ملخص
يقول متخصصون إن "الشلاتر" تعتبر أحد الحلول الجوهرية للقضاء على بيزنس بعض المؤسسات، التي تستغل الكلاب سواء في سحب عينات دماء منهم وتصديرها للخارج أو تلقي معونات مالية مقابل إطعامهم دون القيام بذلك، منوهاً إلى أنه يجب الصبر على تلك التجربة، لأنها ستُحقق عوائدها على المدى الطويل، وقد تلقى هجوماً من البعض في المرحلة المقبلة.
بنظرات غاضبة لا تخلو من الدهشة والتعجّب، وقفت السيدة الخمسينية عفاف إسماعيل (اسم مستعار)، أمام منزلها الكائن بحي بولاق الدكرور الشعبي بمحافظة الجيزة، تراقب حركة الكلاب المنتشرة في كل أرجاء الحي، التي تُحاصر صناديق القمامة وتُفرّغها من محتوياتها، وتتجوّل بحرية أمام البيوت السكنية والمحال التجارية، وتعترض المارة في أثناء سيرهم أحياناً، وتلاحق السيارات أحياناً أخرى.
لم تخف السيدة الخمسينية، ربة منزل وأم لثلاثة أبناء في مراحل عمرية مختلفة، ضيقها من تلك الكلاب، التي تزداد أعدادها يوماً تلو الآخر، إضافة إلى شكواها من النباح المستمر، إذ تعوي طوال ساعات الليل، وخوفها على أبنائها من تعرضهم للعقر من كلب قد يكون مُصاباً بمرض السعار، أو لديه شراسة زائدة في أثناء نزولهم لقضاء حاجات المنزل أو الذهاب لمدارسهم أو مقابلة زملائهم.
كان أكثر ما يؤرق عفاف، حين تطالع أخباراً على المواقع الإخبارية أو محطات التلفزيون أو منصات التواصل الاجتماعي عن عقر كلب مواطناً في منطقة أو محافظة ما، مما جعلها وجيرانها يستغيثون بالوحدات الصحية والاتصال بالأرقام المخصصة للشكاوى للإبلاغ عن تلك الكلاب، أملاً في الوصول إلى حل لمجابهة الانتشار الكبير لتلك الكلاب.
المعاناة ذاتها، يعيشها أحمد جاد (45 سنة)، مالك أحد المحال التجارية ويقطن بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، إذ يواجه كابوساً مفزعاً يتكرر يومياً أمام عينيه، بسبب كثرة الكلاب التي تطارد مكان رزقه بصورة يومية، وتلاحق في كثير من الأحيان زبائنه، مفترشة الأرض للنوم في محيط المحل، بخلاف الإزعاج المستمر، مشيراً إلى أن كثيراً من الزبائن يضطرون في بعض الأحيان إلى الذهاب لمحال أخرى هرباً من الكلاب التي اتخذت من ساحة المحل مأوى لها.
اعتاد جاد سماع الأخبار التي تصل إليه من جيرانه بالمدينة نفسها عن مطاردة الكلاب للسكان في أثناء سيرهم بالشارع، أو تسببها في نشر القمامة في الشوارع أو وجود بعض الكلاب التي تهاجم المارة، مما يجعله يخشى أحياناً الخروج مبكراً، أو في أوقات متأخرة خوفاً من التعرض لهجوم مفاجئ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم محاولات جاد المتكررة استخدام كل الوسائل التقليدية لإبعادهم عن مكان رزقه والشكوى للجهات المختصة من أجل شن حملات لتجميعهم، فإن محاولاته لم تفلح ليقرر الاستسلام للأمر الواقع.
وتعالت خلال الأيام القليلة الماضية صيحات واستغاثات كثير من المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بضرورة إيجاد حلول جذرية لتلك المعضلة التي تحوّلت، وفق متخصصين، لـ"أزمة خطرة" بعد تزايد الشكاوى من وقائع عقر مواطنين في محافظات مختلفة، وسط تباين واسع في الرؤى بين من يرون ضرورة التخلص منها، إما بقتلها أو إخصائها، أو تصديرها للخارج مقابل الحصول على عوائد مالية، وبين من يرون ضرورة الحفاظ على بقائها لعدم الإخلال بالتوازن البيئي.
وتعرضت مصر خلال الأشهر الماضية لسلسلة من حوادث عقر الكلاب مواطنين في أماكن ومحافظات مختلفة، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أصيب 18 شخصاً بقرية العتمانة بمركز البداري بمحافظة أسيوط في صعيد مصر بعدما عقرهم كلب مسعور في أثناء سيرهم في الشارع، وفي الشهر ذاته شهدت منطقة الكرور بمدينة أسوان (جنوب مصر) حالة ذعر بين الأهالي على أثر واقعة عقر كلب ضال عدداً من المواطنين بينهم أطفال وسيدات ورجال.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصيب أربعة مواطنين، بينهم طفلان، بجروح متفرقة بعدما عقرهم كلب ضال في أثناء سيرهم بمركز دار السلام شرق محافظة سوهاج (جنوب مصر)، وفي الشهر ذاته لفظ طفل أنفاسه إثر تعرضه لهجوم كلب ضال التهم رقبته أثناء لهوه أمام منزله بقرية دقدوقة التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة (شمال مصر). وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، لقيت طفلة مصرعها متأثرة بإصابتها بعدما عقرها كلب داخل كمبوند بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة.
وفي أغسطس (آب) الماضي شهدت منطقة العجمي غرب الإسكندرية، حادثة عقر كلب ضال لـ12 شخصاً، بينهم أربعة أطفال.
"اندبندنت عربية" تتبعت خيوط ومسارات تلك القضية، وتواصلت مع كل الجهات الرسمية المعنية لمعرفة أسباب الأزمة وتداعياتها والحلول المطروحة لعلاجها.
جزء من التوازن البيئي
في البداية، تقول رئيسة مؤسسة حماية الحيوان، حنان دعبس، إن الحديث عن زيادة أو نقص أعداد كلاب الشوارع في الوقت الحالي "مجرد أقاويل لا تستند إلى أي أساس علمي"، وتُستخدم لـ"إثارة الذعر أو تبرير العنف"، بحسب تعبيرها، مشيرة إلى أنه لا يوجد أي حصر رسمي صادر عن أي جهة حول أعدادها.
وفي اعتقاد دعبس، التي تشغل أيضاً منصب نائب رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، أن المشكلة ليست في كلاب الشارع نفسها، بل في الطريقة التي يُعاملون بها، مشيرة إلى أن الخوف الشديد من تلك الكلاب يجعل كثيراً من الناس يتخيلون أنها خطرة حتى لو لم تقم بأي سلوك عدواني، فحينما يتعرّض الكلب للقسوة أو الضرب أو المطاردة قد يدافع عن نفسه فيبدو شرساً، مردفة "كلاب الشارع ليست شرسة بطبيعتها، لكنها طيبة ومسالمة".
وتضيف، "وجود كلاب الشوارع ليس ظاهرة جديدة، لأنها تعيش إلى جوار الإنسان منذ آلاف الأعوام تشاركه حياته وتحرسه وهو يرعاها"، بحسب تعبيرها.
ومصر ليست الدولة الوحيدة التي لديها حيوانات شارع، فهناك دول بها "قرود وغزلان وإوز بري، وحتى دببة" تعيش قرب البشر، مؤكدة أن وجود هذه الحيوانات "جزء من النظام البيئي، وليس مشكلة بحد ذاته".
وفي تقدير رئيسة مؤسسة حماية الحيوان أن الحل العلمي لتقليل أعداد تلك الكلاب يتمثل في عمليتي "التعقيم والتطعيم فقط"، والحل الوحيد المثبت علمياً في العالم هو "التعقيم والتطعيم وإعادة الإطلاق"، أما القتل أو نقل الكلاب من أماكنها يؤدي إلى زيادة الأعداد بسبب "الفراغ البيئي"، ولم ينجحا في أي دولة طبّقتهما ويخلقان فوضى ويزيدان الشكاوى بدل حلها.
وترى دعبس أن إنهاء المشكلة جذرياً يتطلب إجراء حملات للتوعية العامة في الإعلام و"السوشيال ميديا" لتصحيح المفاهيم، وإدراج الرفق بالحيوان في التعليم، لخلق جيل يعرف الرحمة وأهمية التوازن البيئي، والتوعية بالخطاب الديني الصحيح الذي يدعو إلى الرحمة لا العنف، علاوة على التعقيم والتطعيم وإعادة الإطلاق، وليس القتل أو النقل، لأنهما يفاقمان المشكلة بدل حلها.
هل تصدير الكلاب الحل الأمثل؟
فيما يختلف أستاذ المحميات الطبيعية وعميد معهد البيئة السابق الدكتور عمر تمام مع القول السابق، موضحاً أن كلاب الشوارع أصبحت مشكلة خطرة وكارثية ينبغي التعامل معها بجدية حفاظاً على أرواح المواطنين، مشدداً على أن انتشار تلك الكلاب "يتطلب تدخلاً عاجلاً من كل الجهات لوضع حلول جذرية للقضاء عليها نهائياً".
ويعتقد تمام أنه لا جدوى من عمليات التعقيم والتطعيم لكلاب الشوارع بمصر، مُرجعاً ذلك إلى أن بعض الدراسات والأبحاث العلمية أثبتت أن الغرام الواحد من براز الكلب يحوي كثيراً من الميكروبات والطفيليات والديدان، التي قد تُسبب في بعض الأحيان أمراضاً خطرة مثل العمى والسرطان في حال انتقالها إلى البشر، فضلاً عن أن الكلب حين يُصاب بمرض السعار يموت بعد ثلاثة أيام، لأن الفيروس يصيب منطقة البلعوم في البداية ثم يصل إلى المخ ويُسبب الوفاة، وفي تلك الأثناء تكون عملية البلع مؤلمة للغاية فيتوقف الكلب عن الطعام والشراب، لذلك يُقال عليه إنه "عدو الماء"، مقترحاً أن تجرى عمليات التحصين لكلاب المنازل فقط، حتى لا تصيب أهل البيت والجيران وأفراد العائلة.
ويقدّر أستاذ المحميات أعداد كلاب الشوارع بما يراوح بين 10 و15 مليون كلب ضال، منوهاً إلى أن تلك الأزمة تعانيها بعض البلدان الأخرى، مثل المغرب، ولافتاً إلى أن كثيراً من بلدان العالم تضع ضوابط مُشددة لمنع انتشارها، وتشترط أن تكون هناك شهادة ورخصة لكل كلب، وأن يوفر مالكه أماكن إيوائه وتبرزه.
وفي تقدير تمام، فإن المسؤولية تقع على عاتق المحافظات والوحدات المحلية والطب البيطري، لافتاً إلى أن هناك سوء إدارة في هذا الملف، وينبغي التعامل معه بصورة أكثر صرامة، مقترحاً وسائل عدة للتخلص من تلك الأزمة، أبرزها، ضرورة أن تقوم كل محافظة بعمل جرد بأعداد الكلاب بها وتحديد الطريقة الأنسب للتخلص منها، علاوة على أن يقوم مالك الكلب بعمل "ميكروشيب"، (حقنة تُعطى تحت الجلد أشبه بشريحة محملة ببيانات لتمييز الكلب حال هربه إلى الشارع)، إضافة إلى إجبار مالكه على عدم تبرز الكلب في الشارع، فضلاً عن تفعيل دور وحدات الرصد الصحي البيئي، التي تضم في عضويتها "أطباء بشريين وبيطريين وزراعيين" لرصد أي حيوانات تضر بالإنسان والبيئة، إلى جانب وضع خطة واستراتيجية حتى ترفع كل المحافظات شعار محافظات "بلا كلاب ضالة" لإنهاء تلك الأزمة نهائياً.
وحظرت المادة (9) من القانون رقم 29 لعام 2023 بإصدار قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، حيازة واقتناء الكلاب دون ترخيص من مديرية الطب البيطري المختصة، فيما أوجبت المادة (12) من القانون ذاته، أن تُكمم الكلاب وتُقيد بقلادة مناسبة، بحيث تجري السيطرة عليها أثناء التنزه أو عند اصطحابها خارج حدود أماكن إيوائها.
