ملخص
منذ أن وضعت إنجلترا قواعد كرة القدم الحديثة قبل أكثر من قرن ونصف القرن، ظل حلم استعادة أمجاد 1966 يراود جماهير "الأسود الثلاثة" جيلاً بعد جيل، واليوم وثب المنتخب الإنجليزي إلى نصف نهائي مونديال 2026 بقيادة قائده هاري كين ومدربه توماس توخيل، وسط تفاؤل بأن يكون هذا الصيف موعداً لإنهاء انتظار دام 60 عاماً، في مسيرة صنعها رواد اللعبة ونجومها من بوبي مور إلى ديفيد بيكهام وصولاً إلى كين.
قبل الخوض في تفاصيل المسيرة، لا بد من توضيح أن ما يعرف شعبياً بـ"الكرة البريطانية" لا يمثله منتخب واحد، إذ تشارك كل من إنجلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية بمنتخبات مستقلة في البطولات الدولية، وذلك امتياز تاريخي منحته لها الاتحادات الدولية باعتبارها مهد اللعبة. ولذلك فإن الحديث عن المنافسة على كأس العالم 2026 يعني عملياً منتخب إنجلترا، الممثل الأبرز والأكثر نجاحاً بين المنتخبات البريطانية.
وتعود جذور كرة القدم الحديثة إلى إنجلترا في منتصف القرن الـ19، حين تأسس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عام 1863 في لندن ووضع أول قوانين موحدة للعبة، لتخرج الكرة من ساحات المدارس والجامعات إلى ملاعب منظمة. وفي عام 1872 خاضت إنجلترا واسكتلندا أول مباراة دولية رسمية في التاريخ انتهت بالتعادل السلبي، ثم أطلقت إنجلترا أول بطولة كأس محلية في العالم (كأس الاتحاد الإنجليزي) وأول دوري منظم عام 1888، لتصدر اللعبة بعدها إلى العالم أجمع عبر البحارة والتجار والمهندسين البريطانيين.
ظلت إنجلترا بعيدة من كأس العالم في نسخها الأولى بسبب خلافات مع الاتحاد الدولي، ولم تشارك إلا بدءاً من مونديال 1950 الذي شهد خسارتها المدوية أمام الولايات المتحدة، لكن اللحظة الذهبية جاءت عام 1966 حين استضافت البطولة وتوجت باللقب الوحيد في تاريخها بعد فوز درامي على ألمانيا الغربية 4-2 في النهائي على ملعب ويمبلي، بقيادة القائد بوبي مور وثلاثية تاريخية لجيف هيرست لا تزال الوحيدة في المباريات النهائية للمونديال، إلى جانب تألق بوبي تشارلتون صانع ألعاب ذلك الجيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بعد 1966 دخلت إنجلترا نفقاً طويلاً من الإخفاقات وخيبات الأمل، أبرزها الخروج أمام ألمانيا الغربية في ربع نهائي 1970، والغياب عن نسختي 1974 و1978، ثم "يد" دييغو مارادونا الشهيرة في ربع نهائي 1986. وبلغ المنتخب نصف نهائي مونديال 1990 في إيطاليا قبل أن يخسر بركلات الترجيح أمام ألمانيا في ليلة دموع بول غاسكوين، وتكررت مأساة الركلات الترجيحية في أمم أوروبا 1996 على أرضه. ولم تعد إنجلترا إلى المربع الذهبي للمونديال إلا عام 2018 في روسيا، قبل أن تخسر نهائي أمم أوروبا 2020 أمام إيطاليا و2024 أمام إسبانيا، لتترسخ صورة المنتخب الذي يقترب دائماً من المجد ولا يلمسه.
على امتداد تلك العقود أنجبت إنجلترا كوكبة من أبرز نجوم اللعبة، من الجناح الأسطوري ستانلي ماثيوز أول فائز بالكرة الذهبية عام 1956، إلى بوبي تشارلتون وبوبي مور جيل التتويج، مروراً بكيفن كيغان وغاري لينيكر هداف مونديال 1986، ثم آلان شيرر هداف الدوري الإنجليزي التاريخي، وجيل "الذهب" مطلع الألفية الذي ضم ستيفن جيرارد وفرانك لامبارد وبول سكولز وواين روني وديفيد بيكهام، وصولاً إلى الجيل الحالي بقيادة هاري كين وجود بيلينغهام وبوكايو ساكا.
يستحق ديفيد بيكهام وقفة خاصة باعتباره أشهر لاعب إنجليزي عالمياً في التاريخ الحديث، فكان كابتن المنتخب بين 2000 و2006 وخاض 115 مباراة دولية، وارتبط اسمه بلحظات لا تنسى أبرزها ركلته الحرة القاتلة في مرمى اليونان عام 2001 التي قادت إنجلترا إلى مونديال 2002، بعدما كان قد تحول إلى "منبوذ" وطنياً إثر طرده أمام الأرجنتين في مونديال 1998 قبل أن يستعيد مكانته بشخصية استثنائية.
تجمع بيكهام وكين علاقة إرث وخلافة أكثر منها زمالة، إذ اعتزل بيكهام دولياً قبل أن يبدأ كين مسيرته مع المنتخب عام 2015. ترعرع كين رياضياً في مدرسة لكرة القدم أنشأها بيكهام، وثمة صورة تجمع اليافع كين مع معلمه وإلى جانبهما شابة صغيرة كانت تلعب الكرة أيضاً، وشاءت الأقدار أن تصبح تلك الفتاة زوجة كين وأم أولاده الأربعة بعد أعوام.
ورث كين شارة القيادة التي حملها بيكهام يوماً، وتجاوز رقمه في عدد المباريات الدولية ليصبح ثاني أكثر اللاعبين تمثيلاً لإنجلترا بعد الحارس بيتر شيلتون، وحطم أرقام الهدافين التاريخيين ليصبح الهداف الأول للمنتخب متخطياً واين روني، ثم هداف إنجلترا الأول في تاريخ كؤوس العالم متجاوزاً غاري لينيكر خلال مونديال 2026 الحالي. ولطالما أشاد بيكهام علناً بكين وقيادته، وحرص على دعم المنتخب من المدرجات في البطولات الكبرى، في مشهد يجسد تسليم الراية بين جيلين من قادة "الأسود الثلاثة".
دخلت إنجلترا مونديال 2026 بقيادة المدرب الألماني توماس توخيل، وافتتحت مشوارها بفوز مثير على كرواتيا 4-2 سجل فيه كين هدفين، قبل تعادل مخيب من دون أهداف مع غانا، ثم فوز على بنما 2-0 منحها صدارة مجموعتها. وفي الأدوار الإقصائية تجاوزت الكونغو الديمقراطية 2-1 بهدفين متأخرين لكين، ثم قدمت واحدة من أعظم مبارياتها بالفوز على المكسيك المستضيفة 3-2 في ملحمة ملعب أزتيكا على رغم النقص العددي بطرد جاريل كوانسا، بثنائية لجود بيلينغهام وركلة جزاء لكين، وبفضل بيلينغهام أيضاً فازت إنجلترا في ربع النهائي على النرويج بقيادة إيرلينغ هالاند.
تبدو حظوظ إنجلترا هذا الصيف من الأوفر منذ عقود، وقد أظهر المنتحب صلابة ذهنية جيدة في المباريات الحاسمة، غير أن الطريق إلى النهائي محفوف بالعقبات، إذ تنتظره الأرجنتين حاملة اللقب في نصف النهائي، بينما يتواجه في النصف الآخر عملاقا أوروبا فرنسا وإسبانيا بطلة القارة التي هزمت إنجلترا في نهائي 2024. ويبقى السؤال الذي يؤرق الإنجليز منذ ستة عقود معلقاً حتى الـ19 من يوليو الجاري: هل تعود الكرة أخيراً إلى بيتها؟