ملخص
وثيقة بريطانية غير حكومية تطرح مقايضة كبرى، عنوانها عودة المملكة المتحدة إلى السوق الأوروبية الموحدة للسلع في مقابل مظلة نووية ودفاعية بريطانية تمتد فوق القارة. المقترح وصل إلى مكتب رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام قبل أسابيع فقط من قمة مرتقبة مع قادة الاتحاد الأوروبي في أكتوبر المقبل. الفكرة تعيد فتح ملف اعتبر مغلقاً منذ خروج بريطانيا من التكتل نهائياً عام 2020، لكنها تصطدم بعقيدة أوروبية راسخة وبحسابات انتخابية شديدة الحساسية في لندن.
كشفت صحف بريطانية اليوم الأحد عن أن رئيس الوزراء آندي بيرنهام تسلم مخططاً يقضي بعودة المملكة المتحدة إلى السوق الأوروبية الموحدة للسلع، في مقابل التزام بريطاني بالدفاع عن القارة بقواتها المسلحة وبرادعها النووي. وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام المحلية، اطلع على الوثيقة مسؤولون كبار في الحكومة، بينهم مستشار الأمن القومي جوناثان باول، وذلك قبل قمة ينتظر أن يعقدها بيرنهام مع قادة الاتحاد الأوروبي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
صاحب الوثيقة هو نيك بولز، النائب المحافظ السابق الذي استقال من حزبه عام 2019 بسبب الخلاف حول "بريكست"، وأصبح لاحقاً مستشاراً لرئيس الوزراء السابق كير ستارمر. وقد نشرت الوثيقة في الخامس من أغسطس (آب) الجاري عن مركز "ديموس" تحت عنوان "ما بعد بريكست: صفقة جديدة لبريطانيا وأوكرانيا وأوروبا"، وتقول إن الاستراتيجية البريطانية القائمة منذ الحرب العالمية الثانية على حلف "الناتو" والاندماج الأوروبي تتفكك، مع انصراف واشنطن إلى احتواء الصين ونفاد صبرها تجاه حلفائها.
جوهر الطرح هو تحويل "المجموعة السياسية الأوروبية" القائمة إلى "كونفيدرالية أوروبية" تنشأ بمعاهدة، تعمل مستقلة عن الاتحاد الأوروبي و"الناتو" ومكملة لهما، وتضم دول الاتحاد إلى جانب بريطانيا وأوكرانيا وسويسرا والنرويج ودول غرب البلقان. وتمنح هذه الكونفيدرالية أعضاءها المشاركة في السوق الموحدة للسلع، وفضاء أوروبيا مشتركاً للتكنولوجيا والابتكار، وبرنامجا موسعا لفرص الشباب، من دون إلزامهم بحرية تنقل الأشخاص أو بعضوية منطقة اليورو أو فضاء شنغن. أما في الشق الأمني، فتتبنى نسخاً مطابقة للمادتين الرابعة والخامسة من معاهدة "الناتو"، مع تفويض التنفيذ العملياتي للحلف نفسه، وعدم بناء هيكل قيادة بديل إلا إذا أصيب الحلف بالشلل.
ما تطالب به بريطانيا في هذه المعادلة محدد بدقة: استثمار 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في تجديد قوتها البحرية للدفاع عن الحدود البحرية الغربية لأوروبا، وتوسيع حماية رادعها النووي المستقل ليشمل القارة، بما فيها أوكرانيا مع الوقت. وفي المقابل تلتزم كييف الإبقاء على جيش دائم كبير يحرس الحدود البرية الشرقية، وبمشاركة حلفائها تقنياتها الدفاعية الرائدة عالمياً. ويضيف المقترح مشاركة بريطانية في برنامج المشتريات الدفاعية الأوروبي مقابل مساهمة مالية معقولة.
الوعد النووي ليس قفزة في الفراغ، بل امتداد لمسار بدأ فعلياً قبل عام. ففي العاشر من يوليو (تموز) 2025 وقعت لندن وباريس "إعلان نورثوود"، وهو أول اتفاق يعلن تنسيق الرادعين النوويين المستقلين للبلدين، وينص على أنه لا يوجد تهديد متطرف لأوروبا لا يستدعي رداً من الدولتين معاً، مع إنشاء مجموعة توجيه نووية مشتركة. ويأتي ذلك في سياق مراجعات دفاعية بريطانية وفرنسية صدرت العام نفسه وحددت روسيا تهديداً مباشراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مالياً، خصصت "خطة الاستثمار الدفاعي" البريطانية الصادرة في يوليو (تموز) عام 2026 مبلغ 63.6 مليار جنيه استرليني للمنظومة النووية بين 2026 و2030، بزيادة تتجاوز 20 ملياراً عن السنوات الأربع السابقة، منها 47 ملياراً للغواصات و13 ملياراً لتطوير الرؤوس الحربية. وتتضمن الخطة شراء مقاتلات من طراز "أف-35 أي" والانضمام إلى مهمة الطائرات مزدوجة القدرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي خطوة تعيد لبريطانيا ذراعاً نووية جوية إلى جانب غواصاتها.
غير أن الفجوة بين التصريح السياسي والضمان القابل للتصديق تظل واسعة. فالردع الموسع هش بنيويا، إذ قد تحسب موسكو أن لندن لن تخاطر بمصيرها دفاعاً عن الجناح الشرقي للحلف، وهو قلق تعمق بعد استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الصادرة في يناير (كانون الثاني) 2026 التي أعطت الأولوية لنصف الكرة الغربي والمحيطين الهندي والهادئ، وطالبت الأوروبيين بالاعتماد على أنفسهم تقليدياً. يضاف إلى ذلك أن التزامات معاهدة عدم الانتشار تحد من الخيارات، وأن أي مظلة تحتاج إلى هياكل قيادة متكاملة وتخطيط عملياتي قابل للتحقق كي لا تقرأ في موسكو مجرد خدعة إعلامية.
على الضفة الأخرى، لا يبدو الاتحاد الأوروبي مستعداً لتفكيك عقيدته. فالسوق الموحدة قامت منذ عام 1993 على "الحريات الأربع" غير القابلة للتجزئة، وقد جدد قادة الاتحاد في مارس (آذار) 2026 التزامهم بها عبر أجندة "أوروبا واحدة، سوق واحدة". وحتى الوثيقة نفسها تقر بأن الوصول إلى السوق يتطلب من غير الأعضاء التزاما بالمواءمة التنظيمية الديناميكية مع قواعد بروكسل، وإقراراً بأولوية محكمة العدل الأوروبية في تفسيرها، ومساهمة في صناديق التماسك على الطريقة السويسرية، وهي خطوط رفضتها حكومات بريطانية متعاقبة.
التجربة الأخيرة لا تشجع كثيراً. فبعد قمة مايو (أيار) 2025 التي أطلقت "الشراكة الأمنية والدفاعية" بين الجانبين، انهارت في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه مفاوضات انضمام بريطانيا إلى برنامج "SAFE" للقروض الدفاعية البالغة 150 مليار يورو، بسبب رسم دخول قدر بأكثر من 6 مليارات يورو اعتبرته لندن باهظاً. ولم تستأنف الحكومة السابقة المسعى، مكتفية باتفاقات ثنائية، فيما تبقى مشاركة الشركات من خارج الاتحاد محدودة بسقف نحو ثلث قيمة المشاريع.
سياسياً، يمشي بيرنهام على حبل مشدود. فقد قال في مؤتمر حزب العمال عام 2025 إنه يأمل في أن يرى بلاده تعود إلى الاتحاد الأوروبي في حياته، لكنه تراجع في مايو (أيار) 2026 وأعلن أنه لا يقترح العودة ويحترم نتيجة الاستفتاء، وهو تحول فسره مراقبون بحاجته إلى دائرة انتخابية صوتت لمصلحة الخروج. وبعد وصوله إلى داونينغ ستريت، تعهد ترسيخ ما أنجز في مفاوضات إعادة ضبط العلاقة مع بروكسل، من دون أن يوضح ما إذا كان سيلتزم بالخطوط الحمراء التي رسمها سلفه.
الأرقام تمنح رئيس الوزراء هامشاً محدوداً. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "جيه إل بارتنرز" في الرابع من أغسطس تقدم حزب العمال بـ27 في المئة على حزب "ريفورم يوكاي" بـ25 في المئة، في أول تقدم منذ أكثر من عام، وأكد استطلاع لمؤسسة "إبسوس" الاتجاه نفسه، لكن هذا التحسن حديث وهش، وأي خطوة تقرأ بوصفها التفافاً على "بريكست" ستمنح زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج مادة انتخابية جاهزة، لا سيما في مسألتي ولاية المحكمة الأوروبية والمساهمات المالية.
"وثيقة بولز" نفسها لا تدعي أن تنفيذ الاتفاق قريب. فهي توصي بمسار طويل لبناء الشرعية الديمقراطية يبدأ بحوار وطني رقمي، ثم جمعية مواطنين تبحث المقايضات الأصعب، على أن يطرح الاتفاق النهائي في برنامج انتخابي لا في استفتاء جديد. وهذا يعني عملياً تأجيل أي التزام إلى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة، بينما تكتفي الحكومة اليوم بالقول إن الوزراء يعملون على مقترحات لتعميق التعاون مع الاتحاد.
يبقى السؤال الأعمق متعلقاً بطبيعة الدور البريطاني نفسه. فالمقترح يحول لندن من شريك تجاري يسعى إلى تسهيلات، إلى مورد أمني يقايض الحماية بالسوق، وهو تحول يمنحها ورقة تفاوضية نادرة، لكنه يرهن اقتصادها بقدرتها على الوفاء بالتزام عسكري مفتوح تجاه قارة بأكملها. ويضاف إلى ذلك أن الرادع البريطاني يعتمد في شقه الصاروخي على ترتيبات مع الولايات المتحدة، ما يجعل أي وعد بمظلة أوروبية مستقلة تماماً موضع نقاش تقني وسياسي في آنٍ. أما في المدى القريب، فالأرجح أن تنشغل قمة أكتوبر بملفات أقل طموحاً بكثير: الطاقة، وتيسير تصدير الأغذية، وتخفيف قيود تنقل الشباب، وهي الملفات التي علقت أصلاً منذ قمة 2025.