الشلاتر هي الحل
يُعضد الطرح السابق، حديث الدكتور حامد موسى الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية التابعة لوزارة الزراعة المصرية، قائلاً إن الهيئة اتخذت خلال الفترة الماضية مجموعة من الإجراءات والضوابط الصارمة لمجابهة انتشار كلاب الشارع، عبر إنشاء "شلاتر" لتجميعها والعمل على رعايتها وتحصينها وتعقيمها وإطعامها، لافتاً إلى أن الهيئة تطبق الاشتراطات الخاصة باستراتيجية الدولة 2030 لمكافحة مرض السُعار، التي تعتمد على أربعة محاور رئيسة، وهي "الإمساك والتحصين والتعقيم والإرسال"، إضافة إلى تعليمات كل السلطات الرسمية والأجهزة التنفيذية بالحفاظ على التوازن البيئي بعدم قتل كلاب الشوارع وتجريم استخدام السم في التعامل مع تلك الحيوانات، موضحاً أن هناك توافراً في الأمصال وبكميات كبيرة، ولا توجد أزمة نقص فيها.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أعلنت وزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض أن وزارة الصحة تشتري سنوياً مصل السعار بما يوازي مبلغ 1.2 مليار جنيه لعلاج المواطنين الذين يتعرضون للعقر من الكلاب الضالة في الشوارع، وتبلغ كلفة تعقيم الكلب الواحد 100 جنيه (2.10 دولار) للمواد فقط، بينما تعقيم الأنثى يكلف الدولة 300 جنيه (6.30 دولار).
وفي تقدير الأقنص، فإن "الشلاتر" تعتبر أحد الحلول الجوهرية للقضاء على بيزنس بعض المؤسسات، التي تستغل الكلاب سواء في سحب عينات دماء منهم وتصديرها للخارج أو تلقي معونات مالية مقابل إطعامهم دون القيام بذلك، منوهاً إلى أنه يجب الصبر على تلك التجربة، لأنها ستُحقق عوائدها على المدى الطويل، وقد تلقى هجوماً من البعض في المرحلة المقبلة.
يضيف الأقنص، "إنشاء ’الشلاتر‘ جاء بعد تجاوب وزير الزراعة الدكتور علاء فاروق مع الفكرة، وتقديم كامل الدعم المادي لها من أجل مجابهة انتشار تلك الكلاب، وبدأت الإجراءات التنفيذية مع المحافظين في تخصيص قطع من الأراضي بـ12 محافظة، منها على سبيل المثال القاهرة الكبرى والقليوبية والجيزة والسادس من أكتوبر ودمياط والإسماعيلية والمنوفية، إضافة إلى تخصيص عربات والإمكانات اللازمة لجمع الكلاب وتعقيمهم وإطعامهم وإخصائهم ومنحهم الأمصال الدورية"، لافتاً إلى أنه سيجري تخصيص قطع الأراضي بتلك المحافظات حسب تعداد انتشار الكلاب بها، مشيراً إلى أن وزارة التنمية المحلية تتولى مسؤولية تخصيص الأراضي، وتراخيص "الشلاتر"، أما دور الهيئة فيقتصر على التحصين والتعقيم للكلاب.
وأرجع رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية الانتشار الكبير لأعداد كلاب الشوارع لأكثر من مشكلة رئيسة، أبرزها أنها تمر بدورتين لموسم التزاوج الأولى في الفترة الحالية، والثانية خلال موسم الربيع، إضافة إلى إلقاء مخلفات القمامة وقيام النباشين بتفريغ الصناديق من محتوياتها، مما يجعل الكلاب تحاصرها وتتجمّع حولها وتعتبرها مأوى لها، لافتاً إلى أن مشكلة كلاب الشوارع أزمة اجتماعية تتطلب تضافر كل الجهود المجتمعية وليست مقصورة على وزارة الزراعة أو التنمية المحلية أو الهيئة العامة للخدمات البيطرية أو مؤسسات الرفق بالحيوان.
