Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سارتر للذاكرة" حوار متأخر بين الفيلسوف ومؤرخ

استعادة حقبة كاملة من تاريخ الحياة الثقافية والسياسية الفرنسية عبر الذاكرة الشخصية

الفيلسوف جان بول سارتر (أ ف ب)

ملخص

"سارتر للذاكرة" عنوان الكتاب الذي أصدره المؤرخ الفرنسي ميشال فينوك في باريس عن منشورات "فلاماريون" (2026). وفيه يعود لشخصية سارتر التي رافقته منذ أعوام الصبا، كما يعود لحقبة كاملة من تاريخ الحياة الثقافية والسياسية الفرنسية، مستعيداً، عبر ذاكرته الشخصية، الأثر العميق الذي تركه فيلسوف الوجودية في جيله وفي مساره الفكري، واضعاً في الوقت عينه صورته أمام امتحان التاريخ.

الكتاب، في جوهره، حوار متأخر بين مؤرخ ينظر، من خريف عمره، إلى مسيرة طويلة من البحث والكتابة، وبين سارتر الذي كان حاضراً في مخيلته الأدبية والفكرية منذ أن كان في الـ17 من عمره. وقد بدأ هذا الحضور بقراءة رواية "الغثيان"، بما تنطوي عليه من عالم فلسفي وأدبي شديد الكثافة، سرعان ما استولى على مخيلة الشاب، إذ دخل أنطوان روكنتان، بطل الرواية، وإدراكه العبثي للوجود وتأملاته حول الحرية ولا جدوى الحياة إلى عالمه الداخلي، وفتح أمامه، في آن، أفق الأدب والفكر.

ولم يكُن هذا الانطباع الأول عابراً. فقد ظل حياً في ذاكرة فينوك، راسخاً تحت طبقات السنين، حتى بعد أن أصبح هو نفسه مؤرخاً بارزاً للحياة السياسية والفكرية الفرنسية، علماً أن سارتر الذي يستعيده الكتاب ليس سارتر الذي كرّسته الكتب المدرسية والجامعية، ولا ذلك الذي عرفته السجالات السياسية والفكرية، بل سارتر الذي اكتشفه فتى مأخوذاً بسحر الأدب، مفتوناً بقدرته على زحزحة المألوف وإعادة تشكيل صورة العالم. إنه سارتر الذاكرة الأولى، قبل أن يصبح سارتر التاريخ. سارتر الذي لم يكُن بعد شخصية عامة أو اسماً في السجل الفكري للقرن الـ20، وإنما تجربة أدبية وفكرية مبكرة تركت أثرها في وجدان شاب في مقتبل العمر.

كانت جاذبية سارتر بالنسبة إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في فرنسا تتجاوز الأدب، إذ كان الفيلسوف رمزاً للحرية والاستقلال الفكري والتمرّد على الموروثات الاجتماعية والسياسية. وكان حضوره في المقاهي والمدرجات الجامعية والمسارح والصحف والنقاشات الفكرية جزءاً من المناخ العام الذي جعل الأفكار نفسها شغفاً، والالتزام السياسي نوعاً من الرسالة، والجدل الفكري أسلوباً من أساليب الحياة.

جدالات وخصومات

يصف فينوك هذا العالم من الداخل، مستعيداً الجدالات الطويلة والخصومات والانقسامات والآمال التي رافقت تلك المرحلة. ومن خلال هذه الذاكرة الشخصية، يرسم الكتاب صورة لجيل كامل عاش مرحلة مضطربة من التاريخ الفرنسي والأوروبي على مستوى الآمال الثورية، واكتشاف جرائم الستالينية، وأزمة الشيوعية، وحرب الجزائر، وعودة الجنرال ديغول، ثم أحداث أيار(مايو) 1968 وما نتج منها من تغيرات في المجتمع الفرنسي.

وكان سارتر حاضراً في قلب هذه التحولات، أحياناً بصفة شاهد، وأحياناً كفاعل، وأحياناً كشخصية مثيرة للجدل بسبب مواقفه السياسية. ويسلّط المؤرخ الضوء على هذا الواقع المزدوج أولاً، الأثر الهائل الذي تركه جان بول سارتر في نفوس الشباب والمثقفين الذين افتتنوا برواياته، وبفلسفته القائمة على الحرية، وبصورته كمثقف متمرد. ثانياً، العمى السياسي والفخّ الأيديولوجي الذي قاد إليه هذا الإعجاب والذي أوقع كثيراً من معاصريه في أسر مواقف سياسية حالت دون ممارسة النقد المستقل. وفينوك الذي كان قريباً من هذا المناخ الفكري، لا يخفي أن سارتر أثّر فيه، لكنه لا يسمح لذاكرته أن تتحول إلى حنين أو إلى دفاع غير مشروط عن الرجل.

هذه النقطة هي إحدى أهم خصائص الكتاب. فميشال فينوك يعود لسارتر من موقع المؤرخ الذي يعرف أن الإعجاب قد يتحول إلى نوع من العمى. لكن المقصود ليس إلغاء سارتر أو محو قيمته، وإنما التمييز بين القوة الأدبية والفكرية الهائلة التي امتلكها وبين الأخطاء السياسية التي ارتكبها. فكان من الممكن أن يكون سارتر كاتباً عظيماً وفيلسوفاً مؤثراً، وأن تكون له في الوقت عينه مواقف سياسية شديدة الإشكال.

المرحلة الشيوعية

هكذا، يعود فينوك على سبيل المثال لعلاقة سارتر بالشيوعية وبالتيارات الثورية، إذ كان سارتر في مراحل مختلفة قريباً من الحزب الشيوعي الفرنسي، ثم من الماوية، وظل مرتبطاً بفكرة الثورة وبضرورة الانحياز إلى المقهورين. لكن التاريخ كشف، في نظر فينوك، عن حدود هذا الالتزام، كما كشف عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه المثقف عندما يسمح للحماسة الأيديولوجية بأن تحجب عنه بعض الوقائع، كأن يغضّ الطرف أحياناً عن انحرافات الأنظمة الشمولية وكوارثها. مع ذلك، لا يختزل المؤرخ سارتر في هذه الأخطاء. فهو يلاحظ أيضاً شجاعته في بعض المواقف، واستعداده للتدخل في القضايا التي اعتبرها مصيرية، حتى عندما جعلته مواقفه هدفاً للهجوم.

وتتضح هذه الازدواجية في مواقف الفيلسوف من قضايا عصره. فبعد تقرير خروتشوف وما كشف عنه من جرائم ستالين أمام المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي السوفياتي، وبعد قمع الانتفاضة المجرية عام 1956 عبر اجتياح عسكري سوفياتي واسع النطاق للعاصمة بودابست بغية إنهاء الثورة الشعبية المناوئة للسلطة الشيوعية، ثم في سياق حرب الجزائر وعودة ديغول، وجد سارتر نفسه أمام أزمات سياسية لم يعُد من الممكن التعامل معها بالخطابات المجردة. كان عليه أن يختار وأن يتحمل نتائج اختياراته. وفينوك يستعيد هذه اللحظات بعين المؤرخ وبذاكرة الشاب الذي كان يتابعها بشغف وقلق في آن واحد.

وتحتل علاقة سارتر بألبير كامو وريمون آرون وظل سيمون دو بوفوار مكانة مهمة في هذه الصورة. فالانقسام بين سارتر وكامو لم يكُن مجرد خلاف شخصي، كان تعبيراً عن اختلاف عميق في فهم العلاقة بين العدالة والحرية والثورة والعنف. كذلك تكشف المقارنة مع آرون عن اختلاف نموذجين للمثقف الفرنسي، المثقف المنتظم في المعارك الثورية، والمثقف الذي يصر على التحليل النقدي وعلى مقاومة الأوهام الأيديولوجية. وفينوك، في استعادته لهذه الخلافات، لا يحاول إحياء الخصومات القديمة بقدر ما يحاول فهم ما جعلها ممكنة، وما جعلها ذات أثر هائل في الحياة الفكرية الفرنسية.

ومن اللافت أن فينوك لا يتعامل مع سارتر كشخصية سياسية وحسب، فهو يعود باستمرار للكاتب، لأن الأدب هو المدخل الذي دخل منه هو نفسه إلى عالمه. لذلك تحتل رواية "الغثيان" وثلاثية "دروب الحرية" و"الكلمات" مكاناً بارزاً في الكتاب. وفي قراءته لـ"الكلمات" خصوصاً، يشير فينوك إلى المفارقة التي تكمن في كون سارتر أراد أن يمارس من خلال سيرته الذاتية والفلسفية المكتوبة ببراعة آسرة، عملية تفكيك للأوهام والأساطير المرتبطة بالعائلة البرجوازية والطفل المعجزة وعبادة الأدب، فإذا بهذا النص الذي يعلن، في جانب منه، الوداع للأدب، يتحول هو نفسه إلى قطعة أدبية مبهرة، ولو كان بعرف سارتر كتاباً سياسياً بامتياز.

ضد الأفكار الجاهزة

وتكشف هذه القراءة أيضاً عن جانب مهم في منهج فينوك، مقاومته الأفكار الجاهزة. فهو لا يكتفي بما استقر في الذاكرة العامة عن سارتر، ولا يقبل بسهولة الأحكام التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى "كليشيهات". لعله يحاول أن يعيد الشخصية لتعقيدها الإنساني والتاريخي الذي يظهر بوضوح في الفرق بين سارتر كاتب المقالات والخطابات السياسية الحادة، وسارتر الذي كان، في علاقاته الشخصية، أكثر لطفاً وكرماً مما قد توحي به صورته العامة. ويسجل فينوك كذلك التناقض بين عنف لغة السجال وبين حسن استعداد سارتر للتعامل مع الآخرين. وتزداد أهمية هذا التناقض في علاقة الفيلسوف بألبير كامو، ولا سيما بعد وفاة الأخير، إذ كتب سارتر كلمات تكشف عن بقاء رابطة إنسانية خلف الخصومة الفكرية.

ويولي الكتاب اهتماماً لعلاقة سارتر بإسرائيل والقضية الفلسطينية، وهي من المسائل التي تكشف عن صعوبة اختزال مواقف المفكرين في تصنيفات سياسية بسيطة. ويذكّرنا فينوك بأن سارتر، على رغم تصريحات ومواقف أثارت جدلاً حاداً، دافع عن حق إسرائيل في الوجود، وفي الوقت نفسه أبدى دعمه للقضية الفلسطينية. والعودة لهذه المواقف تساعد في فهم شخصية لا يمكن وضعها بسهولة داخل خانة واحدة ثابتة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن أهمية الكتاب تتجاوز شخصية سارتر نفسها، إذ يجعل فينوك من الفيلسوف مرآةً يتأمل من خلالها أسئلة الحاضر وقضاياه، موقع المثقف في المجال العام وحدود القناعة السياسية حين تتجاوز النقد وإمكان الدفاع عن قضية عادلة من دون الوقوع في أسر الأيديولوجيا، ثم مصير الالتزام الفكري عندما تتبدل الظروف التاريخية التي أنجبته. وعلى هذا النحو، لا يستعيد فينوك سارتر كشخصية من الماضي وحسب، بل يستدعيه كمدخل إلى التفكير في علاقة المثقف بالسياسة، وفي مسؤولية الفكر أمام تحولات الزمن.

لهذا السبب لا يبدو كتاب "سارتر للذاكرة" كتاباً عن الماضي وحده، لأن الذاكرة فيه وسيلة لفهم الحاضر. فحين يستعيد فينوك سيرة شاب كان مأخوذاً بسارتر، فإنه يستعيد أيضاً مرحلة كانت فيها المعارك الفكرية والسياسية تُخاض بجدية، وكانت الخصومات، على رغم حدتها، تقوم على حجج وأفكار ومواقف واضحة. ومن خلال هذا الماضي، يطرح المؤرخ سؤالاً معاصراً حول مستوى النقاش العام، وحول قدرة المجتمع على الحفاظ على نقاش سياسي وفكري لا يتحول إلى مجرد تبادل للشتائم أو إلى أحكام جاهزة.

وفي هذا السياق تحديداً، تصبح المسافة بين فينوك الشاب وفينوك المؤرخ ذات دلالة. فالشاب كان يعيش تحت تأثير سارتر، أما المؤرخ فيستطيع أن يعود لذلك التأثير وأن يتفحصه، فلا يمحو أحدهما الآخر. فالذاكرة لا تلغي النقد، والنقد لا يمحو التجربة الشخصية. لذلك يبدو الكتاب أشبه بمراجعة متأخرة لعلاقة فكرية طويلة، فيها الامتنان وفيها الخلاف، وفيها الإعجاب والخيبة. وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل الكتاب أقرب إلى السيرة الفكرية منه إلى الدراسة الأكاديمية التقليدية. فالمؤلف لا يضع نفسه خارج الموضوع، وإنما يدخل إليه بذكرياته وقراءاته وانفعالاته الأولى، ثم يعيد النظر فيها بعد عقود من الخبرة التاريخية. وهذا النهج يمنح الكتاب بعداً إنسانياً واضحاً، فنرى كيف يمكن لفكرة أو كاتب أن يدخل حياة إنسان في سن مبكرة، وأن يترك أثراً يمتد لعقود، ثم كيف يستطيع هذا الإنسان، في مرحلة لاحقة، أن يعيد النظر في هذا الأثر من دون أن ينكره.

ليس سارتر بالنسبة إلى فينوك مثالاً فكرياً، بل إنه إنسان وكاتب وفيلسوف ومثقف عاش وسط أزمات تاريخية كبرى، وأخطأ وأصاب، وألهم أجيالاً، وأربكها أيضاً. لهذا يحمل الكتاب طابعاً مزدوجاً، إنه في الوقت عينه كتاب ذاكرة وكتاب مساءلة. ذاكرة رجل عاش شبابه تحت تأثير سارتر، ومساءلة لجيل كامل صدّق أن الأفكار تستطيع أن تغير العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب