Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تقنية تلقيح السحب... بين محاربة الجفاف وتأجيج الصراع على المياه

تستثمر دول مختلفة اليوم في المطر الاصطناعي لكن الكمية التي يجري الحصول عليها ضئيلة للغاية لدرجة أن هذه التدخلات يعدها بعض المتخصصين هدراً للموارد

يعد تلقيح السحب أداة فعالة تزامناً مع ترشيد استهلاك المياه وإنشاء الخزانات (أ ف ب)

ملخص

تستخدم الطائرات والمسيرات وحتى الصواريخ في عملية تلقيح السحب لإسقاط جزيئات صغيرة مثل "يوديد الفضة" في السحب، بحيث يمكن لبخار الماء أن يتكثف بسهولة أكبر ويتحول إلى مطر.

كثيراً ما نسمع عن عملية "تلقيح السحب" التي تطبق في المناطق التي لا يوجد بها إمداد كافٍ من المياه الطبيعية، فتكون المسبب لهطول الأمطار أو خلق غطاء ثلجي جبلي يعزز إمدادات المياه للمجتمعات المحلية. وقد طبق هذا المفهوم منذ قرابة القرن، ومع تفاقم موجات الجفاف نتيجة لتغير المناخ وتراجع المياه العذبة الصالحة للاستخدام في مناطق عدة، ازداد الاهتمام العالمي بالتحكم في الظروف المناخية ومكافحة الجفاف.

وقد شهدت مناطق كثيرة في العالم منذ مطلع الألفية الثانية جفافاً متزايداً، وعام 2025 أثر الجفاف في ما يقارب ثلث مساحة اليابسة على سطح الأرض، فكيف يؤثر تغير المناخ في عملية تلقيح السحب؟ وهل تعالج هذه التقنية الجفاف بصورة جذرية؟

كيف يؤثر تغير المناخ في تلقيح السحب؟

تستخدم الطائرات والمسيرات وحتى الصواريخ في عملية تلقيح السحب لإسقاط جزيئات صغيرة مثل "يوديد الفضة" في السحب، بحيث يمكن لبخار الماء أن يتكثف بسهولة أكبر ويتحول إلى مطر. وفي بعض الأحيان قد لا يكون "يوديد الفضة" هو الخيار الأفضل لتلقيح السحب، ذلك أنه في بعض حالات الجفاف قد لا تتمكن السحب من تكوين قطرات الماء، وحينها يلجأ العلماء إلى مادة ممتصة للرطوبة مثل الملح العادي أو "يوديد البوتاسيوم" والثلج الجاف و"كلوريد الصوديوم"، ومواد بيولوجية كحبوب اللقاح أو البكتيريا كخيار أفضل للتلقيح.

وقد يجعل تغير المناخ تلقيح السحب أقل قابلية للتنبؤ كون ارتفاع درجات الحرارة يزيد من التبخر، مما يزيد من حدة الجفاف، ولأن أنماط هطول الأمطار تصبح أكثر اضطراباً، مما يقلل من عدد السحب المناسبة للتلقيح.

كذلك يمكن أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تقليل الغطاء الثلجي في الجبال، وهذا ما يجعل مشاريع تعزيز الثلوج أكثر صعوبة في بعض المناطق. وبما أن تلقيح السحب لا ينجح إلا بوجود السحب المناسبة، فإن فترات الجفاف الطويلة قد تقلل من فرص استخدامه بفعالية.

هل بإمكان كل السحب إنتاج أمطار اصطناعية؟

وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تجري نحو 50 دولة، من بينها الولايات المتحدة والصين وإيران، تجارب على استمطار السحب. وتصف المنظمة هذه التقنية بأنها "مصدر مستدام للمياه العذبة"، فيما تزعم شركات مثل "رين ميكر" الأميركية، إحدى الشركات الرائدة في هذا المجال، أنها قادرة على القضاء على ندرة المياه باستخدام تقنيات استمطار السحب.

وتستثمر دول مختلفة اليوم في المطر الاصطناعي لأنها في أمس الحاجة إليه، فهي في حاجة إلى مزيد من الأمطار مع ازدياد جفاف التربة، إلا أن النتائج لا تزال محدودة، فكمية المياه التي يجري الحصول عليها من خلال تلقيح السحب ضئيلة للغاية، لدرجة أن هذه التدخلات يعدها بعض المتخصصين هدراً للموارد.

ومن الأمور المهمة التي يجب الإضاءة عليها هي أن تلقيح السحب يتطلب وجود سحب موجودة مسبقاً، ولا يمكن لهذه التقنية توليد هطول من العدم، إذ يمكننا تغيير البنية المجهرية للسحابة وتعديل التوازن بين قطرات الماء وبلورات الجليد داخلها، لكننا لا نستطيع تغيير الظروف الجوية التي تؤدي إلى تكونها.

وعلى سبيل المثال يعد توليد أمطار اصطناعية في الصحراء، التي غالباً ما تكون خالية من السحب، لجعلها أكثر اخضراراً أمراً غير منطقي، كذلك أن معظم السحب لا يمكن إجراء عملية تلقيح عليها باستثناء "السحب الركامية المزنية"، وهي سحب عملاقة وضخمة تتكون من قطرات الماء والبلورات الجليدية نتيجة تيارات هوائية صاعدة قوية، و"السحب الركامية الطبقية"، وهي سحب منخفضة ذات تطور أفقي ولونها رمادي داكن.

أبرز تجارب الدول

تدير الصين أكبر برنامج لتعديل الطقس في العالم، فمنذ عام 2014 نفذت أكثر من 27 ألف عملية استمطار، باستثمارات تجاوزت ملياري دولار. وبحلول نهاية عام 2025 أفادت وكالة الأرصاد الجوية الصينية بأن عملياتها لاستمطار الأمطار والثلوج الاصطناعية قد أنتجت 168 مليار طن من الأمطار الإضافية منذ عام 2021، ويمكن لهذه الكمية من المياه أن تملأ نحو 67 مليون حوض سباحة أولمبي.

وقد قامت دول أخرى، من بينها الولايات المتحدة والهند وباكستان وإيران والإمارات والسعودية وروسيا وتايلاند وأستراليا، بتجربة أو تبني تقنيات تلقيح السحب في جهودها لمكافحة الجفاف. وأخيراً استخدمت السلطات الهندية المطر الاصطناعي للحد من تلوث الهواء في نيودلهي.

وتوجد برامج لتلقيح السحب في أوروبا أيضاً، وإن كانت أقل انتشاراً من آسيا والشرق الأوسط، ففي دول مثل فرنسا وإسبانيا، يهدف هذا البرنامج إلى الحد من الأضرار الناجمة عن البرد، إذ يحفز حقن جزيئات في السحب تكون كثير من حبات البرد الصغيرة، وهي أقل تدميراً من حبات البرد الكبيرة القليلة.

وكانت سويسرا من أوائل الدول التي استخدمت هذه التقنية لمكافحة البرد، وتعود أولى تجاربها إلى خمسينيات القرن الماضي. إلا أن التجارب، بما فيها التجارب الحديثة التي أجرتها شركة التأمين "بالواز"، توقفت لعدم فاعليتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل يمكن لتلقيح السحب أن يسهم فعلياً في مكافحة الجفاف؟

انطلاقاً مما ذكرناه آنفاً تسهم هذه العملية بدرجة محدودة في مكافحة الجفاف، إذ تشير البحوث إلى أن تلقيح السحب قد يزيد الهطول بنسبة تراوح ما بين 5 و20 في المئة، خصوصاً تساقط الثلوج في المناطق الجبلية في ظل ظروف مواتية. مع ذلك لا يمكن لهذه العملية إنتاج المطر من سماء صافية، ولا إنهاء جفاف ممتد منذ أعوام عدة، وتختلف نتائجها باختلاف الظروف الجوية.

ويعد تلقيح السحب أداة فعالة تزامناً مع ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء الخزانات، إضافة إلى أن كمية الأمطار تعتمد على محتوى الماء في السحابة، وهو عامل لا يمكننا التحكم فيه.

التوترات بين الدول في شأن المياه

على رغم عدم وجود أدلة علمية قوية تثبت أن تلقيح السحب في دولة ما "يسرق" أمطار دولة أخرى، فقد ظهرت مخاوف ونزاعات دبلوماسية بهذا الشأن، وهذا ما يخلق توترات بين المناطق أو الدول ويؤدي إلى تنافس على المياه.

ومن الأمثلة على ذلك إعراب الهند بين الحين والآخر عن قلقها إزاء برامج الصين الواسعة النطاق لتعديل الطقس في هضبة التيبت، نظراً إلى أن كثيراً من الأنهار الآسيوية الرئيسة تنبع من هناك. وبينما لم يثبت العلماء بعد أن تلقيح السحب الصيني يغير بصورة ملحوظة من هطول الأمطار في الهند، إلا أن هذه المسألة حظيت باهتمام واسع.

في السياق ذاته تجري تايلاند عمليات تلقيح السحب منذ عقود لدعم قطاع الزراعة، وقد تساءلت الدول المجاورة في بعض الأحيان عما إذا كانت هذه العمليات تؤثر في هطول الأمطار عبر الحدود.

أما داخل الولايات المتحدة فقد نشأت في بعض الأحيان نزاعات بين الولايات حول موارد المياه ومشاريع تلقيح السحب. ومع ذلك لم تجد الدراسات العلمية عموماً سوى أدلة قليلة على أن هذه البرامج تحرم الولايات المجاورة من هطول الأمطار.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة