Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة التوظيف في إيران أعمق من معدلات البطالة المعلنة

الانخفاض غير المسبوق في معدل المشاركة الاقتصادية والارتفاع الحاد في مؤشر البؤس يرسمان صورة أكثر تعقيداً لواقع العمل في البلاد

عمال إيرانيون ينتظرون الحصول على عمل في "ساحة العمال" بوسط السليمانية، كردستان العراق، 5 أكتوبر 2022 (أ ف ب)

ملخص

كشف عضو بارز في غرفة التجارة، استناداً إلى البيانات المتاحة، عن أن معدل البطالة الحقيقي يعادل خمسة أضعاف المعدل الوارد في الإحصاءات الرسمية. وأضاف أنه في أعقاب الانخفاض غير المسبوق في معدل المشاركة الاقتصادية بنسبة 1.5 في المئة، تراجع صافي عدد المشتغلين في البلاد بمقدار نصف مليون شخص، فيما انخفض معدل المشاركة الاقتصادية للنساء من 16 في المئة عام 2024 إلى 11 في المئة مطلع عام 2026.

واجهت سوق العمل الإيرانية خلال الأعوام الأخيرة ظاهرة تتجاوز مجرد ارتفاع عدد العاطلين من العمل، تتمثل في تراجع المشاركة الاقتصادية والخروج التدرجي لجزء من القوى العاملة من دائرة التوظيف، لتصبح هذه الظاهرة واحدة من أبرز مؤشرات الضعف الهيكلي في الاقتصاد.

وفي وقت لا يعكس معدل البطالة الرسمي سوى جانب من واقع سوق العمل، فإن انخفاض عدد الباحثين عن وظائف، وزيادة العمالة غير الرسمية، واتساع نطاق الوظائف غير المستقرة، ترسم صورة أكثر تعقيداً لواقع التوظيف في البلاد.

وقدرت وكالة أنباء "إيلنا"، في تقرير استند إلى تقديرات خبراء وبيانات رسمية، خروج أكثر من مليون شخص من سوق العمل خلال العام الماضي. وبحسب التقرير، واستناداً إلى بيانات مركز الإحصاء الإيراني في نهاية ربيع 2026، فقد القطاع الصناعي 630 ألف وظيفة خلال الربع الأول من العام الحالي.

ونقلت "إيلنا" عن المتخصص في الشأن الاقتصادي في جامعة الرازي بمدينة كرمانشاه سهراب دل أنغيزان، تقديره بأن العدد الإجمالي للأشخاص الذين فقدوا وظائفهم بصورة مباشرة نتيجة الحرب تجاوز 450 ألف شخص.

ودفع ذلك بعض الخبراء إلى التشكيك في مدى واقعية معدل البطالة الرسمي في إيران، البالغ سبعة في المئة.

ويأتي ذلك بعدما شهدت سوق العمل الإيرانية خلال العامين الماضيين تراجعاً متواصلاً في حجم القوى العاملة النشطة، بمعنى أن أشخاصاً كانوا يبحثون سابقاً عن وظائف لم يعودوا محسوبين ضمن السكان النشطين اقتصادياً. وقد يسهم ذلك ظاهرياً في خفض معدل البطالة الرسمي، لكنه يعكس في الواقع حالاً عميقة من اليأس لدى شريحة من المجتمع من إمكان العثور على وظائف مناسبة.

وكشف عضو بارز في غرفة التجارة، استناداً إلى البيانات المتاحة، عن أن معدل البطالة الحقيقي يعادل خمسة أضعاف المعدل الوارد في الإحصاءات الرسمية. وأضاف أنه في أعقاب الانخفاض غير المسبوق في معدل المشاركة الاقتصادية بنسبة 1.5 في المئة، تراجع صافي عدد المشتغلين في البلاد بمقدار نصف مليون شخص، فيما انخفض معدل المشاركة الاقتصادية للنساء من 16 في المئة عام 2024 إلى 11 في المئة مطلع عام 2026.

تراجع التوظيف الرسمي

ويتمثل أحد الأسباب الرئيسة لتفاقم أزمة سوق العمل في مزيج من الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وحال عدم اليقين التي تسود بيئة الأعمال، إضافة إلى إغلاق بعض الوحدات الإنتاجية والخدمية أو تقليص حجم أنشطتها.

وخلال الأعوام الأخيرة، واجهت شركات ومؤسسات اقتصادية كثيرة مشكلات من بينها ارتفاع كلف الإنتاج، وصعوبة تأمين المواد الأولية، وتقلبات أسعار الصرف، وتراجع طلب المستهلكين. وأدت هذه الظروف في بعض القطاعات إلى خفض الطاقة الإنتاجية، وتسريح العمال، أو الإغلاق الكامل للأعمال.

وأضافت الحرب وتداعياتها الاقتصادية مزيداً من الضغوط إلى هذه المشكلات، إذ أدى اضطراب سلاسل الإمداد وتزايد حال عدم اليقين الاقتصادي وتراجع الاستثمار والقيود التي طاولت أنشطة بعض الصناعات، إلى ضغوط إضافية على سوق العمل. وفي ظل هذه الظروف، لجأت حتى الشركات التي واصلت أعمالها إلى تقليص أعداد العاملين أو وقف التوظيف الجديد بهدف خفض الكلف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار الاقتصادي علي حيات نيا، إلى أن أحد التداعيات الخطرة للحرب يتمثل في هجرة الكفاءات والشباب. وقال إنه إذا شعر أصحاب المهارات بأنهم يفتقرون إلى المستقبل المهني والأمان الاقتصادي وفرص التقدم، فإنهم سيغادرون البلاد أو يخرجون من سوق العمل الرسمية. ولذلك، لا تقتصر سياسات سوق العمل على خلق الوظائف، بل تشمل أيضاً الحفاظ على الموارد البشرية.

لكن المشكلة الأكثر أهمية أن أزمة التوظيف لا تقتصر على العاطلين من العمل، إذ يعاني جزء كبير من العاملين أيضاً تراجع جودة الوظائف، أي إنهم يمتلكون وظائف بالفعل، لكن دخولهم لا تكفي لتغطية كلف المعيشة. ونتيجة لذلك، لم يعد التوظيف القائم يوفر الأمان الاقتصادي لكثير من الأسر.

ومن أبرز تداعيات هذه الأوضاع اتساع الفجوة بين التضخم والأجور. ففي الأعوام الأخيرة، ارتفعت أسعار السلع والخدمات، ولا سيما كلف السكن والغذاء والعلاج والتعليم، بمعدلات تفوق بكثير الزيادات التي حصل عليها كثير من العمال والموظفين.

ونتيجة لذلك، توصل جزء من القوى العاملة إلى أن الحصول على وظيفة رسمية، حتى بأجر معتمد، لا يعني بالضرورة القدرة على تغطية نفقات المعيشة. وأسهم ذلك في تراجع الحافز لدخول سوق العمل الرسمية، ودفع بعض الأشخاص إلى مغادرة سوق العمل أو الهجرة أو الاتجاه نحو الأنشطة غير الرسمية والوظائف الموقتة.

ارتفاع البطالة ومؤشر البؤس

ولا يمثل ارتفاع معدل البطالة مؤشراً اقتصادياً فحسب، بل ينعكس مباشرة على مستوى رفاه المجتمع. ومن المؤشرات المستخدمة لقياس حجم الضغوط الاقتصادية ما يعرف بـ"مؤشر البؤس"، الذي يحسب عادة من خلال جمع معدلي التضخم والبطالة.

وبحسب تقرير نُشر حول مؤشر البؤس في إيران، وصل المؤشر في بعض الفترات إلى نحو 96 في المئة، وهو رقم يعكس اجتماع ضغوط تضخمية حادة مع مشكلات سوق العمل.

ووفق التقرير، بلغ مؤشر البؤس في إيران 90 في المئة خلال ربيع عام 2026، ثم ارتفع إلى 96 في المئة خلال يوليو (تموز) الماضي، في زيادة غير مسبوقة أدت إلى اتساع الفارق بين أدنى وأعلى مستوى للمؤشر بين المحافظات إلى 33 نقطة مئوية.

