ملخص
يوجد 36 نوعاً من الثعابين في مصر، بينهم تسعة سامة، أخطرها "الكوبرا المصرية"، التي يراوح طولها بين متر ونصف ومترين وتتميز بأنها تفرد ضلوع رقبتها لتكوين القلنسوة العريضة "تشريعة الكوبرا"، وتنتشر في كل محافظات وادي النيل من الفيوم إلى الإسكندرية، باستثناء شمال شرقي مصر في محافظات بورسعيد والإسماعيلية وسيناء وأطراف دمياط.
لم تعد قصص لدغات الثعابين مجرد حكايات (خيالية) ريفية عابرة تُحكى في جلسات أهل القرى بمصر، بل تحوّلت إلى (واقع) أحدث قلقاً لدى مصريين خلال الأوان الماضية، على وقع تكرار حوادث الإصابات والوفيات الناجمة عنها في مدن ومحافظات متفرقة في غضون أيام متقاربة.
وخلال الأيام الماضية، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمصر أخيراً، إثر تسبب لدغات ثعابين قاتلة من نوع "الكوبرا" في وفاة ثلاثة أشخاص (سيدة وطفلين)، إضافة إلى إصابة 10 آخرين، بمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية (شمال مصر) في أثناء عملهم بالأراضي الزراعية.
ولم تكن تلك هي الواقعة الأولى من نوعها بل تزامنت معها سلسلة من الحوادث الأخرى في محافظات متباينة جغرافياً، ففي محافظة الوادي الجديد (جنوب غربي مصر) أصيب أربعة أشخاص نتيجة لدغات، بينهم طفل، وجرى نقلهم إلى المستشفيات لتلقي الأمصال.
فيما نجح فريق طبي بمستشفى حميات بنها بمحافظة القليوبية (شمال العاصمة المصرية القاهرة) في إنقاذ حياة شخص تعرض للدغ ثعبان سام، بعدما وصل إلى المستشفى في حال حرجة عقب تعرضه لتوقف مفاجئ في عضلة القلب، كذلك تداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي لقطات لثعبان يلتف حول جانب أحد السلالم بالتجمع الثالث بالقاهرة الجديدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان انتشار تلك الزواحف طبيعياً أم يفوق المعدلات الطبيعية؟ ولماذا لم يعد الزحف مقصوراً على قرى الدلتا ومحافظات الصعيد وامتد إلى المجمعات السكنية بالمدن الجديدة وأطراف العاصمة؟ وما خطط المواجهة الحكومية لتمشيط بؤر الخطر وتطهير المصارف لإعادة التوازن البيئي؟
أي أسباب تقف وراء انتشارها؟
يعزو رئيس وحدة الحياة البرية بجهاز شؤون البيئة بمصر الدكتور محمد إسماعيل انتشار الثعابين إلى "اشتداد درجات حرارة الصيف حالياً"، موضحاً أنه "نمط موسمي متكرر نتيجة التغير المناخي"، إذ تعد تلك الزواحف من ذوات الدم البارد، التي تستمد حرارتها من البيئة المحيطة، فـ"تلجأ إلى الهرب من جحورها إلى مناطق الظل، لتبريد أجسامها للتكيف مع درجات الحرارة".
ويضيف إسماعيل، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن الثعابين تنتشر في كل ربوع مصر، لكن يكثر نشاطها بصورة ملحوظة "في الأماكن القريبة من الظهير الصحراوي"، لافتاً إلى أن الأنواع الأكثر سُمية وخطورة تنتشر في محافظات الصعيد على عكس الحضر.
ويقول المتخصص في معهد بحوث الصحة الحيوانية بمصر الدكتور إيهاب هلال، إنه على رغم عدم وجود إحصاء رسمي دقيق يرصد تعداد انتشارها حالياً، فإن كل الشواهد تشير إلى أن "معدلاتها متزايدة حالياً وتشبه فترة ما حدث عام 2018"، مشيراً إلى أن هناك عوامل أخرى إضافية إلى جانب حرارة الطقس المرتفعة تتحكم في معدلات انتشارها، فتنشط في أعوام وتقل في أخرى.
ويرجح هلال أن انتشارها حالياً ناتج من "انخفاض مستوى المياه الجوفية عن المعدل المتعارف عليه سنوياً، إذ يؤدي هذا الانخفاض إلى جفاف الجحور التي تختبئ بها، فيضطر الثعبان إلى البحث عن أماكن ذات رطوبة عالية تصل إلى 80 في المئة لإجراء عملية الانسلاخ الجلدي، التي يقوم بها نحو ثلاث لأربع مرات سنوياً، فيتحرك للأماكن التي تشهد أنشطة سكانية كونها ذات رطوبة عالية".
وإضافة إلى عاملي المناخ وتغيّره والمياه الجوفية وجفافها، يلفت المتخصص الدولي في المحميات الطبيعية والحياة البرية والتنوع البيولوجي بـ"اليونسكو" الدكتور عاطف محمد كامل النظر إلى وجود عامل ثالث رئيس أيضاً وراء تزايد انتشار تلك الزواحف، وهو "تراجع أعداد حيوان النمس المصري (العدو الأول للثعابين)، بسبب عمليات الصيد الجائر وبيعه وتهريبه، على حد قوله.
ويصف كامل حيوان النمس بأنه "المقاوم البيولوجي وآكل الثعابين الوحيد، ومنها ثعبان الكوبرا، أكثر الأنواع خطورة"، إذ يتعمّد إصابة من يقترب منه بـ"بخ سمومه" وليس العض مثل بقية الأنواع الأخرى، فيصيب الجهاز العصبي والتنفسي مباشرة ويسبب أضراراً صحية خطرة.
لكن على الوجه المقابل، يرى رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة المصرية الدكتور محمد فهيم أن "هناك نشاطاً نسبياً للثعابين العام الحالي، لكنها أقل نسبياً من عامي 2018 و2020، وهما عامان كانا شديدي الحرارة صيفاً"، مؤكداً أن هناك حالات لدغ ثعابين تحدث يومياً كل صيف، لكن ما أثار حال القلق والفزع عبر منصات التواصل الاجتماعي "هو وقوع حالات وفاة، بسبب تلك اللدغات في بعض المناطق".
ويرى فهيم أنه لا توجد علاقة بين هذه الظاهرة ووجود أو عدم وجود الكلاب الضالة في هذه المناطق، موضحاً أن تلك الأقاويل لا تمت للحقيقة بصلة، مشيراً إلى أن سبب نشاط الثعابين وخروجها من جحورها ومناطق وجودها أنها تحتاج إلى تبريد أجسامها في المناطق الرطبة وبين الحشائش، مما يجعلها تحتك أحياناً بمناطق وجود المواطنين.
ويرجح المسؤول بوزارة الزراعة المصرية، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن تداول مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي انتشار بعض الثعابين في أماكن قريبة من أطراف المدن الجديدة يرجع إلى تزايد أعمال الإنشاءات والبناء في الكومباوندات، موضحاً أن الثعابين بطبيعتها تبحث عن السكون لا الضوضاء، لذلك تهرب من الأماكن التي تشهد صخباً لتبحث عن أماكن هادئة، علاوة على أنها بطبيعتها ليست هجومية للإنسان إلا لو اقترب منها أو لمسها أو حاول استفزازها، لأنها قادرة على استشعار حرارة الجسم، وتبحث أحياناً على ما تتغذى عليه مثل بعض الكائنات الصغيرة.
ما هي أبرز الثعابين في مصر؟
يشرح المتخصص في معهد بحوث الصحة الحيوانية بمصر الدكتور إيهاب هلال دورة حياة الثعبان التي تمر سنوياً بمراحل عدة، تبدأ بفترة البيات الشتوي داخل الجحور على أعماق تراوح ما بين 50 و70 سنتيميتراً تحت الأرض خلال الفترة من سبتمبر (أيلول) وحتى أبريل (نيسان)، يعقب ذلك مرحلة التزاوج والنشاط المكثف خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، ثم وضع البيض في يوليو (تموز) التي تشتد فيه درجات الحرارة، ثم تبدأ في مرحلة الانكماش تدرجا في أغسطس (آب)، وتختفي نهائياً في سبتمبر (أيلول).
ويوضح أن هناك 36 نوعاً من الثعابين في مصر، بينهم تسعة سامة، أخطرها "الكوبرا المصرية"، التي يراوح طولها بين متر ونصف ومترين وتتميز بأنها تفرد ضلوع رقبتها لتكوين القلنسوة العريضة "تشريعة الكوبرا"، وتنتشر في كل محافظات وادي النيل من الفيوم إلى الإسكندرية، باستثناء شمال شرقي مصر في محافظات بورسعيد والإسماعيلية وسيناء وأطراف دمياط.
فيما تنتشر أنواع أخرى من الثعابين في محافظات الصعيد مثل الكوبرا "البخاخة"، التي لها القدرة على بصق السم لمسافة تزيد على مترين في اتجاه عيون الإنسان إذا ما جرى استثارتها، مشيراً إلى أن الثعابين بطبيعتها تنشط ليلاً، لأنها فترة توفر فرائسها من الفئران والأبراص والسحالي، وهناك أنواع تتغذى على الثعابين الأخرى الصغيرة الحجم.
ويشير الدكتور عاطف محمد كامل، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى أن هناك أنواعاً من الثعابين الشديدة السمية والخطورة، تمتلك غدداً وأنياباً لحقن السم، أبرزها "الكوبرا المصرية"، و"الكوبرا النوبية"، والأفعى المقرنة (الطريشة) والأسود الخبيث (بثور الأنابيب)، وأفعى الأهرام (الغريبة)، وهناك أنواع "غير سامة مسالمة" وتفر في الغالب عند مواجهة البشر، مثل الثعبان الأرقم، الدساس (البويا الرملية المصرية)، ثعبان الماء (النرد)، وثعبان الحقل الأسود، والثعبان الصخري.
هل علينا قتل الثعابين عموماً؟
يجمع المتخصصون على أن هناك كثيراً من المغالطات يجري تداولها في شأن الثعابين بمصر وتؤثر بصورة سلبية في التوازن البيولوجي، فهناك كثير من الثعابين "غير السامة" لها فوائد وتقوم بدور مهم في التوازن البيئي بالتغذية على الفئران والضفادع، إضافة إلى أن ثعبان الكوبرا ليس "ثعباناً مائياً"، لكن ينتشر في المناطق الجافة التي يوجد بها رطوبة بالدرجة المطلوبة لإتمام عملية الانسلاخ، مطالبين بضرورة "فرز أنواع الثعابين المنتشرة بكل محافظة".
ويشدد الدكتور عاطف محمد كامل على حتمية عدم قتل الثعابين "غير السامة" حفاظاً على التوازن البيولوجي، موضحاً أنه على رغم عدم وجود "قائمة حمراء مصرية" مخصصة للثعابين حصراً، فإن كثيراً من الأنواع الموجودة في مصر مُدرجة في القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)،
ويضيف، "بينما تُصنف كثير من ثعابين الصحراء المصرية ضمن فئة أقل قلقاً نظراً إلى انتشارها الواسع في الصحراء الكبرى، تواجه بعض الأنواع المحدودة النطاق تهديدات عدة، مثل الكوبرا الصحراوية، وهي مُدرجة ضمن فئة معرضة للانقراض، وهي ثعبان صحراوي شديد السمية، ومستوطن في الشرق الأوسط، ويواجه تهديدات مستمرة ناجمة عن الملاحقة البشرية والتوسع الزراعي وتدهور الموائل".
أيضاً يلفت كامل إلى "ثعبان البيض المصري وهو مُدرج ضمن فئة مهدد بالانقراض، وهو نوع محدود الانتشار للغاية يواجه تهديداً شديداً بسبب استمرار التجارة غير المشروعة في الحياة البرية، إضافة إلى الكوبرا المصرية المُصنفة عالمياً ضمن فئة أقل قلقاً، وعلى رغم انتشارها الواسع في أفريقيا، فإن المجموعات المحلية في شمال مصر تواجه ضغوطاً ناتجة من التوسع الزراعي والعمراني".