Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردن يحاصر "تضارب المصالح" ويطهر الوظيفة العامة من الفساد

على خلفية إقالة وزير العمل من الحكومة إثر مخالفته مدونة السلوك الحكومي

قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني إن استقالة وزير العمل جاءت نتيجةً للتعارض مع بنود مدونة السلوك (بترا)

ملخص

باتت الحكومة الأردنية بصدد إعداد نظام جديد يستهدف ضبط العمل الوزاري ومنع تضارب المصالح وتوفير أدوات قانونية للجهات الرقابية. ويرى تيار من السياسيين والاقتصاديين في الأردن أن تضخيم المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي لمسألة إقالة وزير العمل، أوحى بوجود فساد بنيوي وفاضح في البلاد مما يهدد بإلحاق الضرر بترتيب الأردن في مؤشرات مدركات الفساد الدولية.

في سابقة سياسية هزّت الأوساط الرسمية في عمان، لم تكد تمضي أيام قليلة على الإطاحة بوزير العمل الأردني خالد البكار من التشكيلة الحكومية، حتى سارعت الحكومة الأردنية لتحويل هذه "الأزمة" إلى نقطة تحول تشريعية لترسيخ النزاهة وتطهير الوظيفة العامة من تضارب المصالح.

وجاءت الإقالة بطلب مباشر وحاسم من رئيس الوزراء جعفر حسان، على خلفية شبهة "تضارب مصالح" ارتبطت بعطاءات حكومية لشركة يملكها نجل الوزير.

لكن تداعيات القضية تطورت إلى إصدار رئيس الوزراء أوامر مشددة بصفة الاستعجال لإعداد مشروع قانون صارم يمنع تضارب المصالح، ويحظر بصورة مطلقة على الوزراء والمسؤولين استغلال مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية أو تمرير منافع لأقاربهم.

انقسام في المقاربة

وقوبلت هذه القضية بردود فعل شعبية إيجابية ودعوات إلى التوسع في مكافحة أي شبهات فساد، ورفع هذا الإجراء من شعبية حكومة جعفر حسان على نطاق واسع.

لكن في المقابل، يرى تيار موازٍ من السياسيين والاقتصاديين في عمان أن تضخيم المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي لهذه الأزمة، والتعامل معها بنبرة استعراضية، أوحى بوجود فساد بنيوي فاضح في البلاد، وهو انطباع لا يعكس الواقع المؤسسي بدقة، بقدر ما يهدد بإلحاق الضرر بترتيب الأردن في مؤشرات مدركات الفساد الدولية وبيئة الحوكمة.

يجادل أصحاب هذا الطرح بأن "المعالجة الجراحية السريعة" التي قام بها رئيس الوزراء جعفر حسان كانت دليلاً على قوة الدولة وحيويتها الرقابية، وليست مؤشراً على هشاشتها، محذرين من أن المبالغة في تصوير الواقعة كـ"ظاهرة" بدلاً من التعامل معها كـ"حالة معزولة جرى تصويبها فوراً"، قد ترسل إشارات سلبية وغير دقيقة للمستثمرين الخارجيين والشركاء الدوليين في توقيت اقتصادي دقيق وحرج للبلاد.

 

جدل دستوري

وأثار توقيت الاستقالة وطريقتها جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الأردنية، حيث تم الطلب من الوزير تقديم استقالته وهو خارج البلاد، وبقيت الاستقالة غير نافذة دستورياً لعدم صدور إرادة ملكية بقبولها، مما دفع الحكومة لتكليف وزير النقل نضال قطامين بإدارة وزارة العمل بالإنابة.

وهو ما دفع المتحدث الرسمي باسم الحكومة محمد المومني لاحقاً إلى توضيح حيثيات هذه الاستقالة والقول إن استقالة وزير العمل جاءت نتيجةً للتعارض مع بنود مدونة السلوك التي وقّع عليها جميع الوزراء في الحكومة.

وأوضح المومني أنه جرى الاتفاق على إنهاء العطاءات مثار الجدل مع الشركة المعنية وفق الإجراءات القانونية، لوجود تعارض الحالة مع مدونة السلوك التي التزم بها الوزراء وليس لوجود حالة فساد.

وكشف المومني عن أن الحكومة تعمل حالياً على إعداد نظام جديد يستهدف ضبط العمل الوزاري ومنع تضارب المصالح، ويهدف إلى توفير أدوات قانونية للجهات الرقابية واللجان المختصة، بما يتيح لها منع أي حالات تضارب مصالح قد تنشأ في بيئة العمل الوزاري. وهو نظام لن يقتصر فقط على الوزراء، بل سيعالج أيضاً العلاقة مع أقاربهم.

والهدف الأساس وفق الوزير هو تحقيق العدالة، بحيث لا يُحرم أي شخص من ممارسة عمله المشروع، مع ضمان عدم استغلال المنصب العام أو وقوع أي تضارب في المصالح.

خطوة نوعية

ويرى مراقبون قانونيون أن الحكومة تهدف من خلال مشروع القانون الجديد إلى الاستباقية وعدم انتظار وقوع المخالفة ثم إحالتها إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد بل منع أي تجاوزات سابقاً عبر سد الثغرات القانونية.

ويعتقد هؤلاء أن أي قانون خاص ومستقل لمنع تضارب المصالح يمثل خطوة نوعية تتجاوز النصوص الحالية المجتزأة والموزعة بين قانون العقوبات، وقانون الكسب غير المشروع ومدونات السلوك الوزارية التي تفتقر إلى صفة "الإلزام العقابي" والرادع القانوني المباشر.

لكن التحدي الأبرز وفق هؤلاء المراقبين لهذا هو تلك "المنطقة الرمادية" وتوسيع نطاق الملاحقة ليشمل القرابة من الدرجة الأولى (الزوجة والأبناء) للوزراء والمسؤولين. وذلك عبر حظر كامل على أي شركة يمتلك المسؤول أو أحد أفراد عائلته حصصاً فيها من التقدم للمناقصات الرسمية.

أزمة سياسية

بدوره يرى المحلل السياسي حسين الرواشدة ‏أن استقالة الوزير تحولت إلى أزمة سياسية في الفضاء العام، وتم استغلالها من قبل بعض الأطراف وتوظيفها، متسائلاً إن كان استخدام لافتة الفساد في المكان الصحيح، وفي التوقيت المناسب وهل صبّ ذلك في رصيد الدولة أم لا.

‏ويضيف الرواشدة أن "سابقة ارتباط الاستقالة بتضارب المصالح فتحت ذاكرة الأردنيين على ملفات أخرى" وأن "وسائل التواصل الاجتماعي ملأت الفراغ بما هبّ ودبّ، وكأن الدولة أصبحت مستنقعاً للفساد، وهي بالتأكيد ليست كذلك أبداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

‏وينتقد الرواشدة "غياب مجلس النواب بما فيه من أحزاب، عن المشهد تماماً، وغياب النخب السياسية التي كان بإمكانها عقلنة الخطاب العام والردود عليه، بينما وجدت بعض منصات الإعلام الفرصة أمامها متاحة لتصفية الحسابات مع الحكومة في حين استثمرت بعض مراكز القوى في الأزمة لحسابات غير مفهومة".

ويدعو الرواشدة إلى "إدارة الأزمة بحسابات عقلانية، وألا يُسمح لأي طرف قيادة الرأي العام أو اختطافه تحت لافتة تصفية الحسابات، أو الصيد في الماء العكر".

ليست الأزمة الوحيدة

ويبدو أن قراءة المشهد السياسي الأردني عبر خطه الزمني تكشف عن أن مغادرة المسؤولين لمقاعدهم بقرارات حاسمة ليست أمراً طارئاً على الأدبيات السياسية في عمان، إذ يسجل التاريخ البرلماني والحكومي محطات عدة أُجبر فيها وزراء على التنحي تحت وطأة المسؤولية السياسية أو شبهات المخالفات الإدارية، وإن كان القانون المستعجل الحالي يمثل أول مؤسسة تشريعية وقائية شاملة لمنع تضارب المصالح قبل وقوعه.

ففي عام 2021 أقيل وزير العدل بسّام التلهوني، ووزير الداخلية سمير مبيضين، بطلب من رئيس الوزراء آنذاك، بشر الخصاونة، بعد مخالفتهما أوامر الدفاع والقيود الصحية المرتبطة بجائحة كورونا عبر حضور مأدبة طعام في مطعم تجاوز السعة الاستيعابية المسموحة.

وعدت الحادثة رسمياً حينها مساساً بهيبة تطبيق القانون وتراجعاً في الالتزام السلوكي المفترض بالمسؤول.

وفي عام 2019 تقدم وزير المياه والري رائد أبو السعود، باستقالته عقب جدل واسع طاول تعيينات وإجراءات إدارية داخل الوزارة، ووجهت له اتهامات نيابية وشعبية بعدم مراعاة معايير الشفافية الكاملة وتكافؤ الفرص في التعيينات الرسمية، مما شكل ضغطاً سياسياً دفع نحو مغادرته للموقع في حكومة عمر الرزاز.

في عام 2018 وفي الحكومة نفسها، استقالت وزيرة السياحة والآثار لينا عناب، ووزير التربية والتعليم، عزمي محافظة، على خلفية تداعيات "فاجعة البحر الميت" التي تمثلت بحادثة السيول التي أودت بحياة طلاب مدرسة.

وجاءت الاستقالة استجابةً لتقرير لجنة التحقيق المحايدة وضغوط مجلس النواب والشارع، في إطار تحديد "المسؤولية السياسية والأدبية" للوزراء عن تقصير أجهزتهم التنفيذية.

أما في عام 2015 فأعلن وزير الداخلية حسين المجالي، استقالته من حكومة عبدالله النسور، وتزامن ذلك مع إحالة مديري الأمن العام وقوات الدرك إلى التقاعد، بسبب "تقصير" في التنسيق بين الأجهزة الأمنية وإدارة بعض الملفات الأمنية المحلية، مما كرس مفهوم محاسبة القيادات العليا سياسياً عند حدوث خلل في الملفات السيادية.

وفي حكومة معروف البخيت الثانية عام 2011 استقال وزير الصحة ياسين الحسبان ووزير العدل حسين مجلي، على خلفية قضية سفر رجل الأعمال المحكوم بقضية فساد خالد شاهين للعلاج في الخارج. وأحدثت القضية صدمة في الشارع الأردني وعدت إخفاقاً رقابياً وقانونياً كبيراً عصف بالحكومة مطلع أحداث الربيع العربي.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي