Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العلاقات الباكستانية - الأفغانية تحكمها المصالح لا الثقة

لا تقوم على المواجهة المفتوحة بل على توازن دقيق عنوانه الحذر

صورة تعكس العلاقات الأفغانية - الباكستانية يصافح فيها ممثلو الدولتين الوسيط الصيني بدلاً من تبادل المصافحات (اندبندنت أوردو)

ملخص

تعود مشكلة فقدان الثقة بين كابول وإسلام آباد إلى عام 1947 عندما أنشئت باكستان كدولة مستقلة وأدلت أفغانستان بالصوت الوحيد ضد عضوية باكستان في الأمم المتحدة بسبب النزاعات حول خط ديوراند. ومنذ ذلك الحين، تذبذبت العلاقات بين العاصمتين بين التعاون العملي وانعدام الثقة.

ما زلت أتذكر ذلك اليوم من سبتمبر (أيلول) عام 2009 عندما حاورت أحد قادة "طالبان" في كابول الذي كان يدعى باسمه العسكري سيف الله جلالي وكانت لهجته الواثقة تعكس يقيناً راسخاً بأن الوقت في مصلحة جماعته.

كلمات جلالي لم تكن مختلفة أيضاً: نحن مستعدون، لدينا حكومات موازية في جميع الأقاليم، وسنسيطر على الحكومة. كانت كابول آنذاك تحت حكومة مدعومة دولياً بينما كانت "طالبان" تصنف كحركة عسكرية متمردة.

تناقشت مع جلالي بعد المقابلة في أمور عدة، وتطرقنا أيضاً لعلاقة "طالبان" بباكستان التي وصفها جلالي بأنها باتت مفقودة الثقة. وفي خضم هذا الحديث، ذكر جلالي اعتقال قادة "طالبان" (الموجودين في باكستان) بعد الحملة الأميركية على أفغانستان في عام 2001، وقال "إسلام آباد لم تعد حليفاً موثوقاً عندما غيرت سياستها وانضمت للحرب الأميركية في أفغانستان".

وأضاف عبارة لا تزال أصداؤها في الأجواء الساخنة بين البلدين اليوم "عندما سنعود للحكم، سنقيم علاقات مع باكستان مبنية على المصالح لا على الثقة". اليوم بعد عقدين من هذه المقابلة تبدو هذه الكلمات دقيقة إلى حد كبير، إذ عادت "طالبان" بالفعل، وسيطرت على كابول مرة أخرى في عام 2021 لتكون علاقتها متوترة مع إسلام آباد.

الأزمة امتداد لعلاقة متوترة

تزعم باكستان أن حكومة "طالبان" في كابول تسمح لحركة "طالبان باكستان" المحظورة باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات إرهابية داخل باكستان، وبالتالي تقوم باكستان بضرب أهداف داخل الأراضي الأفغانية ما يسبب أحياناً اشتباكات حدودية بين الجانبين، بينما تبقى القنوات الدبلوماسية أيضاً تحت الضغط.

وخلال الفترة الأخيرة، لم تسفر جهود الوساطة المختلفة في الدوحة وإسطنبول وأورومتشي عن أي نتائج دائمة حتى الآن.

الحقيقة أن الأزمة الحالية هي امتداد لعلاقة متوترة على مر الأعوام ولا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي الذي أدى إلى ظهورها.

تعود مشكلة فقدان الثقة بين كابول وإسلام آباد إلى عام 1947 عندما أنشئت باكستان كدولة مستقلة وأدلت أفغانستان بالصوت الوحيد ضد عضوية باكستان في الأمم المتحدة بسبب النزاعات حول خط ديوراند. ومنذ ذلك الحين، تذبذبت العلاقات بين العاصمتين بين التعاون العملي وانعدام الثقة.

وتعدّ فترة حكم "طالبان الأولى"، من عام 1996 إلى عام 2001، الفترة الأكثر دفئاً في العلاقات بين البلدين، إلا أن سياسة باكستان تجاه أفغانستان تشكلت دائماً وفقاً لمصالحها الاستراتيجية.

ويتضح هذا في تدخل باكستان في الحرب الأفغانية على السوفيات في ثمانينيات القرن الماضي. في هذا السياق، أجريت مقابلة مع رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق الجنرال حميد غل في عام 1999، إذ تحدث الجنرال عن دور باكستان في دعم الولايات المتحدة خلال الغزو السوفياتي لأفغانستان.

البرنامج النووي

وبحسب قوله، فقد توصلت باكستان إلى تفاهم مع الأميركيين سمح لها بمواصلة برنامجها النووي من دون عوائق. وفي المقابل، كانت باكستان تدعم "المتطرفين" الأفغان الذين كانوا يقاتلون ضد الاتحاد السوفياتي.

وأضاف الجنرال حميد غل أن التكتم أو حتى الإنكار العلني كان سر نجاح هذا العقد لأن "الأميركيين قالوا إن عليهم إرضاء الكونغرس للحصول على المساعدة العسكرية".

هذا يعني أن أفغانستان لم تكن مجرد ساحة معركة بالنسبة لباكستان، بل كانت أيضاً موقعاً استراتيجياً أيضاً، لذا يمكن القول إن قرار باكستان بالانحياز إلى الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي استند إلى مصالحها الوطنية: حماية برنامجها النووي واكتساب عمق استراتيجي في أفغانستان، وهي جارة غربية يمكن أن تساعد في التخفيف من التحديات الأمنية التي تواجه باكستان، وبخاصة تلك المتعلقة بجارتها الشرقية الهند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أخذت العلاقات الباكستانية - الأفغانية منعطفاً جديداً عندما عادت حركة "طالبان" إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021 حين كانت المخاوف تغلب إسلام آباد بصورة واضحة بشأن ما إذا كانت ستتمكن من استعادة التوازن الاستراتيجي الذي تمتعت به سابقاً في أفغانستان.

وبعد أيام قليلة من سقوط كابول، وصل رئيس جهاز الاستخبارات الباكستانية آنذاك الجنرال فيض حميد إلى العاصمة الأفغانية، إذ اشتهرت عبارته في فندق "سيرينا" رداً على أسئلة الصحافيين: "لا تقلقوا، كل شيء سيكون على ما يرام".

فسر الكثيرون زيارة فيض حميد لكابول وثقته بأن كل شيء سيكون على ما يرام بالعلاقات الحميمة التي تتمتع بها باكستان مع "طالبان"، لكن عبارة حميد القصيرة عكست حقيقة أخرى أيضاً، وهي الخوف من أن الأمور قد لا تكون على ما يرام وأن عودة "طالبان" لن تؤدي بالضرورة إلى إرجاع العلاقات إلى الوراء عقدين من الزمن، ببساطة الأمور ليست على ما يرام، وكل ما يمتلكه رئيس الاستخبارات الباكستانية هو التمني.

حكام كابول

اليوم بعد مرور ما يقرب من خمسة أعوام على هذه الزيارة، لا تزال هذه الكلمات نفسها تصف الوضع على أفضل وجه، إذ تعد حركة "طالبان" الحاكم الفعلي لأفغانستان اليوم حيث تؤكد سيادتها وتضع أولوياتها الدبلوماسية الخاصة.

من جهة أخرى، لا تزال باكستان تواجه تهديد حركة "طالبان باكستان" وتطالب بضمانات أمنية، ولا تزال الثقة معدومة بين الجانبين.

وتكمن المشكلة الحقيقية في التناقض بين مفهوم باكستان عن "العمق الاستراتيجي" ومفهوم "طالبان" عن "الحكم الذاتي"، إذ لطالما اعتقدت إسلام آباد أن حكومة "طالبان" الصديقة في كابول ستوفر لها مساحة خاصة من النفوذ داخل أفغانستان بما يلائم مع الضمانات الأمنية التي تحتاجها باكستان.

لكن المقاتلين الذين كانوا بالأمس يعتمدون على باكستان أصبحوا اليوم حكام كابول، ويطلبون أن يعاملوا كحكام، لا كأطراف غير حكومية استولت على السلطة صدفة.

لا يرغب أي من باكستان وأفغانستان في صراع شامل، كذلك أن الفوضى ليست في مصلحة أي طرف، لكن لا يبدو أن أحداً راضٍ تماماً عن الوضع المتوتر الذي ظهر منذ عام 2021.

لا تقوم العلاقة الحالية على المواجهة المفتوحة، بل على توازن دقيق عنوانه الحذر وليست الثقة.

"لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام"، هذه العبارة ربما تعكس العلاقة بصورة أفضل حتى اليوم، لأن الأمور ليست على ما يرام بعد.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

المزيد من تقارير