Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردن يواجه العاصفة الاقتصادية بمشاريع استراتيجية

الحكومة تبدد الاحتقان الشعبي بـ350 مليون دولار سنوياً وتعتمد زيادة رواتب الموظفين

يأتي قرار زيادة الرواتب لينهي ركوداً دام نحو 14 عاماً دون تسجيل أي زيادة تُذكر على رواتب الموظفين (أ ف ب)

ملخص

بينما لا تزال التحديات الاقتصادية قائمة، تحاول حكومة جعفر حسان بناء نموذج يقوم على الجمع بين الاستقرار المالي والاستجابة للمطالب المعيشية، في معادلة صعبة كثيراً ما شكلت أحد أبرز التحديات أمام الحكومات الأردنية المتعاقبة.

اتخذت الحكومة الأردنية قرارات عدة، وكشفت عن عدد من المشاريع الاستراتيجية الضخمة التي أشاعت بدورها أجواء إيجابية، وبددت حال الاحتقان الشعبي في الشارع الأردني.

ومنذ تسلمت حكومة جعفر حسان مسؤولياتها، برزت مؤشرات متزايدة إلى توجه حكومي يركز بصورة أكبر على الملفات المعيشية والخدمية التي تشغل الأردنيين، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضغوط الحياة اليومية التي تواجه مختلف الشرائح الاجتماعية.

وبينما لا تزال التحديات الاقتصادية قائمة، تحاول حكومة جعفر حسان بناء نموذج يقوم على الجمع بين الاستقرار المالي والاستجابة للمطالب المعيشية، في معادلة صعبة كثيراً ما شكلت أحد أبرز التحديات أمام الحكومات الأردنية المتعاقبة.

زيادة الرواتب بعد 14 عاماً

وتلقى الأردنيون بإيجابية قرار زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين ممن تقل رواتبهم عن 600 دينار (800 دولار) بمقدار 30 ديناراً شهرياً (نحو 50 دولاراً)، ضمن موازنة عام 2027.

ويأتي هذا القرار لينهي ركوداً دام نحو 14 عاماً دون تسجيل أي زيادة تُذكر على رواتب الموظفين في القطاع العام، وبحسب تقديرات اقتصادية، فإن القرار قد يستفيد منه أكثر من 600 ألف موظف ومتقاعد، فيما تتجاوز كلفته الإجمالية 350 مليون دولار سنوياً، مما يعني انعكاسات مباشرة على القوة الشرائية للأسر الأردنية وتحريك الطلب في الأسواق المحلية.

وتشير البيانات الأولية إلى أن التعديلات المستهدفة على العلاوات والرواتب الأساس تسعى لرفع دخل الموظف بنسب تراوح ما بين 8 و12 في المئة، لحماية الطبقة الوسطى والدنيا.

مشاريع استراتيجية كبرى

كثيراً ما ارتبط الحديث عن الاقتصاد الأردني بمفردات العجز والمديونية وضبط الإنفاق ورفع كفاءة الإدارة المالية، غير أن الأشهر الأولى من عمر حكومة جعفر حسان أظهرت توجهاً مختلفاً يقوم على محاولة المواءمة بين متطلبات الاستقرار المالي وحاجات المواطنين المعيشية، في وقت تتزايد خلاله الضغوط الاقتصادية على الأسر الأردنية.

لكن مراقبين يقرأون المشهد الحكومي بمعزل عن زيادة الرواتب وحدها، إذ تشير السياسات المعلنة خلال الأشهر الماضية إلى توجه أوسع يقوم على الربط بين تحسين المستوى المعيشي للمواطن واستمرار الإنفاق على المشاريع التنموية والرأسمالية.

ففي وقت شددت خلاله الحكومة على ضرورة توفير مخصصات زيادة الرواتب، أكدت كذلك استمرار العمل بالمشاريع الكبرى في قطاعات المياه والنقل والصحة والتعليم والرقمنة، باعتبارها قطاعات قادرة على تحسين الخدمات العامة وخلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي، بموازاة الاستمرار بخفض وضبط النفقات التشغيلية الحكومية بنسبة 15 في المئة وتوجيهها نحو الأولويات التنموية والخدمية.

 

 

من أبرز هذه المشاريع مشروع الناقل الوطني للمياه الذي انتقل من مرحلة التخطيط إلى خطوات التنفيذ الفعلي، وهو مشروع استراتيجي يعزز الأمن المائي ويتيح آلاف فرص العمل الموقتة والدائمة خلال مراحل الإنشاء والتشغيل.

بينما يبرز مشروع تطوير قطاع السكك الحديد والنقل لربط المدن، فضلاً عن بدء تنفيذ مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة جنوب الأردن.

وعلى رغم كون هذه المشاريع الضخمة لا تقدم حلولاً سحرية فورية للبطالة لكنها تؤسس لـ"نمو مستدام" يخلق وظائف حقيقية في القطاع الخاص، بدلاً من التوظيف الحكومي المتخم الذي يثقل كاهل الدولة.

تحديث القطاع العام

على جانب آخر، اتخذت الحكومة الأردنية خطوات مرتبطة بتحديث القطاع العام وترشيقه، شملت تعديلات على نظام إدارة الموارد البشرية، وتوحيد منظومة الحوافز والمكافآت، إلى جانب استحداث آلاف الوظائف الجديدة في قطاعات التعليم والصحة والوزارات المختلفة.

فبعد أعوام من هيمنة اعتبارات الضبط المالي على المشهد الاقتصادي، تبدو الحكومة الحالية حريصة على إظهار اهتمام أكبر بالبعد الاجتماعي، سواء من خلال تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية أو توجيه الإنفاق نحو المشاريع التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

لكن الحكم على نجاح هذه المقاربة وفق مراقبين، يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على تحويل القرارات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء من خلال تحسن مستوى الخدمات، أو توفير فرص العمل، أو الحد من الضغوط المعيشية التي تواجه الأسر الأردنية.

وضمن مسار التحديث الإداري، شهدت الفترة الماضية إجراءات تستهدف تطوير بيئة العمل الحكومي وتحسين الأداء المؤسسي، شملت مراجعة أنظمة الموارد البشرية، وإعادة هيكلة بعض الحوافز الوظيفية، واستحداث آلاف الوظائف في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة.

وفي ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات جيوسياسية واقتصادية معقدة، يبرز تساؤل حول إن كانت الحكومة قررت المضي قدماً في سلسلة قرارات شعبية ترتبط بالواقع المعيشي، أم أننا أمام حزمة إسعافات أولية تفرضها المرحلة.

 حلول غير تقليدية

 يرصد اقتصاديون أداء حكومة حسان بالقول إنها تميزت عن سابقاتها بمحاولة الابتعاد من الحلول التقليدية، مثل رفع الضرائب أو الاقتراض المباشر والاعتماد على بدائل مالية واستثمارية مرنة، كالشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص وأتمتة الخدمات ومحاربة التهرب الضريبي والتهريب الجمركي، وهو مما أدى بدوره وفق دائرة ضريبة الدخل والمبيعات إلى ارتفاع الإيرادات، وأتاح هوامش مالية لتمويل زيادة الرواتب.

بينما لعبت خطة التحول الرقمي دوراً في تقليص الكلف التشغيلية ومحاربة البيروقراطية، وأسهم بصورة غير مباشرة في خفض كلف الإنتاج على المستثمرين، وفرضَ استقراراً على أسعار السلع للمستهلكين.

رفع الحد الأدنى للأجور

يقول الكاتب والمتخصص في الشأن الاقتصادي عصام قضماني إن الحكومة مقبلة على خطوة أخرى إيجابية تفضي إلى زيادة الحد الأدنى للأجور، والمقترح أن يرفع من 290 ديناراً إلى 320 ديناراً (من 400- 450 دولاراً).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بزيادة رواتب الموظفين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار يرى أنها الشريحة الأولى من الطبقة المتوسطة وما دونها، وهي الشريحة المتأرجحة بين خطي الفقر والطبقة المتوسطة وقوامها نحو 800 ألف مواطن.

يعتقد قضماني أن الزيادة الأخيرة للرواتب ستعزز زيادة القدرة الشرائية لهذه الطبقة في مواجهة ارتفاع متوقع للأسعار، كما أنها ستؤثر إيجاباً على الرواتب التقاعدية لهذه الشرائح.

حكومة ميدانية

يُجمع كثر على أن هذه الحكومة اتسمت بالنمط الميداني لرئيس الوزراء، من خلال جولات مباشرة ومتابعة حثيثة للمشاريع المتعثرة في المحافظات.

وفيما تسعى مالياً إلى الحفاظ على معدل نمو حقيقي يدور حول 2.5 في المئة إلى 2.8 في المئة، يظل العبء الأكبر الذي يقيد أي خطة حكومية للانحياز المعيشي هو خدمة الدين العام (الفوائد)، والتي تستهلك جزءاً كبيراً من النفقات الجارية.

في السياق ذاته تبدو شبكة الأمان الاجتماعي أفضل حالاً مع توجيه الاستهداف للفئات الأقل دخلاً، إذ ركزت التوجهات الأخيرة على إعادة هيكلة المساعدات الممنوحة عبر صندوق المعونة الوطنية لضمان وصولها إلى الأسر "الأشد فقراً وعوزاً"، بناءً على نظام السجل الوطني الموحد.

قرار جريء

يصف المتخصص الاقتصادي سلامة الدرعاوي قرار زيادة رواتب الموظفين بالجريء، كونه جاء على رغم كل التحديات والضغوط المالية التي تعرض لها الاقتصاد الأردني والموازنة منذ بداية العام الحالي نتيجة التطورات الإقليمية الصعبة وتنامي الاضطرابات العسكرية، وتداعيات الحرب الحالية من ارتفاع أسعار النفط عالمياً والشحن والتأمينات وزيادة كلف الدعم.

يتحدث الدرعاوي عما يقارب 21 مليون دينار شهرياً ستدخل مباشرة إلى جيوب المواطنين وتعود إلى الأسواق المحلية على صورة إنفاق واستهلاك.

ويضيف الدرعاوي "هذه الأرقام وحدها تكشف عن أن القرار لا يقتصر على كونه زيادة رواتب، بقدر ما يمثل حزمة تحفيز اقتصادي موجهة للفئات الأكثر إنفاقاً في الاقتصاد، فالموظف أو المتقاعد الذي يتقاضى أقل من 600 دينار لا يمكِّنه دخله من الادخار أو الاستثمار المالي، ويتحول إلى الإنفاق المباشر على الغذاء والدواء والتعليم والنقل والحاجات اليومية، مما يعني أن كامل الـ21 مليون دينار تقريباً ستعود شهرياً إلى الدورة الاقتصادية".

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي