ملخص
أمام دروس تاريخية تشير إلى أن "القوى العظمى لم تسقط عادةً لأنها فقدت قوتها دفعة واحدة، بل لأنها بلغت من القوة حداً أصبحت معه كلفة الحفاظ عليها أعلى من عوائدها، وأن رقعة النفوذ كلما اتسعت تنامت معها كلفت الالتزامات، وتحولت الهيمنة من مصدر للقدرة إلى مصدر للاستنزاف"، تقف الولايات المتحدة في الذكرى الـ250 لتأسيسها أمام أسئلة محورية تتجاوز البحث عما إذا كانت واشنطن لا تزال القوة الأولى في العالم، إلى إعادة تعريف حدود القدرة الأميركية على الاستمرار في دفع فاتورة هذه المكانة في عالم تتكاثر فيه الأزمات والصراعات وتتسارع فيه مراكز القوة المنافسة.
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، أي أكثر من ثلاثة عقود، أبقت الولايات المتحدة على هيمنتها الدولية ضمن نظام عالمي أحادي القطبية، مرتكزة في ذلك على قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وحتى الثقافية غير المسبوقة، وظل الهدف الاستراتيجي للإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض الحفاظ على صدارة واشنطن لمعادلات النفوذ العالمي. إلا أن هذه الهيمنة "الراسخة والفاعلة" سرعان ما بدأت تحلحلها التطورات والتغيرات الدولية المتلاحقة والمتشابكة، وفق توصيف البعض، بعدما زادت حدة المنافسة خلال السنوات الأخيرة بين واشنطن وفاعلين دوليين آخرين تتباين مصالحهم ورُؤاهم وسياستهم، وهو أمر بات يؤرق صانع القرار الأميركي لما تفرضه تلك التحولات التي وصلت في بعض محطاتها إلى "نمط صراعي"، من أعباء وكلف إضافية قد تدفع بالقوة الأميركية إلى التراجع عن صدارة النظام الدولي ويفتح الباب أمام نظام جديد قد تكون "معالمه قد بدأت في التشكُّل"، غير أن شكله النهائي لم يكتمل بعد.
وأمام دروس تاريخية تشير إلى أن "القوى العظمى لم تسقط عادةً لأنها فقدت قوتها دفعة واحدة، بل لأنها بلغت من القوة حداً أصبحت معه كلفة الحفاظ عليها أعلى من عوائدها، وأن رقعة النفوذ كلما اتسعت تنامت معها كلفت الالتزامات، وتحولت الهيمنة من مصدر للقدرة إلى مصدر للاستنزاف"، تقف الولايات المتحدة في الذكرى الـ250 لتأسيسها أمام أسئلة محورية تتجاوز البحث عما إذا كانت واشنطن لا تزال القوة الأولى في العالم، إلى إعادة تعريف حدود القدرة الأميركية على الاستمرار في دفع فاتورة هذه المكانة في عالم تتكاثر فيه الأزمات والصراعات وتتسارع فيه مراكز القوة المنافسة، مع مواجهة الهيمنة الأميركية محاولات متكررة للتمرد، بعضها ضمن سياق محلي أو إقليمي، والآخر في السياق العالمي كما هي الحال بالنسبة إلى روسيا والصين.
ومنذ سنوات، ومع ما يواجه الزعامة الأميركية من أعباء متزايدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وفي المحيطين الهندي والهادي وبحر الصين الجنوبي، ومناطق أخرى حول العالم، يجادل مفكرون وعلماء سياسة أميركيون، حول قدرة الولايات المتحدة الأميركية على إدارة عالم لم تعد المنافسة الدائرة بين أطرافه مجرد صراع على من يقود النظام الدولي، بقدر ما يعكسه من اختبار لقدرة القوة المهيمنة على إدارة التناقضات الجوهرية، مما يثير تساؤلات حول سبل الحفاظ على موقع القمة، من دون أن تتحول القمة نفسها إلى "عبء استراتيجي" يقيد حرية الحركة ويستنزف الموارد، وما إذا كان ما تواجهه الولايات المتحدة يبقى "تمرداً عابراً" من قوى صاعدة، أم بداية تحول هيكلي وبنيوي في النظام الدولي يفرض على واشنطن إعادة تعريف معنى القيادة في نظام عالمي لم يعد يقبل بالهيمنة المطلقة القائمة ما بعد الحرب الباردة.
القيادة الأميركية في عالم متقلب
لم يكن صعود الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى في النظام الدولي وليد لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، إذ جاء بروزها على الساحة الدولي كقوة صاعدة خلال القرن الـ19، حين عززت هيمنتها الإقليمية في الأميركيتين عبر ما يعرف بـ"عقيدة مونرو" (مبدأ سياسي أعلنه الرئيس الخامس جيمس مونرو عام 1823، يقوم على اعتبار الأميركتين مجالاً حيوياً للولايات المتحدة، ويحظر على أي قوى أوروبية التدخل في شؤون النصف الغربي من الكرة الأرضية أو تأسيس مستعمرات جديدة فيه)، ومنذ ذلك مثلت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي النطاق الجغرافي الطبيعي لهذه الهيمنة الصاعدة في إطار التشكيل الاجتماعي الرأسمالي الأميركي.
في تلك الفترة، وفق ما تشير الأدبيات التاريخية، شرعت واشنطن كذلك في الانغماس المتزايد في الشؤون العالمية، متحدية بذلك التقسيمات التقليدية لمناطق النفوذ في الصين التي رسمتها القوى الأوروبية آنذاك، معلنة في نهاية القرن الـ19 عن ضرورة منح جميع الدول حقوقاً متساوية في التجارة مع الصين، وهو الموقف الذي عُرف لاحقاً باسم سياسة "الباب المفتوح" (مجموعة أسس ومبادئ أدرجتها الولايات المتحدة في مذكرتين وجهتهما عامي 1898 و1899 إلى الدول الأوروبية واليابان وروسيا، عارضت فيهما نهج تقسيم الصين إلى مناطق نفوذ فيما بينها، وهو ما كان سيضر بالمصالح الأميركية في التجارة الحرة معها)، والتي هدفت إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ القائمة والحفاظ على امتيازات متكافئة للقوى الاستعمارية الغربية.
ومع بدايات القرن الـ20 بدأ الصعود الأميركي على الساحة الدولية يأخذ أبعاداً أكثر انخراطاً، سواء في الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية التي قادت لانتصار الحلفاء على دول المحور، وإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالح ورؤى الدول المنتصرة (أميركا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي)، لكن سرعان ما قاد تراجع الإمبراطورية البريطانية إلى تزايد الدور الأميركي في الشؤون العالمية، وهو دور اصطدم بالنفوذ الاشتراكي السوفياتي ليخوض الجانبان "حرباً باردة" استمرت أكثر من أربعة عقود (1945 - 1991)، وانتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار للأنظمة الموالية له في أوروبا الشرقية، في مقابل بزوغ النموذج الغربي في طريقه للهيمنة العالمية، بصورتها السياسية على صعيد نظام الحكم ونشر ثقافة الديمقراطية، والاقتصادية في شكل الرأسمالية الليبرالية كأفضل ما أنتجه الفكر الاقتصادي العالمي.
وكانت حقبة الحرب الباردة أكثر فترات التاريخ الحديث التي قسمت العالم إلى مناطق نفوذ بين الكتلة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة والكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي، حيث تجسد هذا التقسيم عبر تحالفات عسكرية مثل حلف "الناتو" وحلف "وارسو"، مع تهديد دائم بالرعب النووي والدمار المتبادل، وتحولت بلدان العالم الثالث إلى ساحات لتصفية حسابات القوى العظمى عبر ما يعرف بـ"الحروب بالوكالة"، إلا أنه بانتهائها تمتعت واشنطن بلحظة أحادية غير مسبوقة، بدت خلالها قادرة على إدارة النظام الدولي وفق أولوياتها ومصالحها.
في توصيفه لنهاية "الحرب الباردة" وتزعم النموذج الغربي بقيادة الولايات المتحدة الهيمنة على العالم، اعتبر فرانسيس فوكاياما، صاحب الكتاب الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الصادر عام 1992، أنه بسقوط الاتحاد السوفياتي انتهى عصر الأيديولوجيات، وأن "مرحلة جديدة من شكل نظم الحكم يجب أن تسود"، مرتكزاً في فرضيته الأساسية على "الديمقراطية الليبرالية" و"الرأسمالية" كأعلى نموذج ينتجه الفكر الاقتصادي، مشيراً إلى أن نموذج الليبرالية الرأسمالية المرتكزة على الفهم الأميركي والغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان هو الذي ستكون له الغلبة، فهو ينظر إلى الديمقراطية الليبرالية بوصفها نقطة نهاية التطور الأيديولوجي الذي يجب أن تنتهي إليه الإنسانية، فهي الصورة المثالية لنظم الحكم، معتبراً أن دورة التاريخ ستكون اكتملت ووصلت إلى نهايتها بـ"سقوط الديكتاتورية والاستبداد وانتصار الديمقراطية الليبرالية، وتغلُّب الرأسمالية على الاشتراكية"، ومتى توافقنا على ذلك، فقد وصلنا إلى نهاية التاريخ، على حد وصفه.
لحظة الزعامة الأميركية تلك قال عنها عالم السياسة الشهير بجامعة هارفرد الأميركية غراهام أليسون إنها تشكلت في أعقاب سقوط جدار برلين عام 1989، إذ برزت عندها واشنطن كقوة مهيمنة على النظام الدولي، معتبراً أنه في هذه المحطة "توقف صانعو السياسة الأميركيون عن الاعتراف بمناطق النفوذ (أي قدرة القوى الأخرى على فرض الخضوع على دول أخرى في مناطقها أو ممارسة سيطرة مهيمنة عليها)، ليس لأن المفهوم قد عفا عليه الزمن، بل لأن العالم أصبح بأسره، بحكم الأمر الواقع، مجالاً أميركياً. فقد حلت منطقة نفوذ واحدة محل مناطق النفوذ التقليدية. ولا يزال الأقوياء يفرضون إرادتهم على الضعفاء، ولم تختفِ مناطق النفوذ، بل اندمجت في منطقة واحدة بفعل الهيمنة الأميركية الساحقة".
"عبء القمة"
لم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي مجرد نهاية للحرب الباردة، بل كان بداية لحظة تاريخية استثنائية لم تعرفها العلاقات الدولية منذ قرون، لحظة وجدت فيها الولايات المتحدة نفسها للمرة الأولى القوة الوحيدة القادرة على صياغة قواعد النظام العالمي دون منافس مكافئ، وبدا العالم آنذاك وكأنه دخل "القرن الأميركي"، واعتقد كثيرون أن واشنطن لن تواجه تحدياً حقيقياً لعقود طويلة.
لكن، وأمام ما كشفته أزمات وتحديات العقود والسنوات التالية حول العالم عن أن قيادة النظام الدولي لا تعني غياب المنافسين، وإنما تعني تراكم الأعباء واتساع جبهات المواجهة من الحروب الممتدة والأزمات الاقتصادية، إلى صعود قوى دولية وإقليمية باتت أكثر استعداداً لاختبار حدود النفوذ الأميركي، تحول نظام الأحادية القطبية وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم إلى موضع تساؤل بين متشككين في قدرتها على الاستمرار إثر بدء تراجع القوة الأميركية، مما يجعلها تلحق بغيرها من القوى والحضارات الكبرى التي سبق أن فرضت هيمنتها على العالم وشكلته، ثم تراجعت واندثرت، ومؤيدين لبقاء واشنطن على رأس النظام الدولي، لعدم وجود "بديل مناسب" إلى الآن ونجاحها في مواجهة الأزمات المتعددة خلال العقدين الأخيرين، سواء في أوروبا أو آسيا والشرق الأوسط، أو المحيطين الهندي والهادئ وبحر الصين الجنوبي، مع قدرتها على الإبقاء على ردع أبرز خصومها (روسيا وإيران وكوريا الشمالية)، واحتواء الصعود الصيني، وتوسيع دائرة الحلفاء، والمحافظة في الوقت ذاته على تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي، من دون الانزلاق إلى حروب استنزاف أو سباقات إنفاق لا نهاية لها، مشددين على أن القوة الأميركية لا تزال في ذروتها، وأنها أبعد ما تكون عن التراجع.
وحول هذه الجدليات طرح المؤرخ الأميركي البارز روبرت كاغان في كتابه "العالم صنع أميركي" تساؤلين بارزين لمستقبل القوة الأميركية، مفادهما ما إذا كانت أميركا "تواجه تراجعاً في مكانتها كقوة عظمى؟"، وما إذا كان "الأميركيون يواجهون خطر أن تمارس دولتهم الانتحار الاستباقي الذي تمارسه القوى العظمى قبل سقوطها؟"، قائلاً إنه "لا يمكن حساب كلفة البقاء في هذا الوضع، من دون حساب كلفة فقدانه".
ويشير كاغان إلى أن "بعض كلف تراجع دور أميركا في العالم بالطبع لا يمكن حسابها كمياً، ولكن يمكن قياس بعضها"، موضحاً "إذا أنتج انهيار القوة العسكرية الأميركية نظاماً اقتصادياً عالمياً متفككاً، وكانت هذه القوة قد أسهمت في الحفاظ عليه، وإذا أصبحت الطرق التجارية والممرات المائية غير آمنة، لأن البحرية الأميركية غير قادرة على حمايتها، إذا انفجرت الحروب الإقليمية بين القوى الكبرى، لأنها لم تعد مقيدة بالقوة الأميركية العظمى، وإذا ما تعرض حلفاء واشنطن للهجوم، لأنها غير قادرة على الدفاع عنهم، إذا أصبحت طبيعة النظام الدولي أقل حرية وانفتاحاً... كل هذا إذا ما حدث، فستكون هناك كلف ممن الممكن حسابها".