وتتضح خطورة الأزمة بصورة أكبر عند معرفة أن مؤشر البؤس تجاوز 100 في المئة في 19 محافظة. ويعني ارتفاع المؤشر أن الأسر تواجه ضغطين كبيرين في الوقت نفسه، الارتفاع المستمر في كلف المعيشة من جهة، وتراجع فرص العمل أو انخفاض جودة الدخل من جهة أخرى.

وفي مثل هذه الظروف، لا تستطيع زيادة الأجور وحدها معالجة الأزمة المعيشية من دون السيطرة على التضخم، لأن زيادات الرواتب تحدث عادة بعد فترة زمنية وبنسب تقل عن معدل الارتفاع الحقيقي في كلف الحياة. وفي المقابل، فإن السيطرة على التضخم من دون خلق فرص عمل مستقرة لا تكفي لمعالجة أزمة التوظيف.

نمو الوظائف غير الرسمية

ويمثل النمو الملحوظ للوظائف غير الرسمية أحد أبرز مؤشرات التحول في بنية سوق العمل الإيرانية. ويظهر جانب من هذا التحول في تزايد أعداد الأشخاص الذين اتجهوا إلى أنشطة مثل العمل سائقين لدى تطبيقات سيارات الأجرة لتأمين مصدر للدخل.

وتشير بعض التقديرات المستندة إلى بيانات ميدانية إلى أن العمالة غير الرسمية تمثل نحو 60 في المئة من إجمال العمالة في إيران.

وقال نائب وزير العمل لشؤون تطوير ريادة الأعمال والتوظيف مالك حسيني، في مقابلة تلفزيونية، إن الوظائف غير الرسمية تستحوذ على نحو 56 في المئة من سوق العمل. وأشار إلى صعوبة تحديد أعداد العاملين في هذا القطاع، مما يعني أن حصتهم من إجمال العمالة في البلاد قد تكون أعلى من هذه النسبة.

وخلال الأعوام الأخيرة، أصبحت تطبيقات سيارات الأجرة إحدى أهم الوسائل التي يلجأ إليها الأفراد للحصول على دخل. لكن التوسع الكبير في هذا النوع من الوظائف يمكن النظر إليه أيضاً من زاوية أخرى، إذ إن جزءاً من القوى العاملة التي كانت تعمل سابقاً في قطاعات الإنتاج والخدمات الرسمية والوظائف المستقرة انتقل إلى أنشطة أكثر مرونة ولكنها أقل أماناً، إما لتعويض تراجع الدخل أو نتيجة فقدان الوظيفة.

وبحسب تصريحات الباحث في شؤون التنمية محمد بحرينيان، تجاوز عدد سائقي تطبيقي "سناب" و"تابسي" في إيران 8 ملايين شخص، وهو رقم جرت مقارنته بعدد سائقي "أوبر" على مستوى العالم.

ووفق بعض التقديرات غير الرسمية، تجاوز هذا العدد 10 ملايين سائق خلال صيف عام 2026، وفي حال صحة هذه التقديرات فإن عدد سائقي "سناب" في إيران سيكون أكبر من إجمال عدد السائقين المسجلين لدى "أوبر".

وتواجه سوق العمل الإيرانية اليوم مفارقة واضحة، فمن جهة خرج جزء من المجتمع من سوق العمل الرسمية، ومن جهة أخرى تتزايد أعداد الأشخاص الذين يتجهون إلى الوظائف غير الرسمية والموقتة وغير المستقرة.

ويشير هذا المسار إلى أن معالجة أزمة التوظيف في إيران لا تقتصر على توفير عدد من الوظائف الجديدة، بل تتطلب إعادة بناء الثقة الاقتصادية والسيطرة على التضخم، وتعزيز القدرة الشرائية ودعم الإنتاج وتوفير فرص عمل مستقرة.

وفي حال استمرار خروج القوى العاملة النشطة من السوق الرسمية، فإن ذلك سيؤدي على المدى الطويل إلى تراجع رأس المال البشري وإضعاف قدرة الاقتصاد الإيراني على النمو.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير