ملخص
يسهم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأميركي بصورة مباشرة بنحو 5.5 في المئة إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً ما يقارب 1.2 تريليون دولار من القيمة المضافة.
تشير دراسة لمركز "هنري كيسنغر" إلى أن التخطيط لاستغلال أميركا للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة بدأ منذ عقود، وأصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة تغير ديناميكيات التنافس بين القوى العظمى، وقد تحدد مصيرها.
مع ذلك، ينظر عدد من المراقبين إلى دور هذه الشركات كأنه أمر ثانوي في الصراع العسكري بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.
الدراسة أشارت إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى مثل "علي بابا" و"ألفابت" (غوغل) و"أمازون" و"أبل"، و"بايت دانس" و"ميتا" (فيسبوك) و"مايكروسوفت" و"تينسنت"، تعد جهات فاعلة جيوسياسية تمتلك موارد ونفوذاً يفوق معظم الدول.
حتى مع تقليص النفقات بعد الجائحة، فإن شركات التكنولوجيا التجارية تسمي مَن الرابح ومَن الخاسر في الصراعات، في الحرب الأوكرانية وغيرها.
وكما رأينا مع أقمار "ستارلينك" الصناعية التابعة لإيلون ماسك، تستطيع شركات التكنولوجيا أثناء الحرب اتخاذ قرارات مؤثرة تتجاوز سيطرة الدولة.
الدراسة أشارت إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة لن تحل محل الدول بل ستعيد تشكيلها، والسؤال الحقيقي هو أي من القوى العظمى اليوم ستواجه تحدي تحويل التقنيات الجديدة والناشئة إلى قوة تتجاوز سلطة الدولة؟ والإجابة غير واضحة.
عالمياً، تظهر الابتكارات التكنولوجية الرائدة في الوقت الحالي أولاً من القطاع الخاص، ولعدم كونها المبادِرة تُجبَر الحكومات على التوافق مع مصالح شركات التكنولوجيا المبتكرة، إما بالإقناع أو الإكراه.
وتختبر الولايات المتحدة والصين نموذجين للتقدم التكنولوجي العسكري، أحدهما يسعى إلى تحقيق التناغم بين الابتكار الحكومي والتجاري، والآخر يركز السلطة العسكرية والاقتصادية في دولة يحكمها حزب واحد. وسيحدد نجاح أو فشل كل نموذج مسارات القوى الكبرى المستقبلية ونجاحها في ساحة المعركة.
ظاهرة احتكار التجارة ظهرت في القرن الـ17
كثيراً ما ارتبطت التقنيات التجارية بصعود القوى العظمى ارتباطاً وثيقاً، فعلى مر القرون لم تستند قوة الدولة إلى التكنولوجيا العسكرية فحسب، كالسفن الشراعية ذات الجوانب العريضة والمدافع المتطورة وتقنيات إطلاق النار المنسقة، كما يزعم غالباً، بل أيضاً إلى الجهات الفاعلة والعمليات التجارية المبتكرة.
وابتداءً من القرن الـ15، استغلت الحكومات الأوروبية بما فيها النظام الروسي التقدم التكنولوجي، كعلم المعادن والوقود الأحفوري والتلغراف، وحولته إلى قوة دولة.
وكان للصين إمكان الوصول إلى التقنيات نفسها، وابتكرت اختراعات أساس، لا سيما البارود والبوصلة والمطبعة، ومع ذلك لم تستغل الحكومة الصينية هذه التقنيات لبناء قوة عسكرية في العصر الحديث.
لكن بحلول أواخر القرن الـ18، كان التباين الحاد بين الصين والقوى الغربية، وبخاصة بريطانيا العظمى، أمراً لا جدال فيه.
وكما كانت الحال في أوائل العصر الحديث، تسهم الشركات التجارية العابرة للحدود في تشكيل مسار القوى العظمى في العالم.
في القرنين الـ17 والـ18، أرسلت القوى الأوروبية الصاعدة بما فيها الدنمارك وإنجلترا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا عشرات الشركات لاحتكار طرق التجارة واستعمار أراض بعيدة، وحققت نجاحاً باهراً.
أما اليوم فالوضع مختلف، إذ إن استقلالية شركات التكنولوجيا الكبرى تجعلها استثنائية، فعدد منها يبتكر بوتيرة أسرع من قدرة البيروقراطيات الحكومية على إدارتها. على سبيل المثال، تتفوق شركتا "ألفابت" و"مايكروسوفت" على كل من الحكومة الصينية والحكومة الأميركية في تطوير الذكاء الاصطناعي.
وتتصدر شركة "سبيس أكس" العالم في استكشاف الفضاء، وكانت أول من بنى صاروخاً قابلاً لإعادة الاستخدام وهبط بسلام على الأرض.
سارعت شركات "أبل" و"ألفابت" و"أمازون" إلى دخول قطاع الرعاية الصحية لتسويق خدمات الوصول الشخصي، فيما شددت الصين قبضتها على شركات التكنولوجيا مثل "تينسنت" و"علي بابا"، ولا تزال آثار ذلك على ديناميكية التكنولوجيا وسلطة الدولة هناك غير واضحة.
القطاع يوفر ملايين فرص العمل للأميركيين
اقتصادياً، قادت شركات التكنولوجيا نحو نصف النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. وتستفيد أميركا من هذا القطاع عبر خلق ملايين الوظائف ذات الأجور المرتفعة وجذب رؤوس الأموال الاستثمارية، وتعزيز الإنتاجية. علاوة على ذلك، تستحوذ استثمارات الذكاء الاصطناعي على الحصة الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وتتجلى أوجه الاستفادة الاقتصادية في عدة ركائز أساس، أولاً أنها محرك رئيس للناتج المحلي الإجمالي، إذ يمثل قطاع التكنولوجيا محرك الطلب الأكبر في السوق. وتعتمد الشركات الأميركية على الابتكار المستمر لخلق دورة مستمرة من الرواج الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات.
ثانياً، تستفيد الإدارة الأميركية من القطاع في خلق فرص العمل، إذ يوظف هذا القطاع أكثر من 9.3 مليون شخص، وبمعدل نمو في الوظائف يتجاوز ضعف المتوسط الوطني.
ثالثاً، فإن القطاع يعمل على زيادة الإنتاجية والكفاءة، إذ أسهمت الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام الروتينية، وتقليل كلفة الإنتاج، وتسريع التواصل والعمليات في القطاعات كافة من التصنيع إلى الخدمات المالية.
أخيراً، تستفيد أميركا من قطاع التكنولوجيا في جذب الاستثمارات وتصدير الخدمات، إذ تجذب بيئة الأعمال في وادي السيليكون النسبة الأعظم من التمويل الاستثماري العالمي، مما جعل الشركات الأميركية تهيمن على قائمة الـ10 الكبار عالمياً وتدعم قوة الدولار.
كيف تعزز استثمارات القطاع الخاص الأمن الأميركي؟
في دراسة بحثية أعدتها مديرة الشؤون العامة بمؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار صاحبة مشروع "إيجيس" للدفاع عن ريادة الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا كريستين ووستر، ترى أن القوة الاقتصادية والأمن القومي الأميركي يعتمدان على الحفاظ على التفوق في التقنيات الحيوية، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وأشباه الموصلات، وغيرها من التقنيات التي تشكل جزءاً من إطار المنافسة والابتكار العالميين.
ومع ذلك، غالباً ما يتجاهل صناع السياسات الدور المحوري الذي تلعبه شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في دفع عجلة الابتكار ودعم الأمن القومي. لذا، ينبغي على صناع السياسات الساعين إلى كبح جماح هذه الشركات الرائدة في السوق أو تفكيكها، النظر في اتباع نهج أكثر توازناً يقر بالدور الحاسم الذي تلعبه شركات التكنولوجيا الكبرى في دعم المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية المتزايدة مع الصين.
الدراسة أشارت إلى ضرورة النظر في حجم الاستثمارات التي تضخها أكبر خمس شركات تكنولوجيا أميركية في البحث والتطوير، إذ يصل هذا الإنفاق إلى أكثر من 200 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يتجاوز إجمال إنفاق جميع دول العالم على البحث والتطوير، باستثناء الولايات المتحدة والصين.
ويعزز هذا الاستثمار الضخم من القطاع الخاص الأمن القومي الأميركي بصورة مباشرة من خلال إنتاج ابتكارات جديدة وتقنيات متعددة الأغراض في مجالات ستحدد في نهاية المطاف القوة الاقتصادية والعسكرية للبلاد في العقود المقبلة.
وأشارت الباحثة، إلى أن هذا التباين يظهر بوضوح مع الصين، فبينما تعتمد الولايات المتحدة بصورة كبيرة على إنفاق القطاع الخاص على البحث والتطوير، تضخ بكين تمويلاً حكومياً ضخماً في شركاتها التكنولوجية الرائدة، بما في ذلك صندوق توجيه رأس المال الاستثماري الحكومي، والذي من المقرر أن يحشد 138 مليار دولار لتحفيز الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الكم، وأشباه الموصلات، وتخزين طاقة الهيدروجين، وهذا الاختلاف الجوهري يجعل شركات التكنولوجيا الأميركية الرائدة لا غنى عنها في معادلة الأمن القومي.
ويؤكد الجانب الاقتصادي هذا الأمر بوضوح، فبناء وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة مثل "GPT-4"، يتطلب استثمارات تتجاوز 100 مليون دولار في كلف الحوسبة وحدها. وتبرز الشراكة التي أبرمتها "أوبن إي أل" و"أوراكل" و"سوفت بنك" في يناير (كانون الثاني) 2025 لاستثمار ما يصل إلى 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي حجم الاستثمار المطلوب. ومثلت رحلة "غوغل"، بدءاً من إثبات تفوقها في مجال الحوسبة الكمومية عام 2019 وصولاً إلى إنجازها الرائد في تصحيح الأخطاء الكمومية في شريحة "ويلو" عام 2024، استثماراً مستداماً لا تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة والحكومات وحدها مجاراته.
مئات العقود مع وزارة الحرب ووكالة الاستخبارات
وذكرت الدراسة، أن إسهامات شركات التكنولوجيا الكبرى، تتجاوز نطاق البحث والتطوير الخاص، إذ أبرمت "مايكروسوفت" أكثر من 5000 عقد فرعي مع وزارة الحرب الأميركية منذ عام 2016، لتوفير تقنيات تراوح ما بين بنية الحوسبة السحابية ونظارات الواقع المعزز للجنود. ولدى "أمازون" نحو 350 عقداً فرعياً مماثلاً مع وكالات عسكرية وفيدرالية، تركز بصورة أساس على الخدمات السحابية وبنية البيانات التحتية، بينما لدى "غوغل" أكثر من 250 عقداً فرعياً تركز على الحوسبة السحابية وأطر الأمن السيبراني.
وفي الوقت نفسه، تعاقد البنتاغون مع شركات "أنثروبيك" و"غوغل" و"أوبن أي آي" و"أكس أي آي" لتوفير قدرات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد أهميتها الاستراتيجية.
وصرح كبير مسؤولي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي الدكتور دوغ ماتي بأن "تبني الذكاء الاصطناعي يُحدث نقلة نوعية في قدرة الوزارة على دعم قواتنا المسلحة، والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي على خصومنا".
وتشمل هذه الشراكات أيضاً البنية التحتية الحيوية، فقد لجأت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى خدمات "أمازون" السحابية لتوفير خدمات الحوسبة السحابية لجميع وكالات الاستخبارات الأميركية الـ17. ويعتمد مشروع "وايلد أند ستورمي" التابع لوكالة الأمن القومي الأميركية على البنية التحتية السحابية لشركة "أمازون" لتخزين بيانات الاستخبارات الأميركية. وبالمثل، تستخدم وزارة الحرب الأميركية إمكانات الحوسبة السحابية من "أمازون ويب سيرفيسز" و"غوغل" و"مايكروسوفت" و"أوراكل"، لتكون بمثابة العمود الفقري الرقمي لتحديث القدرات القتالية المشتركة الأميركية.
التفوق التكنولوجي أصبح يحدد نتائج الأمن القومي
وأشارت الدراسة إلى ضرورة أن توازن النقاشات السياسية الدائرة حول تنظيم شركات التكنولوجيا الأميركية الرائدة بدقة بين حماية الابتكار وضمان المنافسة العادلة، فالسياسات التقييدية المفرطة أو الجهود الحثيثة لتجزئة هذه الشركات قد تضعف قدرات البحث والتطوير الأميركية، في وقت تشتد خلاله حاجة البلاد إلى استثمارات قوية من القطاع الخاص.
وعلى رغم أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تنتج براءات اختراع قيمة وتحفز الابتكار السريع، فإنها عادة ما تفتقر إلى الموارد والحجم اللازمين للنهوض بعدد من المجالات التكنولوجية الحيوية في آنٍ. لذا، بدلاً من استهداف الشركات الرائدة في السوق بصورة عامة، ينبغي لواضعي السياسات تبني لوائح دقيقة ومشجعة للابتكار، مصممة للحفاظ على مكاسب الكفاءة الكبيرة الناتجة من وفورات الحجم وتشجيع التعاون المثمر، والحفاظ على الحوافز للاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير.
وفي عصر بات فيه التفوق التكنولوجي يحدد نتائج الأمن القومي بصورة متزايدة، تمثل شركات التكنولوجيا الأميركية سواء الشركات الكبيرة القائمة أو الشركات الناشئة الديناميكية مكونات أساس لنظام بيئي ابتكاري قوي. ويجب على واضعي السياسات الاعتراف بأن شركات التكنولوجيا الكبرى تُعد مزودي بنية تحتية حيوية وأصولاً استراتيجية لا غنى عنها للميزة التنافسية الأميركية، مع ضمان بيئة صحية للابتكار والمنافسة المدعومة برأس المال الاستثماري.
ولا ينبغي أن يكون الهدف هو تقليل التنظيم بصورة مطلقة، بل تنظيم أكثر ذكاءً وتوازناً يحسن بيئة الابتكار ككل، ويعزز مكانة أميركا التكنولوجية والأمنية الوطنية، ويشجع التعاون على جميع مستويات المؤسسات. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يظل الحفاظ على قدرة أميركا على الابتكار القائم على السوق وتعزيزها ركيزة أساس لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعقود مقبلة.
الاقتصاد الرقمي يشكل 10 في المئة من الناتج الأميركي
اقتصادياً، يسهم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأميركي بصورة مباشرة بنحو 5.5 في المئة إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً ما يقارب 1.2 تريليون دولار من القيمة المضافة. ومع ذلك، عند قياس الاقتصاد الرقمي الأوسع نطاقاً، بما في ذلك التجارة الإلكترونية ونشر البرمجيات والخدمات التقنية، يتسع نطاق تأثيره ليتجاوز 10 في المئة من إجمال الناتج الأميركي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويختلف حجم القطاع تبعاً لمدى دقة تعريف التكنولوجيا. بالنسبة إلى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأساس، تشكل المعلومات المباشرة والبرمجيات والتصنيع الإلكتروني نحو 5.5 في المئة من إجمال الناتج المحلي.
أما بالنسبة إلى الاقتصاد الرقمي الأوسع والذي يشمل سلاسل التوريد غير المباشرة والتجارة الإلكترونية والبنية التحتية للبيانات، فإن هذا يمتد إلى ما يقارب 10.2 في المئة من إجمال الناتج المحلي للولايات المتحدة الأميركية.
وفي ما يتعلق بالصناعات المتقدمة ووفقاً لمؤسسة "بروكينغز"، تنتج التكنولوجيا والتصنيع المتقدم نحو 2.7 تريليون دولار من القيمة المضافة سنوياً، وهو ما يعادل نحو 17 في المئة من إجمال الناتج المحلي للولايات المتحدة.
أما بالنسبة إلى الإنفاق الأخير على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، فإن قطاع التكنولوجيا يشهد طفرة غير مسبوقة في استثمارات الشركات، ويشير المحللون إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لمراكز البيانات يمثل نحو اثنين في المئة من إجمال الناتج المحلي.
ركود في قطاعات عديدة مع التركيز على الذكاء الاصطناعي
وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، يقول المتخصص الاقتصادي في معهد "بروكينغز" مارك مورو "إنها اقتصاد ذو مسارين... هذا التهافت على الذكاء الاصطناعي يثير كل هذه الحماسة ويخفي ركوداً في باقي قطاعات الاقتصاد".
