Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستقبل القوة العالمية والنخبة الحاكمة الجديدة

يبدو المشهد الدولي اليوم كأن أثرياء الذكاء الاصطناعي يمسكون بدفة قيادة العالم المعاصر فيما يبدو أصحاب المليارات التقليديون من الصناعيين خارج الصورة

أصبحت الشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي تشارك في النقاشات على أعلى المستويات (أ ف ب)

ملخص

لم تعد الانتصارات في الحروب المستقبلية ترتبط بقوة الجيوش التقليدية وحدها. فسلوك عمالقة التكنولوجيا سيؤثر بعمق في مسارات الصراع، مما يشير إلى تشكل نظام عالمي جديد.

اليوم داخل الولايات المتحدة تبدو ثروات 10 من كبار أصحاب شركات الذكاء الاصطناعي أكثر من 16 تريليون دولار، أي ما يعادل ثمانية في المئة من الناتج المحلي للولايات المتحدة.

هل أفرزت قمة مجموعة السبع الكبار في مدينة إيفيان الفرنسية حقائق جديدة تتصل بالنظام العالمي، الذي يبدو واضحاً أنه يعاد تفكيكه وتركيبه مرة أخرى في هذه الحقبة المضطربة من التاريخ المعاصر؟

الذين تابعوا أعمال القمة تساءلوا كيف يجلس الرؤساء التنفيذيون لكبرى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، على قدم المساواة مع رؤساء أكبر سبع دول في العالم. وتساءلوا عما إذا كان ذلك يوحي بأن ترتيبات جديدة تتشكل في المستقبل في شأن من يقود العالم المعاصر.

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من مراجعة التاريخ، وفي مقدمته العمل الذي صدر قبل 70 عاماً. ففي عام 1956 نشر عالم الاجتماع الأميركي سي رايت ميلز كتاباً كشف فيه عن القوى الخفية التي تسيطر على الحكومة في الولايات المتحدة، وهو ما أطلق عليه ميلز اسم "النخبة الحاكمة الأميركية".

صمم كتاب ميلز لاستكشاف العالم الخفي الذي تعمل فيه النخبة الحاكمة، وكشف النفوذ الهائل لمجموعة كانت لقراراتها عواقب وخيمة على سكان العالم. وأشاد المعلقون بميلز لوضعه نظرية حول مكان وجود القوة الحاسمة في المجتمع الأميركي، وكيف وصلت إلى هناك وكيف تمارس أدوارها. فهل اليوم شبيه بالأمس؟

عمالقة الذكاء وظهور النخبة الجديدة

كان هدف قمة مجموعة السبع، التي عقدت بين الـ15 والـ17 يوليو (تموز) الجاري في إيفيان إعادة تأكيد طموح فرنسا في استعادة الدور الأساس للمجموعة، عبر مزيد من التنسيق بين الديمقراطيات التقليدية، لا سيما في ما يخص أوضاع الاقتصاد والتجارة الدولية، والبحث في سبل الاستقرار العالمي بعد اتساع الاختلالات في العالم.

غير أن المشهد لم يمض على هذا النحو. فقد بدا أن هناك مشاركين رئيسين في صنع القرارات الدولية خلال الأعوام المقبلة.

على طاولة السبعة الكبار جلس الرؤساء التنفيذيون لعمالقة الذكاء الاصطناعي "أوبن أي آي" و"أنثروبيك" و"غوغل" و"ميسترال أي آي"، ودارت النقاشات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في إعادة رسم العالم.

وكان لافتاً غياب قادة أكبر شركات الطاقة في العالم والتكتلات الإعلامية والجيوش. وفي المقابل، حضر رؤساء تنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي.

في تقرير لموقع "إكسيوس" الأميركي المقرب من البيت الأبيض، ورد "جلسوا وعوملوا كرؤساء دول قومية".

ويقول التقرير إن هذا هو المستقبل الذي يتصوره كثير من القادة والرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي. ويضيف "رؤساء الدول وخبراء التكنولوجيا في نقاش مستمر، وأحياناً صراخ، حول من يسيطر على الذكاء الاصطناعي وقواعده وتطبيقه في الحكم والأمن العالميين".

لم تعد مجموعة السبع تكتفي بمناقشة كيفية تنظيم الدول للتكنولوجيا. وأظهرت تركيبة المشاركين أن شركات التكنولوجيا باتت جهات فاعلة يصعب اتخاذ قرارات في شأن الذكاء الاصطناعي من دونها.

في عام 2023 أطلقت مجموعة السبع "عملية هيروشيما" للذكاء الاصطناعي، التي اعتمدت مبادئ دولية ومدونة سلوك طوعية للمنظمات التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

الفارق الآن أن الوضع السياسي للشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي يتغير. لم تعد هذه الشركات خاضعة للتنظيم فحسب، بل أصبحت تشارك في النقاشات على أعلى المستويات.

وبخلاف البرامج النووية أو سباق الفضاء في النصف الثاني من القرن الـ20، لم يعد تطوير الذكاء الاصطناعي اليوم في أيدي الدول وحدها، ولم تعد الحكومات الجهة الوحيدة التي تحدد مسار التطور التكنولوجي.

يُنشئ هذا نوعاً جديداً من التبعية، فمن جهة يرغب القادة السياسيون في تنظيم تكنولوجيا لا يملكونها، وتسعى الشركات إلى الوصول إلى الأسواق ورأس المال والطاقة والرقائق الإلكترونية وثقة الجمهور، لكنها لا تريد أن تعوقها القوانين التنظيمية. وبين هذه المصالح يبرز مجال جديد للتفاوض.

يؤشر ذلك إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قضية تقنية. فالتطوير والقواعد المصاحبة له باتا يناقشان ليس فقط من المهندسين والجهات التنظيمية والقانونيين، بل أصبحا جزءاً من أعلى هرم واقعية النظام العالمي الجديد. فماذا يعني ذلك؟

شركات أقوى من الدول القومية

يتطلب الجواب العودة إلى الفترة بين عامي 2014 و2024، والنظر إلى أوضاع شركات التكنولوجيا الأميركية على نحو خاص.

خلال هذا العقد حققت سبع شركات أميركية عملاقة هي "مايكروسوفت" و"أبل" و"إنفيديا" و"تسلا" و"أمازون" و"ميتا" و"ألفابت" أرباحاً صافية إجمالية بلغت تريليوني دولار، من إيرادات بلغت 14.5 تريليون دولار. وتبلغ قيمتها السوقية مجتمعة 22.4 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو أربعة أخماس حجم الاقتصاد الأميركي، وأكبر من الناتج الإجمالي للصين.

لم تعد سوق الأسهم سوقاً للشركات فحسب، بل أصبح سوقاً لسبع موازنات عمومية. وبحلول أواخر عام 2025 شكلت هذه الشركات السبع مجتمعة نحو 37.5 في المئة من إجمال القيمة السوقية لمؤشر "ستاندرد أند بورز 500"، وهو مستوى تركز غير مسبوق في التاريخ المالي الحديث.

في عام 2024 وحده حققت مجموعة "مانتا-7" إيرادات إجمالية بلغت نحو تريليوني دولار. ولتوضيح ما يعنيه ذلك، فإن عدداً قليلاً فقط من أكبر اقتصادات العالم يتجاوز تريليوني دولار في الناتج الإجمالي السنوي، مما يفيد بأن هذه المجموعات السبع تعمل على نطاق أوسع من معظم دول العالم. فهي تعمل على مستوى الدول، لكن من دون التزاماتها الديمقراطية.

على مدى العقد الماضي حققت شركتا "أبل" و"مايكروسوفت" معاً أكثر من نصف إجمال أرباح المجموعة، مما قاد التحول نحو الرأسمالية الرقمية. واستثمرت "ألفابت" و"ميتا" في جذب انتباه المستخدمين، وأصبحت "إنفيديا" عنصراً لا غنى عنه في طفرة الذكاء الاصطناعي. وعززت "أمازون" مكانتها في الخدمات اللوجيستية والحوسبة السحابية. وحولت "تسلا" طموحها الصناعي إلى زخم استثماري.

السؤال الجوهري هنا: هل ما يجمع هذه الشركات هو القدرة على الابتكار؟

الجواب لا، بل السيطرة المركزية على البيانات والمنصات والبنية التحتية الرقمية للاقتصاد الحديث.

يعني ذلك انقلاباً في المفهوم الرأسمالي. فقد كان يفترض أن تضفي الرأسمالية الرقمية طابعاً ديمقراطياً على ريادة الأعمال، محققة بذلك المثل الأعلى النيوليبرالي القائل إن كل فرد رائد أعمال.

لكنها في الواقع رسخت احتكار السوق. فقد حولت تأثيرات الشبكة والسيطرة على الملكية الفكرية وتحويل الأرباح والانتشار العالمي المزايا المبكرة إلى هيمنة هيكلية. وبحلول عام 2024 نافست أرباح "مانتا-7" أرباح عمالقة الصناعة الأوروبيين، لا سيما أن تحقيق هوامش تشغيل تتجاوز 25 في المئة يبقى صعباً في سوق تنافسية حقيقية.

هل هذه بداية الانسلاخ عن مسارات فكرة الدولة القومية؟

باختصار، تعمل كل مجموعة شركات الآن كنظام بيني مكتفٍ ذاتياً. فبامتلاكها احتياطات نقدية مجمعة تبلغ مئات المليارات لم تعد تعتمد على التمويل الخارجي. وتستحوذ على المنافسين قبل أن يشكلوا تهديداً، وتطور الابتكار عبر الاستثمار الاستراتيجي، وتستخدم إعادة شراء الأسهم لتركيز الملكية بصورة أكبر.

وفي الوقت ذاته، تؤثر أسعار أسهمها في عوائد السندات والعملات. وفي المحصلة، هي مؤسسات اقتصادية كلية، بمعنى أنها أصبحت أسواقاً قائمة بذاتها لا شركات داخل الأسواق، مما يقربنا من تصور الاستغناء عن الدولة القومية.

هل يعني ذلك أن سباق الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المنافسة بين الدول القومية؟

منافسات أممية خارج الأطر التقليدية

في قراءة صدرت في أغسطس (آب) 2023 عن مركز دراسات هنري كيسنجر لشؤون العالمية، نجد جواباً عن السؤال المتقدم.

تقدم أودري كورت كرونين، أستاذة الأمن والتكنولوجيا ومديرة معهد كارنيجي ميلون في جامعة كارنيجي ميلون، رؤية حول كيفية إعادة شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة تشكيل المنافسة بين القوى العظمى.

تقول كرونين إن شركات التكنولوجيا العملاقة تغير بالفعل موازين القوى العظمى وقد تحدد مصيرها.

وترى أنه لا ينبغي النظر إلى تلك الشركات بوصفها ذات أدوار ثانوية في الصراعات العسكرية، لا سيما بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بل التعامل معها على أنها جهات فاعلة جيوسياسية تمتلك موارد ونفوذاً يفوقان معظم الدول. وحتى مع الخفوض التي أعقبت جائحة كوفيد-19، فإن شركات التكنولوجيا التجارية تغير من ينجح ومن يفشل في الصراع. وفي حرب أوكرانيا وخارجها ظهر كيف لعبت أقمار "ستارلينك" الصناعية لإيلون ماسك دوراً متقدماً في إدارة شؤون الحرب.

يبدو التاريخ الإنساني هنا وكأنه يعيد نفسه. فقد ارتبطت التقنيات التجارية وصعود القوى العظمى ارتباطاً وثيقاً. وعلى مدى قرون لم تستند قوة الدولة إلى التكنولوجيا العسكرية وحدها، مثل السفن الشراعية ذات الجوانب العريضة والمدافع المتطورة وتقنيات إطلاق النار المنسقة بالبنادق، كما يزعم غالباً، بل استندت أيضاً إلى جهات فاعلة وعمليات تجارية مبتكرة.

ابتداءً من القرن الـ15 استغلت الحكومات الأوروبية، بما فيها النظام الروسي، التقدم التكنولوجي مثل علم المعادن والوقود الأحفوري والتليغراف، وحولته إلى قوة دولة.

وكان للصين إمكانية الوصول إلى التقنيات نفسها، وابتكرت اختراعات أساس مثل البارود والبوصلة والمطبعة. مع ذلك لم تستغل الحكومة الصينية هذه التقنيات لبناء قوة عسكرية في العصر الحديث، مما جعلها تتأخر عن مواكبة الغرب في القرنين الـ18 والـ19، قبل أن تدرك أهمية هذه الأدوات.

اليوم، كما كانت الحال خلال أوائل العصر الحديث، تساعد الجهات الفاعلة التجارية العابرة للحدود في تشكيل مسار القوى العظمى.

ويتجلى الدور الجيوسياسي للشركات التكنولوجية بوضوح في الحرب الأوكرانية، مما يدحض فكرة أن منصات مثل "فيسبوك" و"غوغل" و"يوتيوب" جهات محايدة. فقد حمت "مايكروسوفت" أوكرانيا من الهجمات الإلكترونية، وأزالت "غوغل" صوراً لأوكرانيا من خرائطها مفتوحة المصدر، بينما تبقي خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك الأوكرانيين متصلين بالإنترنت عبر 2000 قمر اصطناعي مملوك للقطاع الخاص. كذلك أزالت "مايكروسوفت" نقاط إطلاق الإنترنت الروسية للهجمات الإلكترونية ضد أوكرانيا.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أن الانتصارات في الحروب المستقبلية لم تعد ترتبط بقوة الجيوش التقليدية وحدها. فسلوك عمالقة التكنولوجيا سيؤثر بعمق في مسارات الصراع، مما يشير إلى تشكل نظام عالمي جديد.

الذكاء الاصطناعي ونظام عالمي جديد

في مؤلفه الأحدث الذي صدر في يناير (كانون الثاني) الماضي، يتوقع الفيلسوف والجغرافي الإنجليزي نيك سرنيسيك أن ينشئ سباق الذكاء الاصطناعي نظاماً عالمياً جديداً.

في كتابه "إمبراطوريات السيلكون: الصراع من أجل مستقبل الذكاء الاصطناعي" يشرح سرنيسيك كيف تتنافس بعض شركات التكنولوجيا والولايات المتحدة والصين للسيطرة على تطوير الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من أن الأسرع في بسط النفوذ وترويج المنتجات هو من سيتحكم في مسارات عالمنا.

ويرى أن نتائج الصراعات الجيوسياسية بين عمالقة صناعة أشباه الموصلات لا تزال غير مؤكدة، لكن بعض ملامحها بدأت تتضح. وفي أقصى حالاتها قد تؤدي المنافسة إلى انهيار كامل في البنية التحتية الرقمية، إذ تنفصل الأنظمة الرقمية تماماً إلى نصفي الكرة الأرضية لتشكل عالماً رقمياً ثنائي القطبية أو ربما ثلاثي القطبية.

وتبدو الولايات المتحدة والصين عازمتين على تطبيق هذا التوجه محلياً. فعلى سبيل المثال، يهدف مشروع "حذف A" الصيني إلى إزالة التكنولوجيا الأميركية من سلاسل توريد الشركات الصينية. واستلزم ذلك إصدار توجيهات حكومية وتشجيع الجهات التنظيمية الشركات الصينية على تجنب استخدام التكنولوجيا الأميركية.

في عام 2022 طلب من الشركات المملوكة للدولة استبدال البرامج الأجنبية. وفي عام 2023، تعرضت شركات أشباه الموصلات المحلية لضغوط متزايدة لتفضيل الشركات المحلية وتطوير سلاسل توريد بديلة.

وبالمثل، منعت الولايات المتحدة نشر بنية "هواوي" التحتية محلياً، وتبذل جهوداً لمنع استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المفتوحة من قبل منظمات أميركية.

يتضح في الكتاب أنه بالتوازي مع جهود السيادة الرقمية يتزايد تداخل القوى الجيوسياسية، وهو تحول ملحوظ عن حقبة الحرب الباردة التي اتسمت بالتكتلات الإقليمية والتحالفات المتباعدة جغرافياً.

في المستقبل القريب تبدو التحالفات شبكات من الشركات الرقمية والمالية واللوجيستية، مما يخلق واقعاً جيوسياسياً مختلفاً عن العالم ثنائي القطبية، ويتجاوز فكرة المواجهة بين أحلاف قائمة على مرتكزات جغرافية.

من هنا يبرز سؤال عن الدور الذي تقوم به هذه الشركات العملاقة، وما إذا كانت تعيد تفكيك نظام عالمي ثم تركيبه.

عن نظام عالمي اقتصادي جديد

يستدعي الحديث عن تفكيك النظام العالمي تناول أوجه عدة، لكن لأن الشعوب كما الجيوش تمشي على بطونها، يبدأ السؤال من النظام الاقتصادي العالمي وكيف تغيره كبرى شركات التكنولوجيا بما يتجاوز قدرات أي دولة قومية.

تقدم أليكس بنتلاند، زميلة مركز في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، رؤية لنظام اقتصادي عالمي مختلف تلعب فيه هذه الشركات دوراً رئيساً.

في نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الاقتصادية والعسكرية بلا منازع، وفرضت فكرة نظام عالمي قائم على القواعد، تنفذه منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، ومارست نفوذها على الاقتصاد العالمي عبر نظام بريتون وودز باستخدام أدواته المتمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

لكن في وقت سابق من هذا العام، وفي كلمته ضمن منتدى دافوس، قال رئيس الوزراء الكندي كارني "كنا نعلم جميعاً أن ذلك كان كذبة جزئية في الأقل، وأن الأقوياء يستطيعون دائماً التذرع بالاستثناء متى ما ناسبهم ذلك". ويطرح ذلك سؤالاً عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير ملامح هذا النظام، وكيف يمكن أن يحدث ذلك إذا ظلت الشركات العملاقة أميركية.

توضح بنتلاند أن معظم الدول الصغيرة تأمل في أن يساعدها الذكاء الاصطناعي في التعامل مع التغيرات السياسية المتسارعة، وأن يمكنها من بناء اقتصادات مزدهرة. لكنها لا تتطلع إلى نماذج الشركات الأميركية العملاقة، بل إلى أنظمة ذكاء اصطناعي "سيادية" أكثر تخصصاً تعنى بتجارة دولها وقطاعاتها المصرفية وعملياتها الحكومية وخدمات مواطنيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على سبيل المثال يهدف مشروع "Citizen Stack" الهندي إلى أن تخصصه كل دولة مشاركة بما يتناسب مع حاجاتها، بما يشكل منطقة تجارية رقمية قابلة للتشغيل البيني لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

وبالمثل تزيد الصين استثماراتها في مبادرة الحزام والطريق، وهي استراتيجية عالمية للبنية التحتية والتنمية الاقتصادية لربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، بما قد يوفر منطقة تجارية أخرى قابلة للتشغيل البيني لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

وتتبع شركات عدة، بما في ذلك العاملة في التمويل والصحة والتجارة، هذا النهج أيضاً. فبدلاً من تقديم خدمات موحدة في أنحاء العالم، تنشر أنظمة مصممة خصيصاً لتناسب الظروف المحلية، لكنها قابلة للتشغيل البيني لدعم التجارة الدولية.

وتخلص بنتلاند إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على خلق عالم من الشركات الصغيرة، وأن دولاً وشركات عدة تبحث عن تصور عملي لكيفية الاستفادة منه ضمن هذا التحول.

هل يمكن أن تكون لمثل هذه المبادرات فاعلية أمام النخبة الحاكمة الجديدة؟

أثرياء الذكاء وقيادة العالم المعاصر

يبدو المشهد الدولي اليوم كأن أثرياء الذكاء الاصطناعي يمسكون بدفة قيادة العالم المعاصر، فيما يبدو أصحاب المليارات التقليديون من الصناعيين خارج الصورة.

عندما أصبح بيل غيتس أول قطب حديث في تكنولوجيا المعلومات يبلغ ذروة الثروة والنفوذ عام 1992 كان العالم مختلفاً. وانضم إلى قائمة أغنى 10 أشخاص في العالم الصادرة عن مجلة "فوربس" إلى جانب مليارديرات من اليابان وألمانيا وكندا وكوريا الجنوبية والسويد، بينهم أصحاب ثروات عائلية من بريطانيا والولايات المتحدة. وشملت القائمة قطاعات متنوعة مثل تجارة التجزئة والإعلام وإدارة العقارات والتغليف وشركة استثمار وتكتلات صناعية. وبلغت ثرواتهم مجتمعة نحو 100 مليار دولار، أي ما يعادل أقل من نصف في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ذلك العام.

اليوم داخل الولايات المتحدة تبدو ثروات 10 من كبار أصحاب شركات الذكاء الاصطناعي أكثر من 16 تريليون دولار، أي ما يعادل ثمانية في المئة من الناتج المحلي للولايات المتحدة.

هل يعيد هؤلاء، ومن قد يبرز من أقرانهم قريباً، تشكيل نخبة تتحكم في مستقبل البشرية؟

لا تكمن المسألة في كونهم مليارديرات بمنأى عن هموم معظم البشر اليومية فحسب، بل في أن نظرتهم للعالم متجذرة في اعتقاد أن التكنولوجيا تقدم الحل الأمثل لجميع تحديات البشرية، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو ديموغرافية أو بيولوجية أو نفسية أو بيئية أو غير ذلك.

ويبدو أن المستقبل المفصل الذي يتصورونه، المعتمد على الذكاء الاصطناعي، يترك مساحة محدودة لمخاوف الناس الذين يعيشون في الحاضر. كذلك لا ينسجم مع الحكم الديمقراطي البطيء، وبخاصة إذا كان يعوق مسارات التطوير.

ولا يخفي بعض أقطاب التكنولوجيا هذا الطموح. فقد جادل لاري بيج أحد مؤسسي "غوغل" بأن الحياة الرقمية هي "الخطوة الطبيعية والمرغوبة التالية" في التطور الكوني للبشرية. وقال "إذا تركنا العقول الرقمية حرة بدلاً من محاولة إيقافها أو استبعادها، فمن شبه المؤكد أن تكون النتيجة جيدة".

أما سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أي آي"، فيرى أن البشرية "ستكون أول نوع على الإطلاق يصمم نسله بنفسه". ويضيف "يمكن للبشر إما أن يكونوا بمثابة المحرك البيولوجي للذكاء الرقمي ثم يتلاشى فرع من فروع شجرة التطور، أو أن نكتشف كيف يبدو الاندماج ناجحاً".

وفي سياق مشابه، يقول ألتمان "يتحدث الناس عن كمية الطاقة اللازمة لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي، لكن تدريب الإنسان يتطلب أيضاً طاقة هائلة. يحتاج الإنسان إلى نحو 20 عاماً من حياته، وكل ما يستهلكه من طعام خلال تلك الفترة ليصبح ذكياً".

هل هي نخبة قد تتسبب في إيذاء الجنس البشري في الأعوام المقبلة؟

في بقاء الدولة القومية وسقوطها

تظهر مقاربة مختلفة لدى الروائي الإنجليزي رانا داسغوبتا، في كتابه "ما بعد الأمم، صناعة وتفكيك النظام العالمي".

يكتب داسغوبتا أن الدولة القومية استهلكت الماضي، بل واستهلكت قلوبنا أيضاً. فبعد أن يتعلم الأطفال سريعاً اختلافهم عن الطيور والحيوانات، يلقنون أنهم تشيليون أو تايلانديون، وأن تكوينهم العاطفي لا يفهمه إلا أبناء جنسهم.

وبالنسبة إلى اللورد بايرون، أحد رواد المشاعر الغربية الحديثة، كانت الروح الوطنية موضوعاً شعرياً بطولياً. ولا تزال رغبته في تحرير اليونان من التبعية العثمانية حاضرة في سياقات أخرى.

هل تقود شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة إلى نهاية الدولة القومية؟

بالعودة إلى أودري كورت كرونين، تميل إلى القول إن الشركات العملاقة لن تحل محل الدول القومية، لكنها ستعيد تشكيلها.

وترى أن السؤال الحقيقي هو، أي من القوى العظمى سيواجه تحدي تحويل التقنيات الجديدة والناشئة إلى قوة تتجاوز سلطة الدولة؟

الإجابة غير واضحة عالمياً، لا سيما أن الابتكارات التكنولوجية تنطلق من القطاع الخاص، ولأن الحكومات ليست المبادرة دائماً، فهي مجبرة على التوافق مع مصالح شركات التكنولوجيا المبتكرة، إما بالإقناع أو بالإكراه.

المزيد من تحقيقات ومطولات