ويتابع كاغان "لا يضمن النجاح في الماضي التفوق في المستقبل، غير أن أميركا تمتلك من المقومات ما يضمن نجاحها على رغم حركة التاريخ، ومن بينها أن النموذج الأميركي أظهر قدرة على التبني والتعافي من الأزمات أكثر من أي نظام مماثل في الأمم الأخرى، خصوصاً منافسيها الاستراتيجيين"، مشيراً في الوقت ذاته إلى احتمالية أن تتعرض القوى الأخرى الصاعدة على الساحة الدولة لأزمات تعطل طريق صعودها، قائلاً "لا توجد أمة تستطيع تحقيق معجزات اقتصادية من دون أن تتعرض لأزمات، لكن أخطر ما قد يواجه الولايات المتحدة هو اعتقاد الأميركيين أن التراجع حتمي ولا مناص منه، أو أن الولايات المتحدة تستطيع أن تحصل على مهلة بالتخلي عن مسؤولياتها العالمية لتعيد ترتيب منزلها من الداخل"، معتبراً أن "الحفاظ على بنية النظام الدولي تحت القيادة الأميركية يشكل مصلحة مباشرة لواشنطن والعالم".
وعلى رغم حدة الأزمات التي يشهدها العالم منذ سنوات واشتداد المنافسة الدولية بما ينذر باحتمالات إعادة تشكيل النظام الدولي، جادل فيليب غوردون، الباحث والأكاديمي الأميركي المتخصص في السياسة الخارجية والأمن القومي، والذي شغل مناصب رفيعة في إدارتي الرئيسين باراك أوباما وجو بايدن، بأن النظام الدولي القائم على الهيمنة الأميركية لا يزال قائماً، قائلاً في دراسته المنشورة بمجلة "فورين أفيرز" الأميركية في يونيو (حزيران) تحت عنوان "لا تيأسوا من النظام الدولي"، إن النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم اختلالاته، "أسهم في منع الحروب بين القوى الكبرى، والحد من الانتشار النووي، وحماية حرية الملاحة، وتعزيز الازدهار والديمقراطية عالمياً"، معتبراً أن انسحاب واشنطن من دورها القيادي يهدد بتقويض هذه المكاسب وفتح المجال أمام العدوان والصراعات والانتشار النووي، فيما يتطلب الحفاظ على النظام إصلاحه، وزيادة إسهامات الحلفاء، وتحديث مؤسساته، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية التي أضعفت التأييد الشعبي له.
ويقول غوردون إن الأميركيين لا يتفقون هذه الأيام إلا على نقاط قليلة جداً في ما يتعلق بالسياسة والعلاقات الدولية، "بيد أن هناك إجماعاً متزايداً حول نقطتين أساسيتين: الأولى أن النظام الدولي الليبرالي القائم منذ زمن طويل، الذي أسس بعد الحرب العالمية الثانية، واستند إلى منظومة من التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة، والمؤسسات متعددة الأطراف، والتجارة المفتوحة نسبياً، والدفاع عن القواعد والأعراف مثل سيادة الدول وعدم الاعتداء وحرية الملاحة، قد مات"، مضيفاً "أما النقطة الثانية التي يزداد حولها الإجماع فهي أن إعادة تشكيل هذا النظام بصورة جذرية أصبحت ضرورة ملحة، فالدور الأميركي في الحفاظ على النظام القديم أصبح غير مُجدٍ وغير قابل للاستمرار، وكان ينبغي منذ زمن طويل أن يتخلى الأميركيون عن الأعباء اللازمة لمحاولة الحفاظ عليه".
ووفق غوردون فإن "المشكلة في هذا المنطق أن أياً من هذين الادعاءين غير صحيح، وأن التعامل معهما كما لو كان صحيحاً قد يحول هذا التصور الخاطئ إلى واقع خطر"، معتبراً أنه "سيكون من السابق لأوانه الاستسلام للاستنتاج الحتمي بأنه لا أمل في عودة قيادة أميركية أكثر التزاماً بالمبادئ وأكثر موثوقية، وسيكون أكثر تضليلاً الافتراض أنه إذا كان النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يحتضر فعلاً، فلن يفتقده العالم بشدة عندما يختفي، ولإعادة صياغة ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ذات مرة عن الديمقراطية، فإن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة هو على الأرجح أسوأ الأنظمة الممكنة، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي جُرِّبت من قبل".
في المقابل، يتعارض طرح كاغان وغوردون مع ما طرحه المؤرخ البريطاني الشهير بول كينيدي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى 1500 - 2000"، حين جادل أن استمرارية الدولة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقوتها الاقتصادية. وتنهار الدول عندما تعاني "التوسع الإمبراطوري المفرط"، وهو خلل خطر، حيث تتجاوز التزامات الدولة العسكرية والاستراتيجية العالمية الموارد الاقتصادية الأساسية اللازمة لدعمها.
وبحسب كينيدي فإن عوامل التراجع والانهيار الرئيسة في القوى العظمى تشمل "التوسع العسكري المفرط، وهو عندما تسعى قوة مهيمنة إلى حماية مصالحها العالمية من المنافسين الصاعدين، فإنها تزيد بصورة كبيرة من الإنفاق الدفاعي والبحري، وهذا يستنزف الموارد بعيداً من الاستثمارات الإنتاجية التي تولد الثروة، فضلاً عن الخلل الاقتصادي الذي يغير مسار القوة العالمية على المدى الطويل باستمرار بسبب تفاوت معدلات النمو الاقتصادي والتكنولوجي والديموغرافي"، معتبراً أنه "إذا تقلصت القاعدة الاقتصادية لدولة ما مقارنة بمنافسيها، فإنها لن تتمكن من تحمل كلف طموحاتها الجيوسياسية الحالية".
ويضيف كينيدي عوامل أخرى تتمثل في "الركود التكنولوجي، المتمثل في فشل الدول في الحفاظ على هيمنتها عندما تهمل الابتكارات التكنولوجية والتنظيمية التي تحرك التقدم الصناعي والعسكري للقوى الصاعدة الجديدة، وتحويل الاستثمارات الإنتاجية المتمثلة في إنفاق الدول الكبرى بصورة متزايدة على الأمن للحفاظ على مكانتها بدلاً من التكيف مع التحولات الاقتصادية، مما يزاحم مستويات الابتكار والتطور ويضعف الوضع الاقتصادي على المدي الطويل"، معتبراً أن "صعود الدول وسقوطها ليس نتيجة خلل أخلاقي، بل هو نتيجة حتمية للقيود المادية والالتزامات الاستراتيجية المفرطة".
قدرة واشنطن للاستمرار في القيادة
وفق أدبيات السياسة فإن وجود قوة مهيمنة على العالم يعكسه رسوخ معادلة بسيطة ظاهرياً، لكنها شديدة التعقيد عملياً، إذ تبقى الدولة المركزية الأولى في العالم مطالبة بردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وحماية طرق التجارة، وتأمين النظام المالي العالمي، والحفاظ على التفوق التكنولوجي والعسكري، والتدخل عند اندلاع الأزمات الكبرى، بما يحافظ على النظام الدولي القائم، مما يعني أن بقاء هيمنتها يُقاس بقدرتها على إدارة العالم، وليس فقط بحماية حدودها الوطنية.
وبعدما كانت فجوة القوة والهيمنة كبيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وبقية القوى الكبرى، ومنهم أبرز خصومها، عكست التحولات المتسارعة والمعقدة التي شهدها العالم في صُعد مختلفة، خلال السنوات الأخيرة، مدى تغير النظام الدولي السائد الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية وظروف الحرب الباردة، لا سيما ما تعلق ببنية النظام الدولي وتوزيع القوة فيه، والعلاقات بين القوى الكبرى المشكلة له، وقواعد التوازن الجيواستراتيجي العالمي، وانتقال القوة، وما إذا كان النظام الدولي القائم بدأ يشهد انتقال لموازين القوة ما يمثل تحدياً للهيمنة الأميركية، ودور القوى الصاعدة في تفكيك هذه الهيمنة، والتأسيس لنظام دولي متعدد الأقطاب، لا سيما مع استمرار حرب استنزاف طويلة عسكرياً واقتصادياً في أوكرانيا بين الغرب وروسيا، والتوتر والمنافسة القائمة مع الصين، والتي فرضت سباقاً مكلفاً في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات القوة البحرية، وكذلك الوضع بالنسبة إلى مناطق عدة حول العالم.
وفق طرح كاغان في كتابه "العالم صنع أميركي"، فإن النظام العالمي الحالي - الذي يتسم بوجود عدد غير مسبوق من الديمقراطيات والازدهار غير المعهود على رغم أزماته، والسلام بين القوى الكبرى - إنما يعكس المبادئ والتفضيلات الأميركية. وقد بُني هذا النظام على القوة الأميركية، ويعتمد في استمرارها على حمايتها، بالتالي إذا تدهورت القوة الأميركية، فإن النظام العالمي سيتدهور، وسيحل محله نظام يمثل انعكاساً لقوى أخرى ربما تؤدي به إلى الانهيار، كما انهار النظام العالمي الأوروبي في النصف الأول من القرن الـ20. ولا يمكن تصور بقاء الأسس الليبرالية التي يقوم عليها هذا النظام، إذا انكمشت القوة الأميركية.
ويعتبر كاغان أن الاعتقاد بتراجع أميركا كقوة عظمى إنما يعتمد على انطباعات وتحليلات غير متماسكة، يتحدث معظمها عن التحول بين وضع أميركا الحالي، والوضع الذي اعتادت أن تكون عليه في الماضي. ويرى أن مشكلة هذا الاتجاه تكمن في أنه يعتمد على تحليل وضع القوة الأميركية في مدة زمنية معينة، ويرتكز على الأزمة العالمية التي تعصف بها، مضيفاً أنه بإعمال المنظور التاريخي ومعايير القوى العظمى التي يمكن الاتفاق عليها، سنجد أن "تدهور القوى العظمى هو نتيجة تغيرات جذرية في التوزيع العالمي لأشكال القوة، والذي عادةً ما يأخذ فترات زمنية ممتدة ليتشكل، ونادراً ما تسقط القوى العظمى فجأة"، مدللاً على قدرة القوة الأميركية في البقاء والرسوخ بـ"نجاحها في تجاوز ما تعرضت له من أزمات اقتصادية طاحنة وطويلة استطاعت إثر كل منها أن تعود أقوى مما كانت عليه قياساً بالقوى الأخرى".
ويتابع كاغان قائلاً إنه على رغم التحديات التي تواجه القوة الأميركية حالياً، فإن "المركز الاقتصادي للولايات المتحدة لم يتغير، ولا يزال نصيبها من مجمل الإنتاج العالمي كما هو في العقود الأربعة الأخيرة منذ عام 1969، ولا تزال تنتج تقريباً ربع الإنتاج العالمي، ولا تزال هي الاقتصاد الأغنى والأقوى في العالم"، مضيفاً أنه أمام حديث البعض عن الصعود الاقتصادي للهند والصين وبعض القوى الآسيوية الأخرى التي يتزايد نصيبها في الاقتصاد العالمي، إلا أن "صعود هذه القوى إنما يأتي على حساب أوروبا واليابان اللتين تراجع نصيبهما في الاقتصاد العالمي".
وبحسب كاغان فإن "المتفائلين بصعود الصين يتنبأون بأنها ستحل محل الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد عالمي، وهو ما يعني أن الأخيرة ستواجه تحديات لوضعها الاقتصادي في المستقبل، ولكن حجم الاقتصاد المحض ليس مؤشراً جيداً إلى ميزان القوة النسبية في النظام الدولي. فالصين نفسها كانت أكبر اقتصاد عالمي في بداية القرن الـ19، لكنها وقعت فريسة للأمم الأوروبية الأصغر منها. وحتى لو قفزت الصين لقمَّة الاقتصاد العالمي مرة أخرى، فسيواجه قادتها حتماً مشكلات في النمو، ومن ثم سيكون من الصعب عليها أن تلحق بأميركا وأوروبا من حيث نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي". ويتابع "لا يزال ميزان القوة العسكرية يميل لمصلحة أميركا، فلا يوجد حتى الآن قوة تعادل قدرات الولايات المتحدة، ولا يوجد أي تدهور في القدرات العسكرية الأميركية، ولا يزال حجم الإنفاق على الدفاع في الولايات المتحدة يتجاوز مئات المليارات من الدولارات في العام هو الأعلى في العالم، ولا تزال القوات الأميركية البرية والبحرية والجوية هي الأكثر تقدماً في تسلحها"، مشيراً إلى أنه من ناحية أخرى، "لا يعني صعود بعض القوى اقتصادياً أنها ستنافس الولايات المتحدة على نفوذها في المسرح الدولي، فلا توجد علاقة حتمية بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي. فالهند الفقيرة تحت قيادة نهرو كانت أكثر تأثيراً من الهند الحالية".
في المقابل، يقدم المؤلف والباحث الأميركي جيم سيوتو طرحاً مغايراً للمشهد الجيوسياسي الحالي وأخطار الصراع العالمي المتزايد في كتابه "عودة القوى العظمى روسيا والصين والحرب العالمية القادمة" (صادر في 2024)، متناولاً التطورات المختلفة التي يشهدها العالم في الفترة الأخيرة وتغير النظام العالمي، الذي تم بناؤه لعقود من الزمن من جانب القوى الغربية، بخاصة الولايات المتحدة الأميركية، عقب صعود كل من روسيا والصين، قائلاً "بعد الحرب العالمية الثانية انحدر العالم إلى حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إذ كان هناك قدر من الحفاظ النسبي على السلام، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي احتفل كثيرون بنهاية التاريخ، وهو ما لبث أن عاد في الوقت الحالي مع الصعود الروسي والصيني الذي ينذر بنشوء نظام عالمي جديد يتسم بمجموعة من الأمور، أبرزها تعقد الصراعات، حيث التنافس بين القوى العظمى الثلاث يعزز تعقيد الصراعات وإطالة أمدها، ويزيد من فجوة التفاعل الدبلوماسي والاقتصادي وتراجع الاتصالات العسكرية، وهو ما قد يؤدي إلى تضاؤل حواجز الحماية والقنوات الدبلوماسية والعسكرية التي تم تطويرها خلال الحرب الباردة الأخيرة، إذ تعد قنوات الاتصالات المختلفة أبرز أدوات إدارة الأزمات".
ويضيف سيوتو أن من بين ميزات التطورات الراهنة يبرز "سباق التسلح الذي تسعى خلاله القوى العظمى إلى تعزيز ترسانتها النووية والفئات الجديدة من الأسلحة، مما جمد بعض المعاهدات التي تنظم هذه الأسلحة، والتي جاءت نتيجة أزمة الصواريخ الكوبية، عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على وشك الانزلاق إلى حرب نووية، مما دفع تلك القوى إلى بناء قواعد للتفاعل ومعاهدات متعددة الأطراف لتجنب خطر الانزلاق في صراع مباشر مسلح"، متابعاً "إضافة إلى السمتين السابقتين، تأتي سياسات الاستقطاب، حيث وجود مساعٍ من جانب القوى العظمى الراهنة لاجتذاب القوى المتوسطة والفاعلة في الدوائر الإقليمية والدولية، لتعظيم الاستفادة منها في ضوء الصراعات المفتوحة الراهنة، إذ أدت عودة القوى العظمى إلى قلب النظام العالمي في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة رأساً على عقب، واستبدلت به نظاماً جديداً أقل استقراراً".
وإلى جانب ذلك يقول سيوتو إن تعقيدات مشهد المنافسة قادت "إلى تعدد جبهات التصعيد، إذ تواجه الولايات المتحدة جانبين من التصعيد، سواء على صعيد الدائرة الأوروبية، وبخاصة في أوكرانيا، أو في جنوب شرقي آسيا، وتحديداً في مضيق تايوان"، مما ينذر بتحولات وتغيرات جذرية في النظام الدولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترتكز رؤية الصين وروسيا على المعارضة الشديدة للنظام العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، وهو عداء، وفق ما يقول مراقبون، يستند إلى اعتقاد هذين البلدين ومن يتحالف معهما بأن النظام الحالي لا يمنحهما المكانة أو حرية التصرف اللتين تستحقهما، وتؤكد كل دولة على مجال نفوذها الخاص، إذ تطالب الصين بـ"مصالحها الأساسية"، بما في ذلك تايوان وبحر الصين الجنوبي، أما روسيا فتسعى إلى فرض سيطرتها على المناطق المجاورة التي تشمل في نظر الكرملين البلدان التي شكلت إمبراطورية روسيا التاريخية في الأقل، وعليه يرى البلدان أن الولايات المتحدة وهيمنتها العالمية هي العقبة الرئيسة أمام إنشاء مجالات النفوذ تلك، لذا فهي ترغب في تقليص وجود واشنطن في مناطقها، واستكمالاً ترفض جميع هذه الدول مبدأ القيم العالمية وتنظر إلى ترويج الغرب لنسخته من الديمقراطية باعتباره محاولة لتقويض شرعيتها وإثارة الاضطرابات الداخلية، وهي تصر على أن الدول الفردية لها الحق في تعريف الديمقراطية بطريقتها الخاصة. وفي النهاية، على رغم أنها قد تتوصل إلى تسوية موقتة مع الولايات المتحدة، فإنها تشك في أن الغرب سيقبل صعودها أو عودتها للسلطة على المسرح العالمي، وإضافة إلى ذلك فهي تعارض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية وتوسيع التحالفات الأميركية ونشر الأسلحة النووية الأميركية خارج الولايات المتحدة واستخدام العقوبات القسرية.
وعلى وقع السعي الصيني المستمر لتجاوز الهيمنة الأميركية، تحركت بكين لتحديث قدراتها العسكرية من قوة إقليمية محدودة القدرات إلى منافس عالمي يهدد التفوق الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك عبر انتهاج "رؤية استراتيجية طويلة المدى"، بدأت وفق ما رصد الباحثان في الشؤون الأمنية الآسيوية غويل ووثناو وفيليب سوندرز في كتابهما "السعي الصيني نحو التفوق العسكري" والصادر حديثاً، "منذ عقد الثمانينيات، بعدما أدركت القيادة الصينية تراجعها العسكري خلال حرب الحدود مع فيتنام عام 1979، حيث قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً، فتبنت ما يمكن تسميته استراتيجية القفزات النوعية الانتقائية"، من خلال تركيز استثماراتها الضخمة على مجالات محددة يمكنها تحييد أو تقليص التفوق الأميركي.
ووفق ووثناو وسوندرز، فإن "مسار تحول الصين من قوة عسكرية إقليمية محدودة القدرات إلى منافس عالمي لم يكن عشوائياً"، إذ ضخت بكين على مدار عقود موارد هائلة في تطوير الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والقدرات السيبرانية الهجومية، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وتكنولوجيا الفضاء العسكري، معتبرين أن "التطور النوعي في التفكير الاستراتيجي الصيني من مفهوم "الدفاع النشط" المحصور في الأراضي الصينية ومحيطها المباشر، إلى مفهوم أوسع يشمل حماية المصالح الصينية المتزايدة في أنحاء العالم، هو تحول جاء استجابة منطقية لواقع اقتصادي متغير: فالصين باتت ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وأكبر مستورد للنفط والموارد، ولديها استثمارات ضخمة وملايين المواطنين المنتشرين في كل القارات"، محذرين من أن "الصراع العسكري القادم بين القوى الكبرى سيكون مختلفاً جذرياً عن كل الحروب السابقة، فالصين والولايات المتحدة تتسابقان بشراسة في مجالات تكنولوجية بما يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية ومجالاتها: الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأسلحة الموجهة بالطاقة، والطائرات من دون طيار المستقلة، والحرب السيبرانية، والقدرات الفضائية الهجومية".
ويناقش ووثناو وسوندرز مستقبل العلاقة بين بكين وواشنطن باعتبارهما القوتين العظميين، متسائلين عما إذا "صعود الصين العسكري يعني حتماً حرباً كبرى مع الولايات المتحدة، كما تتنبأ نظرية "فخ ثيوسيديدس" التي تقول إن الصراع بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة هو شبه حتمي، أم أن هناك مساراً ثالثاً للتعايش التنافسي المستقر؟"، ومن دون تقديم إجابات قاطعة يميل تحليل الكاتبين إلى أن السلام والتعايش في النهاية "لن يتحققا بالتمني أو بالتجاهل، بل بفهم عميق لطموحات ومخاوف الطرف الآخر، وببناء آليات اتصال وضبط أزمات فعالة، وبتحديد خطوط حمراء واضحة للطرفين، وبالاستثمار في الردع الموثوق الذي يجعل الحرب خياراً خاسراً للجميع، فالصين ليست الاتحاد السوفياتي، فضلاً عن أن كلفة الحرب الشاملة بين القوتين كارثية على الجميع".
وعلى رغم تلك التحديات التي تواجه الهيمنة والزعامة الأميركية، وبخاصة مع ظهور قوى منافسة، يميل بعض المراقبين إلى أنه لا يزال من المبكر الحديث عن تحول النظام العالمي إلى تعددية قطبية كاملة، مشيرين إلى خطأ "تفسير تلك المؤشرات بأنها دليل على انهيار القوة الأميركية"، إذ لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد مبتكر، وأقوى شبكة تحالفات، وأضخم إنفاق عسكري، وأوسع حضور مالي وتكنولوجي، مع استمرار الهيمنة على النظام المالي الدولي، وأن الإشكالية تبقي في أن النظام الدولي نفسه أصبح أكثر تعقيداً، وأكثر ازدحاماً بالفاعلين، وأكثر قدرة على مقاومة الهيمنة المنفردة"، معتبرين أن ما يواجه واشنطن ليس نهاية القوة، بل نهاية اللحظة التي كانت تستطيع فيها استخدام هذه القوة بأقل قدر من الكلفة.
ويعزو آخرون استمرار الهيمنة الأحادية إلى عدم تكافؤ القوى الصاعدة والمنافسة التي تعاني قيوداً كبيرة، فالصين قوة اقتصادية ضخمة، لكنها لا تزال تواجه تحديات ديموغرافية وجيوسياسية، فيما تبقى روسيا قوة عسكرية أكثر منها اقتصادية، فضلاً عن أنه لم يصل صعود الهند بعد إلى مستوى النفوذ العالمي الشامل، وهي قيود وعوائق ترسخ لواقع غياب قواعد مستقرة للنظام الجديد وتؤجل فكرة التعددية إلى حين، والتي تحتاج إلى توازنات واضحة وقواعد ردع مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة التنافس.