وحققت طفرة الذكاء الاصطناعي في أميركا مكاسب غير مسبوقة في عام 2025، وأعادت تشكيل المشهد الاقتصادي وتعريف أنماط الاستثمار التجاري في مختلف المناطق والقطاعات. وقال مورو إن هناك خمسة مكاسب للاقتصاد الأميركي من التكنولوجيا، بدءاً من الإسهامات الهائلة للذكاء الاصطناعي في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ودور مراكز البيانات في استقرار الاقتصاد وصولاً إلى الإنفاق الرأسمالي الضخم وخلق فرص العمل، والآثار الإيجابية على مختلف القطاعات.
بالنسبة إلى استثمارات الذكاء الاصطناعي، فإنها تحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً للاقتصادي في جامعة هارفرد جيسون فورمان، فإن استثمارات الذكاء الاصطناعي شكلت نحو 92 في المئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في النصف الأول من عام 2025. وباستثناء هذه الاستثمارات، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي سيبلغ 0.1 في المئة فقط على أساس سنوي، أي شبه توقف.
فيما يرى رئيس شركة "إتزل" للهندسة والبناء ريجيس إتزل أنه "في الوقت الحالي يعد الذكاء الاصطناعي المحرك الأكبر للطلب. وتنمو صناعة مراكز البيانات بوتيرة غير مسبوقة... ولن يتوقف هذا الزخم".
واعتباراً من أغسطس (آب) 2025، تجاوزت قيمة مساهمة البنية التحتية لمراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في نمو الناتج المحلي الإجمالي، للمرة الأولى على الإطلاق، قيمة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، وفقاً لشركة "رينيسانس ماكرو" للأبحاث. ونظراً إلى أن الإنفاق الاستهلاكي الأميركي يمثل نحو ثلثي الاقتصاد، فإن هذا التحول يؤكد اعتماد البلاد المتزايد على الاستثمارات التجارية القائمة على التكنولوجيا.
فرص عمل ضخمة مع إنفاق رأسمالي كبير
أيضاً، لا يمكن المبالغة في أهمية دور مراكز البيانات في دعم الاستقرار الاقتصادي. وأشار فورمان إلى أن التوسع السريع في البنية التحتية لمراكز البيانات غيَّر موازين المساهمات الاقتصادية في مختلف قطاعات الاقتصاد الأميركي، مما جعل هذه المرافق ركائز أساس للنمو الإقليمي.
وفي عام 2025، استثمرت كبرى شركات التكنولوجيا ومزودو خدمات الحوسبة السحابية العملاقة، بما في ذلك "مايكروسوفت" و"غوغل" و"أمازون" و"إنفيديا"، مليارات الدولارات في مراكز البيانات والبنية التحتية ذات الصلة. وفي تعليقه، قال أستاذ المالية في جامعة ديوك كامبل هارفي "سبع شركات تحفز أكثر من 400 شركة أخرى على المضي قدماً". ويقترب الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية لمراكز البيانات من 400 مليار دولار سنوياً، أي بزيادة قدرها أربعة أضعاف.
وفي ظل انخفاض التوظيف وتباطؤ نمو الأجور في عدد من القطاعات، أدى التوسع في مراكز البيانات إلى توفير آلاف الوظائف ذات المهارات العالية والأجور المرتفعة.
وأسهمت هذه المشاريع في إنعاش المناطق التي كانت تعاني ركوداً اقتصادياً، ودعم تدفق وظائف التكنولوجيا الإنفاق الاستهلاكي المحلي وعزز أسواق العمل وحفز النمو في القطاعات المجاورة، مما عزز الأثر الاقتصادي الأوسع للاستثمار في التكنولوجيا.
فيما تعيد الكفاءة المدفوعة بالتكنولوجيا تشكيل القطاعات في جميع أنحاء الاقتصاد الأميركي، ففي قطاع البناء كان تطوير مراكز البيانات "المحرك الحقيقي الوحيد لنمو الإنفاق على الإنشاءات غير السكنية في أميركا"، بحسب ما ذكره كبير الاقتصاديين في جمعية المقاولين والبنائين أنيربان باسو. ومع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي، تعمل الشركات على تبسيط عملياتها وتقديم خدمات أسرع وأكثر تخصيصاً، وهو تحوُّل تدعمه مراكز البيانات بصورة أساس، مما يجعل الإنفاق على التكنولوجيا محركاً مستداماً للإنتاجية وأداء الشركات.