ونوه الأقنص إلى أنه لا يوجد حصر دقيق بأعداد كلاب الشوارع حالياً، وكل الأرقام جزافية ووهمية، مشيراً إلى أن المتعارف عليه أن عمر الكلبة ما بين 20 و25 سنة، والكلبة الواحدة تنجب ما بين 30 إلى 40 جرواً سنوياً بما يعني أنها تنجب 1000 جرو في عمرها، منوهاً إلى أنه إذا جرت إزالة الرحم للكلبة فسيتم القضاء على تلك الظاهرة بالتدرج على مدى زمني من 5 إلى 10 أعوام.
وتعقيباً على وقائع عقر الكلاب يقول الأقنص، إن غالبية الكلاب المنتشرة في الشوارع آمنة ومحصّنة ومُعقمة، باستثناء نسبة قليلة قد تكون مصابة بمرض "السعار" أو لديها شراسة، وهي الكلاب التي دائماً ما تأتي من أماكن الظهير الصحراوي أو كانت مخصصة للحراسة في البيوت، ثم ألقاها أصحابها، منوهاً إلى أن الكلب حينما يكون مريضاً بالسعار فإنه يموت بعد 15 يوماً منها في الأقل من خمسة إلى سبعة أيام يكون مشلولاً غير قادر على الحركة، ثم يبدأ في مرحلة الهياج، وتكون تلك الفترة هي المقلقة، خشية أن يعقر أي شخص أمامه، لأنه يعتبره عدواً يهاجمه، لافتاً إلى أن المستشفيات لديها توافر في الأمصال، وتمنحها في حالة إصابة أي شخص، ومشيراً إلى أن بعض الكلاب قد لا تكون مُصابة بالسعار، لكن لديها شراسة زائدة.
وفي يناير (كانون الثاني) 2023، أعلن وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبدالغفار، خلال اجتماع لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب لمناقشة خطة الحكومة لمواجهة انتشار الحيوانات الضالة، أن "حالات العقر بدأت تتزايد بنسبة 20 في المئة سنوياً، وتضاءلت خلال فترة كورونا، ثم عادت للزيادة في 2022"، مشيراً إلى أن "القاهرة والجيزة والبحيرة" أكثر المحافظات تأثراً بالحيوانات الضالة وتعرضاً للعقر.
وعن مقترحات تصديرها للخارج للقضاء على الأزمة، يقول رئيس الهيئة، إنه لا يمانع تلك الفكرة لأي دولة تحتاج إليهم شريطة عدم قتلهم، وأن يجري تصديرهم أحياءً.
أفكار وهمية
في مقابل ذلك، تصف الناشطة في مجال حقوق الحيوان، الدكتورة دينا ذو الفقار مقترحات تصدير الكلاب كأحد الحلول للأزمة، بأنها أفكار "وهمية"، بحسب تعبيرها، مشيرة إلى أن حالة الذعر والقلق من تلك الكلاب ليست في محلها، معتبرة أن الدولة تسير بخطى ثابتة وجيدة وفي مرحلة "الريادة" في تعاملها مع تلك القضية، مستشهدة في ذلك بالبيانات التي سبق وأصدرتها وزارة الصحة المصرية بأن عدد حالات الوفاة بمرض السعار خلال عام 2024 بلغ نحو ثماني حالات فقط نتيجة الإهمال في التعامل مع الجروح وعدم غسلها جيداً أو الذهاب لمرفق صحي للوقاية منها على رغم توافر الأمصال اللازمة لعلاج تلك الحالات.
وتضيف ذو الفقار التي كانت تتقلد منصب ممثل المجتمع المدني في استراتيجية 2030 لمكافحة مرض السُعار، أن أعداد البلاغات والشكاوى من المواطنين في شأن كلاب الشوارع قد تكون تزايدت في الفترة الماضية، مرجعة ذلك إلى الإعلان عن استراتيجية القضاء على مرض السعار التي أطلقت عالمياً في ديسمبر 2015، وفي مصر عام 2021، وهو ما جعل البعض يتنبه إلى أهمية القضية، ويتخوّف من كلاب الشارع، مردفة "الأزمة الحالية تتلخص في زيادة وعي، لكن يقابلها نقص في المعلومات".
فيما يقترح أستاذ الإدارة المحلية الدكتور حمدي عرفة لإنهاء أزمة عقر المواطنين في القرى والنجوع من قبل كلاب الشوارع، إنشاء وحدات للسموم تتبع للوحدات الصحية وتخصيص أموال إضافية للمحافظين من الصناديق الخاصة للتعامل مع تلك الأزمة، علاوة على قيام كل محافظة بإصدار قرارات بانعقاد لجان ممثلة بها كل الجهات المعنية بالقضية لمتابعة التطورات والمستجدات بصورة دورية، ووضع خطة متبوعة بجدول زمني لإنهاء تلك الأزمة نهائياً.
يلفت عرفة النظر إلى أن هيئة الخدمات البيطرية لا تستطيع التعامل بمفردها مع انتشار الكلاب في مختلف المحافظات، وأن مديريات الطب البيطري تتحمّل المسؤولية بالتعاون مع المحافظين طبقاً لقانون الإدارة المحلية رقم 43 لعام 1979.
فيما ترى رئيسة الاتحاد المصري لجمعيات الرفق بالحيوان منى خليل، أن "هناك حملة ممنهجة بأغراض خبيثة من قبل بعض أصحاب المصالح تستهدف محاربة جمعيات ومؤسسات الرفق بالحيوان"، موضحة أن غالبية الجمعيات تعتمد على الموارد الذاتية والتبرعات، مثل كل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني بمصر، وتحصل على الأموال عبر الأطر الشرعية والرسمية، وهناك رقابة من الدولة على قوائمها المالية والموازنات الشهرية والسنوية لها، مستشهدة بـ"لجنة التنمية المحلية في البرلمان المنقضي حينما طالبت الجهات الرسمية بالكشف عن موارد جمعيات الرفق بالحيوان في الأعوام الخمسة الماضية فوجئت أنها لا تذكر وضئيلة للغاية".
وفي تقدير رئيسة الاتحاد، مؤسسات الرفق بالحيوان حققت نجاحاً على أرض الواقع لم يتحقق منذ 25 عاماً في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للقضاء على مرض السعار، التي تضمنت في جزء منها برنامج "صحة واحدة"، بالاشتراك بين عدد من الوزارات والجهات الدولية للقضاء على هذا المرض في العالم، وإنهاء حالات العقر، منوهة إلى أن هذا المرض موجود في كل الثدييات وكل حيوان يلد وليست الكلاب وحدها.
وفي تقدير منى، فإن كل بلدان العالم كانت تشكو من انتشار كلاب الشارع مثل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وكندا.. وغيرها، لكنهم طبقوا قبل أعوام استراتيجية "التعقيم والتطعيم"، ووضعوا ضوابط صارمة لتنفيذها وعمل "شلاتر" لاستيعاب الأعداد الإضافية، ونجحوا في إنهاء تلك القضية، مشيرة إلى أن مصر تسير على الطريق الصحيح، واختارت أن تعمل بالأساليب العلمية، وحققت نجاحات كبيرة في هذا الأمر، لافتة إلى أن تلك الشلاتر في بلدان الخارج كانت تستخدم لتجميع الكلاب المتبقية بعد إنهاء حملة "التعقيم والتطعيم"، بينما إنشاؤها في مصر بلا جدوى حالياً.
تضيف منى، أن البعض يدعي "كذباً"، أن مصر يوجد بها ما يُقارب 30 إلى 40 مليون كلب، وهو أمر غير صحيح، متسائلة "هل يُعقل أن تكون الهند الأكبر في المساحة وعدد السكان ولديها محاذير دينية في قتل الحيوانات ولديها ما يُقارب 30 مليون كلب شارع، أن تساويها مصر في الأعداد نفسها؟ مشيرة إلى أنه لا يوجد ما يستدعي الذعر لأن البعض يحاول تحريض الرأي العام لخدمة أغراض شخصية وإحراج مؤسسات الدولة بأنها غير قادرة على مجابهة تلك المشكلة.