Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ثنائية "آشا" الروائية تستعيد ذاكرة النوبة المصرية

سمر نور توثق معالم المجتمع النوبي وهويته التاريخية

نوبيات مصريات يحملن دمى خشبية تقليدية كتذكارات أثناء انتظارهن للسياح في قرية غرب سهيل بمدينة أسوان (رويترز) 

ملخص

تتجاوز الرواية النوبية الوظيفة الجمالية للأدب، لتتحول إلى أرشيف حي يقاوم النسيان والتلاشي، تستعيد المكان والزمان والتاريخ، وتعيد الاعتبار لهامش، طالما كان غائباً عن السرد الرسمي.

في ثنائيتها "آشا – الجعران والقمر" و"آشا – يوم وصول الرجل الأحمر" (دار ديوان)، توثق الكاتبة سمر نور ملامح المجتمع النوبي وبنيته الأنثروبولوجية. وتجعل من السرد وسيلة لحفظ الهوية ومقاومة الغياب. وهي غاية تتبدى منذ العتبة الأولى للروايتين، فاختيار اسم "آشا"، فضلاً عن ارتباطه بالمجتمع النوبي وتداوله التاريخي فيه، يحمل  دلالة رمزية تحيل إلى النور الذي يولد من قلب العتمة.

وهو المعنى الذي تجسده البطلة بوصفها مركزاً دلالياً في النصين، وجسراً يربط بين الأجيال والشخوص، ويصل في الوقت نفسه بين واقع غائب وذاكرة جمعية حية.

تنهض أحداث الرواية الأولى على لعنة أصابت قرية "الشباك" النوبية، تتكشف مع إدراك سكانها أن نساءهم لم يلدن على مدى أعوام متعاقبة سوى الإناث. أما الرواية الثانية، فتنطلق من حدث مركزي يتمثل في وصول قائد إنجليزي أرسله الخديوي إلى قرى النوبة، لدحر جيش المهدي ومعاقبة النوبيين الذين ساندوه ومدّوه بالطعام والمؤن.

وبينما تتشارك الروايتان الفضاء المكاني ذاته، والبطلة الرئيسة "آشا"، يتباين زمن السرد وأسلوبه، إذ تنتهج الكاتبة في روايتها الأولى أسلوب الراوي العليم، في حين تختار تعدد الأصوات في الرواية الثانية، لتتولى السرد 12 شخصية، مما يسمح بتمثيل أوسع للمجتمع النوبي، ويعكس فئات عمرية وطبقات متفاوتة، تشرّح نور عبرها علاقات اجتماعية معقدة.

ميراث الحكي

تشرع الكاتبة رحلتها في "آشا – الجعران والقمر" باستدعاء الصيغة التراثية للحكي الشفوي النوبي "تقول الرواية النوبية: حكاية... حكاية من الله. يرد قارئ الرواية: خير... خير من الله" (صفحة 7)، فتعلن ضمناً عبر هذا الاستهلال عن انتماء عوالم النص لموروث جماعي، انتقل إليها من الأسلاف، وتهيئ قارئها لمساحات من الفانتازيا والأسطورة، وتجعله منذ اللحظة الأولى عنصراً مشاركاً في طقس الحكي.

ومع تدفق السرد تتكشف المكانة البارزة التي حظي بها التراث الشفوي في المجتمع النوبي، وتتجلى هذه المكانة عبر شخصية الجدة الحكاءة التي يلتف حولها أبناء القرية ويجلونها، ولا سيما غير المتزوجات، اعتقاداً بأن الفتيات اللاتي لا يستمعن إلى حكاياتها، لا يحصلن على حظ من الزواج. كذلك، توظف الكاتبة هذه الحكايات في تحريك الأحداث، فكانت حكاية الفتاة التي نزلت تحت الأرض، وسيلة "آشا" لمقاومة رغبة أبيها في الزواج مرة أخرى، ومحاولة مبطنة لإقناعه بالعدول عن تلك الرغبة، "أدرك نوري مغزى الحكاية التي اختارتها من حكايات فاتي، وأدرك أنها عرفت شيئاً عن رغبته في الزواج فقال لها: نامي ولا تخافي، أنت ملكتي حتى الموت" (صفحة 38).

كذلك كانت حكاية الذبابة التي حطَّت على جرح التمساح في الرواية الثانية، مرآة كشفت عن حجم العطب في نفس "حمدون"، والخراب الذي جرَّته وشايته على أهل القرية.

