ملخص
أفول السينما الغنائية وتراجعها المميت لا ينبغي أن نفهمهما على أساس كونهما ضربة قاتلة للفن السابع، بل جزء "صحي" إلى حد ما، لأنهما يدخلان ضمن التحولات الجمالية التي تطبع الفن السابع والتي تحتم على هذا الفن أن يعرف مثل هذه الانقلابات الفنية والتغيرات الجمالية
إذا عُدنا إلى الأدبيات النقدية التي رافقت سيرة ونشأة السينما الغنائية بالعالم العربي، يكاد المرء لا يعثر على مؤلفات نقدية أو دراسات أكاديمية حول هذا النوع السينمائي الذي انتشر في مصر منذ ثلاثينيات القرن الـ20، إذ باستثناء كتاب "أضواء على السينما الغنائية العربية" (1932 ـ 1960) لفيكتور سحاب، فإن القارئ يصطدم أمام فراغ مهول، بخاصة أن الاهتمام بذاكرة السينما الغنائية يدخل ضمن حيز الاهتمام بتاريخ السينما العربية، ذلك أن هذا النوع السينمائي كان حاضراً منذ بدايات تشكل الفن السابع بالوطن العربي، بالتالي يكون لزاماً على المؤرخ الفني المعني بتوثيق يوميات الصورة السينمائية أن يهتم بهذا النمط السينمائي الذي بدأ يشتكل بصورة تدريجية على الجغرافية السينمائية المصرية منذ "أنشودة الفؤاد" عام 1932. وعي النقاد بقيمة السينما الغنائية نابع من تفاوت معرفي بين نقد سينمائي يحاول تقديم قراءة نقدية تنتمي كنوع من التحليل الفيلمي وبين كتابة بحثية تتعامل مع السينما العربية كظاهرة تحديثية أدت دوراً أساساً في تأصيل سيرة الحداثة بالعالم العربي.
السينما الغنائية... تهميش نقدي
لهذا يعتبر النقاد أن سبب عدم اهتمامهم بالسينما الغنائية، تتحكم فيه دوافع واقعية أكثر من كونها جمالية، إذ يرون أن هذا اللون السينمائي لم يعد موجوداً بالعالم العربي، لذلك فإن سؤال الاهتمام بتوثيق السينما الغنائية له علاقة مباشرة بمونوغرافيات تاريخ السينما التي تفتقر المؤسسات العربية لها، إذ على رغم مظاهر الحداثة التي نتشدق بها أحياناً، فإن المرء يشعر أن البيئة الفكرية العربية لم تدخل بعد إلى مدارات الحداثة، إذ كيف يجوز لسينما عربية أضحت تفرض نفسها داخل مهرجانات عالمية وتنتزع جوائز دولية مرموقة لم تحظَ بعد بمونوغرافية تاريخية أصيلة ترمم ذاكرة السينما الغنائية وتبرز جمالياتها ووجوهها والأسس الفنية التي شيدت عليها.
فغالب ما كتب عن السينما الغنائية مجرد مقالات نقدية عابرة ودراسات أكاديمية لا تشرح الأفلام وتبحث عن السر الذي جعل هذه السينما تعرف قفزة نوعية في ذاكرة السينما العربية. إن السينما الغنائية تشكل اليوم تراثاً فنياً قوياً ينبض بالتجديد لكونها طالما كانت المرآة التي تعكس الواقع العربي وتحولاته اليومية اللامتناهية. إن المرحلة التي انتشرت فيها السينما الغنائية ظلت يتنزل فيها التيار الرومانسية بأنواعه وخصائصه وألوانه، منزلة رفيعة ومرموقة، إذ أدت ظلال الرومنطيقية دوراً جمالياً في تأصيل الفيلم الغنائي وجعله من الوسائل "الترفيهية" التي طالما لفتت انتباه الناس في ذلك الإبان، فكل الأفلام الغنائية ظلت مطبوعة بهذا النفس الرومانسي الذي يحول الفيلم إلى عبارة عن مختبر تتداخل فيه الدراما بالرقص والموسيقى بالغناء.
وتشكل هذه الأفلام اليوم وثيقة تاريخية مهمة عن مرحلة ذهبية عاشها الفن العربي الحديث بكل ما كان يطبعه من موسيقى وأغانٍ وأفلام وقدرة هائلة على المزج بين الغناء والتمثيل بالنسبة إلى عديد من التجارب التي برعت في تقديم أدوار سينمائية ظلت على مطبوعة على عرش الذاكرة السينمائية العربية، إذ تقدم أفلام من قبيل "الوردة البيضاء" عام 1933، و"غزل البنات" عام 1949 على سبيل المثال، لحظات مضيئة عن الزخم الذي عاشته مصر بين الثلاثينيات والسبعينيات وأثره في تحولات الفن بالعالم العربي. إن هذه المرحلة على رغم ما كتب عنها من دراسات، فإنها تحتاج إلى قراءات متأنية للتفكير في قيمة الأثر الذي مارسه الفن المصري على بلدان عربية، بحيث ظلت مصر بمثابة المختبر الفني الآسر الذي منه تتدفق الأفلام والأغاني والموسيقى والمسرح، فغالب ما هو مكتوب عن هذه المرحلة عبارة عن مقالات متناثرة حول أعمال فنية بعينها.
بالتالي، فإن الأجيال العربية الجديدة لا يمكن أن تفهم زخر السياق المصري، بعيداً من تقديم مقاربة تاريخية ترصد الأفلام والأغاني والمسرحيات والموسيقى ومدى تأثيرها في بنية المتخيل العربي خلال مرحلة شهدت تضييقاً سياسياً ومنعاً رقابياً طاول عديداً من الأعمال الفنية العربية بخاصة في المجال السينمائي.
زخم الماضي وتحولات الحاضر
بدأت السينما الغنائية في الانتشار منذ اللحظة التي سيشهد فيها المسرح الغنائي نوعاً من التراجع، ليس بفعل عوامل اقتصادية يرجعها النقاد إلى أزمة عام 1929 الاقتصادية العالمية، بل إن الفرد العربي أصبح يجد نفسه يعيش نوعاً من السحر بسبب الصورة السينمائية. إن انشار الصور وبروز السينما كفن شعبي وديمقراطي على حد تعبير المفكر الأميركي ستانلي كافيل، أسهم بطريقة خفية في استمالة الناس ودفعهم إلى اعتناق الصالات السينمائية بدلاً من المسارح التي بدت في تلك اللحظة بالنسبة إلى المجتمع أنها تعبر عن مرحلة لا تربطه بها أي صلة.
في حين وجدوا في السينما ملاذاً آمناً للاحتماء من تحولات واقع بدأ ينغلق سياسياً ويعيش المجتمع بسببه وضعية متردية تجعله يعيش نوعاً من التأرجح بين رتابة التقليد وفتنة التحديث، من ثم، كانت السينما الغنائية بكل ما تقدمه من خلطات فنية مركبة وعلى اختلاف مستوياتها السينمائية والدراما والفكرية تفتن المشاهد وتجعله يقبل على صالات سينما لمشاهدة أيقونات من الطرب العربي على تضاريس الصورة السينمائية، مثل أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وأسمهان، وعبدالحليم حافظ، وشادية، وصباح.
إن هذا الانقال من الغناء إلى التمثيل لا تتحكم فيه دوافع جمالية ترتبط بسيناريوهات الأفلام وضرورة وجود أسماء فنية تجيد الغناء فحسب، بل شعر المطربون العرب بقيمة الفن السينمائي والمكانة التي أصبح يحظى بها من لدن مؤسسات إنتاجية تدفع هذه الوجوه ضمنياً إلى الغناء والمشاركة في أداء أدوار أسهمت في شهرتها وذيوعها وانتشارها على طول الكارتوغرافيا العربية. إن السينما فن شعبي ويمتلك من المؤهلات ما يسمح للمطرب في اختراق بنية المجتمع والتوغل بقوة إلى متخيله وتفكيره، إنه وعي جديد بقيمة اللحظة والطريقة التي بها يمكن أن يحول به فن فنان ما إلى أيقونة مؤثرة لها خصوصياتها داخل البلاد العربية.
من الغناء إلى الشاشة
ينبغي أن نعترف أن السينما تمتلك ما لا يمتلكه الغناء أو الموسيقى، فالطابع البصري وطفراته التقنية المتحولة بصورة يومية والمؤثرة في خصوصيات الوعي البشري في العالم، تجعل هذا الفن يمتلك ميكانيزمات فلسفية تؤثر في الناس وتجعلهم يتجاوبون معه، لذلك فالانتقال من المسرح وأفقه الفولكلوري التقليدي صوب رحابة الشاشة الكبيرة كان عاملاً مساعداً لسيرة كوكبة من الوجوه الغنائية لدرجة جسدت هذه المرحلة التاريخية أكثر اللحظات إضافة في التاريخ العربي التي مزجت بين الغناء والموسيقى والسينما، وأنتجت سردية فنية أصيلة لا تستعير عيون الآخر للنظر في ندوب الاجتماع العربي وأهواله. ففي وقت كانت فيه هذه الأسماء تغني على خشبة المسارح العربية، لم تكن تحظى بالشهرة ذاتها التي رافقتها منذ ميلاد هذه الأفلام. عوامل فكرية أكثر من كونها فنية أو جمالية تتحكم في مصير السينما الغنائية، لأن العنصر الفني لا يسعفها على فهم هذا التحول وسيرة النسيان التي أصبحت تطبع السينما الغنائية في الوطن العربي.
تاريخياً، تشكل سنة 1952 وما تمثله من أبعاد سياسية داخل الرصيد المصري، لحظة مفصلية في تاريخ السينما الغنائية، إذ بدأ الأفق السياسي يلوح في سماء البلاد العربية، وبدأت المؤسسات الإنتاجية تعيش نوعاً من التراجع على مستوى مواردها المالية، وأصبح الرهان على السياسة بطريقة اقتحمت مرجعيات ثورية، راديكالية، ماركسية، إسلامية ووسطية يوميات الإنتاج السينمائي العربي، ووجهت بأفكارها ومواقفها السينما المصرية، وأنتجت أفلاماً تكتسب خصوصياتها ليس من المعالجة الجمالية أو المحتوى الفني للفيلم، ولكن على خلفيته ميكانيزماته الأيديولوجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهي المرحلة التي ستعرف نوعاً من سياسات المنع. فهذه المرحلة كانت تمهد بصورة تلقائية وخفية لأفول السينما الغنائية، إذ لم يعد الرهان بالنسبة إلى المجتمع ينبني على الرومانسية، لكن دخول التيار الواقعي في خضم التركيبة الفكرية للمجتمع المصري بصورة خاصة، والعربي بصورة عامة، أسهم في خلخلة جماليات السينما الغنائية وجعلها تخرج من مدارات الاهتمام اليومي ببطء من لدن الجمهور والمؤسسات الإنتاجية والمخرجين السينمائيين، لأن الرهان أصبح على إنتاج أفلام سياسية واجتماعية تتماشى مع السياق العربي الجديد.
بنية العمل السينمائي
إن بروز "الواقعي" في بنية العمل السينمائي، يعد علامة فارقة في تاريخ إنتاج السينما الغنائية بالوطن العربي، إذ على رغم ما تنضح به بعض الأفلام التي ظهرت بعد خمسينيات القرن الـ20 من جماليات سينمائية، فإنها كانت تجابه وتقاوم الأفلام السياسية ذات النبرة الاجتماعية الواقعية التي أصبحت مع السبعينيات جزءاً أساساً من خصائص السينما المصرية.
لذلك فإن أفول السينما الغنائية وتراجعها المميت لا ينبغي أن نفهمهما على أساس كونهما ضربة قاتلة للفن السابع، بل جزء "صحي" إلى حد ما، لأنهما يدخلان ضمن التحولات الجمالية التي تطبع الفن السابع، والتي تحتم على هذا الفن أن يعرف مثل هذه الانقلابات الفنية والتغيرات الجمالية. فحتى داخل السينما الهوليوودية لا نعثر اليوم على أفلام الويسترن والكاراتيه والمصارعة، في وقت كانت تحظى فيه بأهمية بالغة داخل شباك التذاكر. فكل مرحلة تعرف تنامي نوع سينمائي يصبح لسان حال المؤسسات الإنتاجية، لكنه لا يتعلق دوماً بالصناعة الفكرية والأصالة الفكرية، بل تدخل عوامل في مجملها اقتصادية، تنظر إلى السينما وفق منطق الخسارة والربح.