن نسب أكبر من إمدادات المواد الحيوية كالمواد الأولية للبلاستيك، ومواد أولية للأسمدة، والألمنيوم المنتج بفضل الكهرباء التي يولدها الغاز الطبيعي في الخليج وبأسعار منخفضة للغاية، كان لكل هذا تأثير في الاقتصاد العالمي، وهو ما اعتمدت عليه إيران كنقطة ضغط، ونقطة نفوذ على المدى الطويل".

وأضاف ساترفيلد: "في وقت كانت الدول الآسيوية الأكثر تضرراً من هذه الانقطاعات، إلا أنه حتى الآن، كان تأثير ذلك قابلاً للتحمل بالنسبة لجزء كبير من العالم بفضل المخزونات المتبقية لديها، والمخزونات العائمة، وقدرة الولايات المتحدة على التوريد، وكذلك قدرة السعودية على نقل نحو 5 ملايين برميل يومياً عبر أنبوب نفطي بين الشرق والغرب متجاوزة مضيق هرمز، وأيضاً الإمارات وقدرتها على نقل ما يصل إلى مليون برميل يومياً بالطريقة نفسها".

أي تنازل لإيران فيما يتعلق بمضيق هرمز سيكون تطوراً سلبياً للغاية لكل دول المنطقة والاقتصاد العالمي

وتابع: "هذا على المدى القصير والمتوسط، لكن مع مرور الوقت وإذا استمرت هذه الحال، فسيكون لها تأثير أعمق بكثير، ما يعني تحولها لوسيلة ضغط كبيرة ولكن ليس على المدى القصير".

وحول تبعات هذا الأمر، ذكر ساترفيلد، أن تحولاً في غاية الأهمية والاستراتيجية قد يظهر في السنوات المقبلة في ما يتعلق بالنظرة إلى مضيق هرمز وإمدادات الطاقة من خلاله، مشيراً إلى توجه متنامٍ في الدول الخليجية  للتحرك باتجاه "تنويع قدرتها على نقل الهيدروكربونات والمنتجات غير الهيدروكربونية بطريقة تسمح بتجاوز مضيق هرمز أو تقليل الاعتماد عليه إلى الحد الأدنى"، قائلاً: "على سبيل المثال سيصار إلى توسيع في خطوط أنابيب الفجيرة الإماراتية وخط أنابيب النفط السعودي من الشرق إلى الغرب، فضلاً عن تحرك الكويت للمضي في الاتجاه ذاته".

 

وتابع: "قد لا يكون هذا الأمر فورياً، وقد يستغرق عامين أو ثلاثة أو أربعة، حتى تكتمل هذه المشاريع، إذ إن تصنيع الضواغط والمعدات المتخصصة الأخرى ليس عملية بسيطة، لكنها قابلة للتنفيذ وميسورة التكلفة لهذه الدول. وبمرور الوقت، سيكون لها تأثير استراتيجي يتمثل في الحد من قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كوسيلة للضغط" على حد وصفه.

وعبر ساترفيلد عن مخاوفه، بشأن ما اعتبره "احتمال أن تصل إيران، في مرحلة ما في المستقبل، على المدى المتوسط أو الطويل، إلى استنتاج مفاده أن مصالحها تتطلب إغلاق مضيق هرمز، مرة أخرى، بعد أن أظهرت أنها قادرة على القيام بذلك وأنه لا يمكن إجبارها بوسائل عسكرية، على إعادة فتحه"، معتبراً أن هذا الاحتمال يمثل "أكثر المخاوف على المنطقة والاقتصاد العالمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومضي قائلاً: "مثل هذا الاحتمال، وقدرة إيران على غلق المضيق، يمثل سيفاً، إن جاز التعبير، مسلطاً على المنطقة والاقتصاد العالمي"، معرباً عن ترجيحه أن تعزز الدول الخليجية تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة، وذلك من أجل إحداث مزيد من "التحسينات العسكرية، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي لديها، وقدراتها الجوية".

 وأوضح: "لقد قمنا ببيع أنظمة الدفاع الجوي في الخليج لمدة ربع قرن وأكثر، وقد استخدمت دول الخليج تلك الأنظمة بشكل جيد للغاية، ولم يكن هناك شك في الكفاءة، لكن قدرة إيران الهائلة على الحصول على ما يكفي من الطائرات من دون طيار والصواريخ لإلحاق الضرر حتى مع تدخل الولايات المتحدة عسكرياً بشكل مباشر، تخبرني بالتأكيد، أن كل دولة في الخليج تتطلع إلى تجديد وتوسيع حيازتها لأنظمة الدفاع الجوي الأميركية، ومكافحة الطائرات من دون طيار والصواريخ، بحيث يتم تعزيز التعاون الأمني الاستراتيجي. ليس مجرد استمرار، بل تعزيز"، مشدداً على أن "الولايات المتحدة، شئنا أم أبينا، هي الشريك العالمي الأول لدول الخليج عندما يتعلق الأمر بالأمن".

وواصلت الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية، في حين رفعت إيران الحصار الذي فرضته على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره عادة ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، ثم أعادت غلقه مرة أخرى. وتسببت الحرب في أكبر صدمة في التاريخ لإمدادات الطاقة العالمية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب الإغلاق الفعلي للمضيق.

"لا تباعد" بين أوروبا و"الناتو" وواشنطن

صبغ التوتر المتنامي بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين داخل المعسكر الغربي وحتى داخل أروقة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أحد سمات الحرب الأميركية- الإسرائيلية على طهران، فمن وجهة النظر الأميركية لم يظهر حلفاؤها التقليديون في القارة العجوز "الدعم المنشود" لمعركتها "التي تأخرت كثيراً" ضد إيران، والأمر ذاته بالنسبة لحلف الناتو وأعضائه ما استدعي تسميته من قبل الرئيس ترمب بأنه "نمر من ورق".

وبسؤال السفير ساترفيلد، عن تبعات هذا التوتر مستقبلاً على العلاقات عبر الأطلسي بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وما إذا كانت ستقود إلى إعادة صياغتها مستقبلاً، على وقع تلميح الرئيس ترمب في أكثر من مناسبة عزمه الخروج من حلف "الناتو" (التحالف الأمني الأقوى والأقدم في العالم الراهن)، وانتقاده الشديد لمواقف الدول الأوروبية من الحرب، فضلاً عما مدى ما يكشفه الخلاف حول إيران من فجوة استراتيجية أعمق بين الولايات المتحدة وأوروبا،  رد رئيس معهد بيكر للسياسات العامة قائلاً: "أولاً وقبل كل شيء، من الصعب فصل خطاب الرئيس ترمب الموجه إلى الدول الأعضاء في حلف الناتو بشأن ما يقول إنه فشلها في تقديم المساعدة لفتح مضيق هرمز عن العواقب الحقيقية طويلة المدى"، موضحاً أن: "الإدارة الأميركية الحالية والرئيس ترمب أبديا منذ فترة طويلة درجة من الازدراء للتحالفات الدولية، ولحلف الناتو على وجه الخصوص. فضلاً عن انتقاده عدداً كبيراً من الشركاء والحلفاء في جميع أنحاء العالم، ليس فقط في التحالف عبر الأطلسي أو حلف الناتو".

وعن تأثير هذا النهج في العلاقات الأميركية مع الطرفين الأوروبي والناتو، استبعد ساترفيلد أن يحدث "هذا الأمر تأثيراً فعلياً أو ملموساً على المدى القريب"، مشدداً بالقول على أنه وقبل "الحكم على شكل التبعات المستقبلية لهذا الأمر، ينبغي أولاً معرفة تفاصيل وبنود الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن".

وتابع ساترفيلد: "لا نعرف حتى اللحظة الخطوط العريضة، ولا تفاصيل الاتفاق المحتمل، كل ما لدينا هو فقط تقارير عن المواقف، والتي قد تكون مجرد كلام، أو مجرد استعراض قوة من كلا الجانبين (طهران وواشنطن) وعليه فنحن ببساطة لا نعرف"، مضيفاً: "الصراع لا يزال مفتوحاً على عديد من الاتجاهات والاحتمالات المختلفة خلال الأيام المقبلة، فقط علينا أن نتذكر أن وقف إطلاق النار والهدنة من الحرب من المقرر أن تنتهي غداً الثلاثاء، لذا لا ينبغي لنا إصدار أحكام بشأن هذا الأمر".

 

ومضى في القول: "لكن في ما يتعلق بالتأثير على المدى الطويل، أعتقد أن التأثير طويل الأمد، الذي يمكن توقعه، هو أن إيران ستخرج في موقف أقوى، وموقف أكثر تحدياً لدول المنطقة مما كانت عليه الحال في 28 فبراير الماضي".

وفي رده على ما إذا كانت الدول الأوروبية قادرة على تشكيل "تكتل مستقل" أمنياً وعسكرياً وسياسياً، بعيداً من الولايات المتحدة، لا سيما مع تعالي الأصوات الأوروبية المطالبة بذلك في الفترات الأخيرة، استبعد ساترفيلد، إمكانية حدوث ذلك "بنفس الفاعلية والقوة التي هي قائمة اليوم"، مضيفاً: "سأقدم ملاحظة طمأنة، قد تكون خاطئة بمرور الوقت، وهي أن هناك دعماً قوياً جداً في الولايات المتحدة وفي الكونغرس الأميركي لحلف الناتو والشراكة الأوروبية، دعم قوي جداً. وأملي هو أن يكون هناك اعتراف في الولايات المتحدة، ربما ليس من قبل هذه الإدارة ولكن في نهاية المطاف، بقيمة كل من الناتو والاتحاد الأوروبي بالنسبة للولايات المتحدة"، على حد وصفه.

ويخشى الحلفاء الأوروبيون، الذين انتقدهم ترمب مرارا لعدم تقديمهم المساعدة لجهوده الحربية، من ضغط فريق التفاوض الأميركي من أجل التوصل إلى اتفاق سريع وسطحي يتطلب شهورا أو سنوات من المحادثات اللاحقة المعقدة من الناحية الفنية.

بوتين أبرز الرابحين وبكين اكتفت بـ"المراقبة"

من بين الأبعاد التي كشفتها الحرب الإيرانية، كان ذلك المرتبط بمثلث "المنافسة الكلاسيكية" على النظام الدولي، بين واشنطن وموسكو وبكين، ففي الوقت الذي تمتلك فيه طهران علاقات استراتيجية واسعة من كل من الصين وروسيا، بدت مواقفهما متراوحة بين الحذر حيناً والاشتباك السياسي أحياناً، مع تطورات الحرب.

إلا أنه ووفق رؤية السفير ساترفيلد، فإنه في الوقت الذي أبقت فيه بيكين على "نهج المراقبة" لتطورات الحرب، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبرز الرابحين من تلك الحرب، على إثر رفع العقوبات "الموقت" الذي طاول النفط الروسي على إثر محاولة واشنطن تخفيف التبعات الاقتصادية للحرب ضد إيران على مصادر الطاقة.


​​​​​​​وبالنسبة لموسكو، يقول ساترفيلد: "كانت روسيا أكبر مستفيد مالي من هذا الصراع" موضحاً: "جراء رفع الولايات المتحدة للعقوبات موقتاً على النفط الروسي (من المرجح إعادتها مجدداً مع نهاية وقف مدة إطلاق النار)، حققت موسكو أكبر قدر من الأرباح المالية القابلة للقياس من الحرب"، واصفاً إياه بأنه "أمر سيئ"، لأن تلك "الأرباح والعوائد تساعد الرئيس بوتين في تحقيق طموحاته العالمية، ولا سيما تلك المتعلقة بأوكرانيا".

وتابع ساترفيلد: "على رغم أن بوتين كان أحد أكبر المستفيدين من هذا الصراع برمته، وربما المستفيد المالي الوحيد من الحرب، فإن هذا الأمر لن يغير شيئاً في طبيعة السياسة الأميركية الأساسية تجاه روسيا".

 

ويتوافق تقييم ساترفيلد، مع كثير من القراءات التي رأت في الحرب ضد إيران أنها جلبت منافع "إيجابية" على روسيا، على رغم "معاهدة التعاون الدفاعي" الموقعة بين البلدين، معتبرين أبرز تلك الفوائد في عدم سقوط النظام في طهران، وزيادة عائدات النفط على إثر غلق مضيق هرمز وارتفاع الأسعار ورفع بعض العقوبات المفروضة على نفطها الخام، هذا إلى جانب استفادة موسكو من تراجع دعم أوكرانيا ومخزون الذخيرة فيها، إلى حد أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أقر في أكثر من مناسبة طوال أيام الحرب، بأن بلاده تواجه نقصاً حاداً في صواريخ الدفاع الجوي من طراز "باتريوت"، واصفاً الوضع بأنه "سيئ للغاية".

أما عن بكين، التي من المقرر أن تستضيف الرئيس الأميركي ترمب الشهر المقبل لإجراء "زيارة مميزة وتاريخية" بحسب تعبير الأخير، فأوضح السفير ساترفيلد، إن من كان يعتقد أنه في ضوء المنافسة الاستراتيجية والتجارية والاقتصادية بين البلدين أن الأمر يتطلب "تجاوز محطة طهران" أحد أبرز الموردين الأساسيين للطاقة إلى الصين، وإخراجها من معادلة النفوذ الصيني فإن "الأمر ليس بهذه الصورة".

خيارات الحلفاء الأوروبيين في تشكيل "تكتل" مستقل أمنياً وعسكرياً بعيداً من واشنطن لن تكون بنفس الفاعلية والقوة وخروج الإدارة الأميركية من الناتو لن يحدث

وذكر ساترفيلد: "ستفضل بكين أن يكون ذلك تقييماً سياسياً سائداً، إلا أنه في واقع الأمر ليس حقيقياً"، موضحاً: "إذا نظرنا إلى الموقف الصيني من الحرب منذ بداية اندلاعها في نهاية فبراير الماضي، وحتى مع التطورات التي أحدثتها، سنجد أن بكين قد التزمت الصمت إلى حد كبير خلال كل هذا الصراع". وتابع: "لا تمتلك الصين الموارد التي تمتلكها الولايات المتحدة للمساعدة في حماية دول المنطقة والخليج من إيران. في نهاية المطاف، لن تستطيع بكين التفاوض بشأن القضايا النووية أو أي قضايا أخرى مع طهران، لكن الولايات المتحدة وحدها هي التي تستطيع فعل ذلك، سواء كان ذلك جيداً أم سيئاً من وجهة نظر البعض"، على حد وصفه.

وتابع ساترفيلد، "ما ترغب فيه الصين هو محاولة وضع نفسها في موقع يسمح لها بالاستفادة من أي شيء يحدث في نهاية هذا الصراع"، مشيراً إلى أن "المصالح الحقيقية لبكين تكمن بالأساس في رؤية وصول هذه الحرب لنهايتها حتى تعود إمدادات النفط الإيراني إليها، إذ تحصل الصين على نحو 80 في المئة من إجمالي الصادرات النفطية الإيرانية، هذا هو اهتمامهم وتركيزهم الأساس، مصالح فورية متعلقة بالطاقة وليست استراتيجية"، مضيفاً: "لهذا لا أعتقد أن الصين تعاني أو تستفيد من هذا الصراع من الناحية الاستراتيجية".

وعلى رغم ما تملكه بكين من علاقات اقتصادية وطاقوية وتجارية واسعة مع إيران ووقعت معها في عام 2021 اتفاقاً شاملاً للشراكة الاستراتيجية كان الأول من نوعه بين البلدين، فإنه طوال أيام الحرب لم يتجاوز رد فعلها حد "الإدانة والاستنكار" للحرب باعتبارها خرقاً للقوانين الدولية، وعليه دعت في أكثر من مناسبة إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية، مع دعم كلامي لطهران في "الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وكرامتها الوطنية"، بجانب هذا لعبت الصين أدواراً سياسية "خلف الكواليس" لتسهيل المفاوضات السياسية بين الأطراف، وفق ما ذكرت تقارير إعلامية غربية، ما عكس محاولتها الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وأخطار تعميق التوتر مع واشنطن.

المزيد من حوارات