ظلال تاريخية

ينزع السرد إلى استدعاء الماضي عبر تجسيد الأثر واستعادة بعض الوقائع التاريخية الثابتة التي تبرز هوية النوبة وعمقها الحضاري، فتستدعي الكاتبة "أماني ريناس" ملكة كوش المحاربة التي حكمت أراضي النوبة وحافظت على استقلالها وسيادتها، وتستدعي كذلك الملك النوبي "طهرقا"، وتربط بين حصن إبريم وقادته الذين أرسلهم الخليفة العثماني سليم الأول وبين جذور واحدة من الشخصيات الرئيسة في الرواية "كرم باش".

كذلك توظف موقعة جزيرة فيلة ومطاردة الحملة الفرنسية للمماليك، في بناء الحبكة، إذ تسفر المعارك مع الفرنسيين ومن بعدها حملات محمد علي باشا، عن موت اثنين من أبناء "نوري" و"فاتي" اللذين يتجهان إلى الجبل بعد موت كل أبنائهما، وبعد حلول اللعنة على القرية، ليلتجئا إلى مغارة الجعارين التي تبدأ منها الأحداث. وتعمد الكاتبة عبر تلك الاستدعاءات إلى تعميق البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات، كما تعزز من خلالها واقعية السرد، وتحيي تاريخاً مسكوتاً عنه لهامش ظلمته الوثائق والسرديات الرسمية.

وفضلاً عما تستحضره من حقائق، تطرح كثيراً من القضايا التي لا تزال تضرب في عمق الوعي والضمير الإنساني، ولا سيما قضايا الفقر والجوع والمرض والعبودية. وتثير أيضاً قضايا سرقة آثار القدماء، والحضارة التي تتحول إلى عبء على عاتق أمم تمتلك ماضياً عريقاً، في حين تفقد حاضرها ومستقبلها.  

بناء العالم الروائي

توثق الكاتبة على مدى رحلتها السردية، روافد متنوعة للموروث الشعبي النوبي، وتعمد إلى توظيفه في تشكيل الشخصيات وبناء العالم الروائي وإنتاج مستويات متعددة من المعنى. ويتجلى في الأغاني والاحتفالات والرقص الجنائزي ورقص الكف والأزياء "الجرجار".

ويتجلى كذلك في الطب الشعبي، والمفردات النوبية التي تتناثر في مواضع متفرقة من النسيج مثل "الجورباتي" و"نهارمس" و"الإركبي" وغيرها، وكذلك في الأمثال والمعتقدات مثل الاعتقاد بأن رياح الخماسين "جنيب" هي أرواح الموتى، وفي الطقوس مثل اللجوء إلى الحسابات الفلكية لتحديد مدى تناسب زوجين لبعضهما، واليوم الأنسب لزواجهما. وترصد نور كثيراً من العادات النوبية، ولا سيما تلك التي تبرز مكانة الرقم "سبعة" وقدسيته، "

تُعِد العروس قرص كابد... وتملأ سبع مرات بكف يدها اليمنى من العجينة وتسوي القرص كإعلان لإتقانها أعمال البيت أمام والدة العريس... أمسكت زينب يد ابنها وهو يلف مع عروسه سبعة بيوت لتقدم لهما أطباق الفشار والبلح والحلوى" (صفحة 88). ويعزز الحضور الكثيف للموروث النوبي صدقية السرد ويحقق له غايته الرئيسة في حفظ الهوية النوبية من الاندثار.

حضور النهر    

يتجاوز حضور النهر في الموروث النوبي تلك العلاقة النفعية القائمة على الزراعة والاستقرار، إلى مرتبة القداسة الشعبية والارتباط الروحي العميق. وتنقل الكاتبة مكانته في ثقافة النوبيين وتراثهم ومختلف جوانب حياتهم، فتستدعي ألعاب الأطفال المرتبطة بالسباحة في مياهه مثل "الواك وكيه" أو إوز الماء، وتتطرق إلى الخشية منه والإيمان الراسخ بوجود حياة موازية في أعماقه يتقاسمها ناسه الطيبون "الأمن نتو"، والأشرار "الأمن دوجر"، وفتيات الأمانجي المحاربات اللاتي يعملن على ردع مخلوقاته الشريرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتستدعي عادات إلقاء البلح في مياهه، وحرص النساء على تقديم الهدايا له من أجل الإنجاب. كذلك تبرز من خلال زواج "آشا" و"كرم باش" طقوساً يحرص عليها الزوجان، خلال الأيام السبعة الأولى من زواجهما، تبدأ بزيارة النهر كل صباح، قبل الطواف سبع مرات حول نخلة ذات فسائل. وتضيء مركزية النهر في موروثهم الحكائي "ذات مرة كان هناك رجل يربي ضفدعة مسحورة في صندوق، وكان لديه بنت غاية في الجمال... استطاع الدوجر المتنكر في هيئة إنسي أن ينفذ طلب الأب. أقام الأفراح كأي بشري. ثم أخذ زوجته وقال لها: سوف نسبح في النهر معاً، وما إن نزلت معه حتى تحوَّل إلى تمساح وابتلعها ودخل بها في القصر المائي الأخضر فاكتشفت عينيه الطويلتين وعلمت أنها قد تزوجت دوجراً" (صفحة 69).

لعبة المرايا

يمضي السرد في بنية من التماثلات والتقابلات تعكس تعقيد النفس الإنسانية ومأزوميتها، فيبرز التماثل بين الجعران الذي يعشق القمر في الأسطورة، وبين "جمال"، العبد الذي يعشق سيدته، وكلاهما يجنيان الشقاء نفسه من عشقهما المستحيل. ويتماثل أثر فراق الحبيبة على نفس "داوود"، وأثر سوط رجل الخديوي على ظهره. في حين يبرز التقابل بين وضوح عالم النهر السفلي، وغموض عالم البشر الذي يختلط فيه الخير بالشر حتى داخل القلوب.

ومن رحم التقابل يتولَّد الصراع على المستويين الداخلي والخارجي، فيندلع بين محاربات الأمانجي والأمن دوجر، وبين جيش المهدي وجنود الخديوي، وبين القائد الإنجليزي وأهل قرية الشباك. أما على المستوى الداخلي، فيحتدم في دواخل العبد "عبد السيد"، بين رغبة في الثأر لحريته المسلوبة، وإشفاق على سيده.

كذلك يتأجج في نفس "كرم باش" المنقسمة بين حلم بالقيادة وواقع يعيش فيه تابعاً. وفضلاً عن دوره في تحريك الأحداث والكشف عن دواخل الشخوص، يعزز الصراع نبرة التشويق بالسرد، وتدعمها القفزات والمفارقات الزمنية، ولا سيما في نص "الجعران والقمر"، "كانت أحب لعبة لكرم وتمنى كثيراً أن يلعبها، سيفعلها وهو شاب حين يغرق مركبه ويصل إلى الشاطئ دون أن يلحقه الموت" (صفحة 14).

الوصف والمشهدية

يتضافر الوصف والتقنيات السينمائية في تشكيل المشهد السردي، فتعمد الكاتبة في "الجعران والقمر" إلى وصف ملامح القرية ونهرها وبيوتها، "شمس عصاري الشتاء البرتقالية تكلل جبالاً في الخلفية كأنها أبنية هرمية منتظمة. في الوسط، تبدو بيوت الشباك واضحة فوق مرتفع، بألوانها الطينية والبيضاء. أسفلها الوادي، حيث السهل الفيضي تغطيه المزروعات الخضراء" (صفحة 16).

وتتمكن عبر الوصف من استعادة بقعة طواها العدم، وتجسيد كائنات خيالية لا مقابل لها في الواقع. كذلك تستعير من اللغة السينمائية تقنيات القطع والتلاشي، وحركة الكاميرا وتنوع أحجام اللقطات "الأطفال يجرون بعيداً عن كرم، وبعد أن خلا الطريق تماماً من الجميع كان بسطان يلوح بمشعله" (صفحة 69). وفي رواية "يوم وصول الرجل الأحمر" تواصل نور توظيفها للتقنيات السينمائية، فتعمد إلى استخدام أسلوب "الفلاش باك"، وتضمّن بعض المشاهد، ولا سيما مشهد جلد "داوود" بالسوط، لقطات اعتراضية، استدعاها البطل من ذاكرته، مستحضراً واحدة من فتيات الأمانجي التي جمعته بها علاقة سرية سابقة، "لم أحكِ عنها لكنها ظلت ذنبي الوحيد ورفيقتي السرية. السياط تشعل عظامي كما يشتعل الحطب، فتعلو آهاتي كلظى النيران. ألم السياط كألم الفراق بعد عشق" (صفحة 60). ويسهم هذا الحضور الكثيف للوصف والتكنيك السينمائي في بث الحياة والحركة داخل النسيج، محولاً السرد إلى صور بصرية نابضة، كما يمنحه كثافة حسية تعزز قدرته على استثارة الخيال.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة