ملخص
بعد عقد على "بريكست"، تبدو بوسطن، أكثر بلدات بريطانيا تأييداً للخروج من الاتحاد الأوروبي، عالقة بين وعود لم تتحقق وانقسامات لم تهدأ. أنصار الخروج والبقاء يتفقون على خيبة النتيجة، لكنهم يختلفون في تفسير الفشل، فيما تحولت الهجرة والاقتصاد والثقة بالسياسة إلى جرح مفتوح.
في بوسطن، يكفي أن تقول لشخص عادي إنك تود الحديث عن "بريكست"، حتى يظهر عليه الحذر فوراً. وتقول موظفة في متجر "يوروبيان فود آند وأين"، الواقع في وسط المدينة: "أي شخص ذكي لن يعلق على هذا الموضوع. الخلافات كثيرة، وكثيرون مستاؤون".
ويشاركها الشعور نفسه فنان وشم محلي، يبلغ من العمر 38 سنة، فيقول: "مهما قلت، سيغضب أحد ما. لذلك لا أتدخل في هذا الموضوع".
يصادف هذا الأسبوع مرور 10 سنوات تماماً على تصويت المملكة المتحدة لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، هذه البلدة في جنوب لينكولنشير، المعروفة بسوقها التقليدية، أرادت الخروج أكثر من أي مكان آخر. فقد صوت 75.6 في المئة من ناخبيها لمصلحة "بريكست" في استفتاء عام 2016، وهي أعلى نسبة تأييد للخروج في أي مكان داخل المملكة المتحدة. وكان مزيج من ارتفاع الهجرة القادمة من دول الاتحاد الأوروبي، إذ إن واحداً من كل خمسة أشخاص هنا من أوروبا الشرقية، والرغبة القوية في إنهاء عقود من التراجع الاقتصادي، من بين العوامل الأساسية التي غذت المزاج المناهض للاتحاد الأوروبي.
لكن الحديث اليوم إلى سكان بوسطن يكشف، على ما يبدو، عن قناعة شبه عامة بأن السنوات الـ10 الماضية لم تحمل تغييراً يذكر، وإن حملت شيئاً، فهو إلى الأسوأ.
فالذين صوتوا لمصلحة البقاء يرون في ذلك دليلاً على أن المشروع برمته كان قائماً على تقدير خاطئ وألحق ضرراً. أما الذين صوتوا لمصلحة الخروج، فيرون فيه دليلاً على أنه كان ينبغي بذل مزيد من الجهد لإنجاح "بريكست". وعندما تُعرض على ناخبي الخروج بيانات، مثل أحدث تقديرات بنك إنجلترا بأن الاقتصاد تلقى ضربة بنسبة ستة في المئة بسبب "بريكست"، غالباً ما يردون بأن ذلك لا يثبت إلا أن العملية لم تمض بعيداً بما يكفي. بمعنى آخر، لم تلن مواقف الناس هنا، بل ازدادت تصلباً.
يقول كريست ماونتن، وهو مهندس غاز وعضو مستقل في المجلس المحلي: "الحقيقة أنه قسم كثيرين، ولا يزال يفعل ذلك". ويضيف: "لقد خلق خطوط صدع بين الزملاء، والأصدقاء، والعائلات، ومجتمعات كاملة، لأنه كان تصويتاً بنعم أو لا. أجبرك على الانضمام إلى معسكر أو آخر، وهذا أمر لا نزال نعيشه فعلياً".
ويرفض ماونتن الكشف عن كيفية تصويته، لكنه مقتنع بأن النتيجة الأهم على المدى الطويل كانت فقدان الثقة بالسياسة والمؤسسات معاً. ويقول الرجل البالغ 42 سنة: "لأن الناس تلقوا وعوداً، وكلنا نتذكر حافلة الحملة الشهيرة، ولم يحدث أي من تلك الأشياء". ويضيف: "لن أقول إن كان ذلك لأن تلك الوعود كانت أكاذيب، أو لأن "بريكست" أسيئت إدارته، لكن أياً يكن السبب، فالنتيجة أن الناس لم يعودوا يشعرون بأن السياسة قادرة على مساعدتهم في حياتهم".
ومن نواحٍ كثيرة، يشكل ماونتن نفسه دليلاً على ذلك. فحتى عام 2023، ظل مجلس بلدية بوسطن تحت قيادة المحافظين معظم سنوات القرن الـ21. أما اليوم، فلم يبق في المجلس المؤلف من 30 مقعداً سوى أربعة محافظين. وكل الأعضاء الآخرين، ومن بينهم ماونتن، إما مستقلون وإما ينتمون إلى تكتلات محلية. ويقول: "هذا يظهر أن الناس سئموا الأحزاب السياسية التقليدية". ويضيف: "وأعتقد أن ذلك يعود، جزئياً في الأقل، إلى ’بريكست‘".
بلدة عالقة في دوامة تراجع
كانت بوسطن تعاني مشكلات قبل الاستفتاء بوقت طويل.
فعلى رغم أن منطقة لينكولنشير الأوسع تعرف باسم "سلة غذاء بريطانيا"، إذ يزرع فيها 30 في المئة من خضروات البلاد، فإن بوسطن ليست بلدة ثرية بأي معيار. فنصف أحيائها يقع ضمن أفقر 20 في المئة من مناطق المملكة المتحدة، وفق أرقام حكومية صادرة عام 2025، ومنزل واحد من كل خمسة منازل فيها يعد "مسكناً غير لائق".
وتتجاوز معدلات الجريمة فيها، ولا سيما جرائم الجنس والمخدرات، المعدل الوطني، فيما يقل التحصيل التعليمي عن المتوسط، وتبلغ معدلات الشواغر التجارية، أي المتاجر الفارغة، 16 في المئة، مقارنة بـ10 في المئة فقط في بقية أنحاء المملكة المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تبلغ الهجرة مستوى شديد الارتفاع. فالعمل الزراعي، الذي غالباً ما يكون موسمياً ومنخفض الأجر، جذب منذ زمن طويل عمالاً من أنحاء أخرى من العالم. وبين عامي 2004 و2014، ارتفع عدد سكان بوسطن المولودين في أوروبا بنسبة 460 في المئة. أما شارع "ويست ستريت"، وهو شريان المدينة المكتظ بالمخابز البولندية، ومتاجر السوبرماركت الليتوانية، والحلاقين الأتراك، فقد حمل منذ وقت طويل لقب "إيست ستريت"، أي شارع الشرق، في إشارة إلى أوروبا الشرقية.
وفي هذا المكان تحديداً يقع مكتب إيغا بونتوفت. فقد انتقلت المرأة البالغة 43 سنة من بولندا إلى بوسطن عام 2011، وبعد خمسة أعوام أنشأت شركتها الخاصة، "لينكس- إي يو" Lincs-EU، لمساعدة الوافدين الجدد الآخرين على التعامل مع بيروقراطية الحياة في بلد جديد. وتقول بأسى: "ظننت أن ’بريكست‘ سيعني تراجع الأعمال. وهذا صحيح بطريقة ما، إذ إن عدداً أقل من الناس يأتي الآن. لكن الأشخاص الموجودين هنا أصلاً يواجهون قدراً أكبر بكثير من المعاملات الورقية في كل تفصيل صغير، لذلك نحن مشغولون أكثر من أي وقت مضى". وتتوقف قليلاً ثم تقول: "أتمنى لو أن ’بريكست‘ لم يحدث، لكنه اشترى لي شقة في إسبانيا".
هذه النظرة الإيجابية مقصودة، لأن بونتوفت تدرك تماماً الشرخ الذي أحدثه "بريكست" بين مجتمعات مختلفة هنا، وكذلك شعور الغربة الذي ولده لدى آلاف الأوروبيين الشرقيين الذين صاروا يعدون البلدة موطناً لهم.
وتقول: "تعود من عطلة، فتضطر إلى إثبات أن لك حقاً في الوجود هنا. تغير عملك، فيتعين عليك إثبات أن لك حقاً في العمل. تشتري سيارة، أو تنتقل إلى منزل جديد، أو تبدأ مشروعاً، أو تفعل أي شيء آخر، فتجد دائماً معاملات إضافية مع وزارة الداخلية. عشت في بوسطن 15 سنة، لكنني عندما أذهب إلى الطبيب، علي أن أتذكر جواز سفري".
يبدو ذلك مؤذياً. فترد: "سأسميه محبطاً. لأننا هنا لنعمل بجد، ونسهم في المجتمع، ونصبح جزءاً منه، لكن كل هذه الأشياء تشعرنا كأن أحداً يقول لنا: ’هذا ليس موطنكم الحقيقي‘. لكنه موطني".
ومع ذلك، وربما على نحو يخالف التوقعات، تقول إنها إذا دُعيت إلى استفتاء جديد اليوم، فهي لا تظن أنها ستصوت لمصلحة العودة إلى الاتحاد الأوروبي. وتوضح: "الناس أرادوا الخروج. أعتقد أن ذلك كان خطأ، لكن من المهم احترامه. العودة لن تسبب إلا مزيداً من الانقسام. لا أحد يريد تصويتاً آخر".
ندم نعم، لكن استفتاء آخر؟ أبداً
أظهر بحث نشرته مؤسسة "إيبسوس" الأسبوع الماضي قدراً من "الندم على بريكست" على المستوى الوطني، إذ قال 48 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إن الحياة خارج الاتحاد الأوروبي كانت أسوأ مما توقعوا. ومع ذلك، تبدو فكرة إجراء استفتاء جديد منفرة لدى مختلف أطراف الانقسام السياسي في بوسطن.
يقول مات سميث، عامل تنظيف نوافذ يبلغ 44 سنة، بينما يحتسي مشروباً في حانة "مون أندر ووتر"Moon Under Water: " استفتاء آخر؟ لماذا نريد واحداً؟ لم ينفذوا الأول بعد".
يتبنى هذا الرأي كثير من ناخبي الخروج، إذ يرون أن وستمنستر لم تكن تريد "بريكست" أصلاً، وأنها فعلت كل ما بوسعها لعرقلته. ويشيرون إلى أن المملكة المتحدة لا تزال جزءاً من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وإلى أن مساحات واسعة من التشريعات الاقتصادية لا تزال تعكس قواعد الاتحاد الأوروبي. لكن ما يقلقهم أكثر من ذلك، ربما، هو الهجرة.
ويقول سميث: "سر في الشارع هنا، ولن تسمع الإنجليزية. أشعر بأنني غريب في بلدتي. كان يفترض أن يضع ’بريكست‘ حداً لذلك. لهذا صوت الناس. الآن، لم نعد نستقبل أوروبيين، لكننا نستقبل أشخاصاً من كل أنحاء العالم. كم مرة علينا أن نقول لهم: لا نريد هذا؟".
يصعب الجزم بمستوى الهجرة الحالي إلى بوسطن. فقد أظهر آخر إحصاء سكاني، عام 2021، أن 23 في المئة من سكانها ولدوا خارج المملكة المتحدة، لكن الحصول على بيانات أحدث ليس سهلاً. وما نعرفه هو أن كبار أصحاب العمل في القطاع الزراعي هنا بدأوا بالفعل توظيف عمال من دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل كينيا، وجنوب أفريقيا، والنيبال. وقال نيك ألبرس، مدير "ألبرس فارمز" Allpress Farms، للتلفزيون الفرنسي في وقت سابق من هذا الشهر: "كان لدينا عمال من أوزبكستان، وكازاخستان، ومن كل البلدان التي تنتهي أسماؤها بـ"ستان" تقريباً. العمال الإنجليز لا يريدون القيام بهذا العمل. لقد فات أوان ذلك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في كل الأحوال، صار سميث نفسه يشعر اليوم بشيء من الندم على تصويته لمصلحة "بريكست"، في مفارقة لافتة. لماذا؟ يقول: "لأن السياسيين جعلوا الأمر يسبب مشكلات لأمثالي عند السفر في عطلة، بينما لم يفعلوا شيئاً حيال القضايا الكبرى". ثم يرشف من كأسه ويضحك قائلاً: "لقد فتحت عليّ باب الكلام الآن".
جرح لا يندمل
في "ماركت بليس" Market Place، الساحة البديعة في البلدة التي تشهد على ازدهار بوسطن في العصور الوسطى بفضل تجارة الصوف، يبدو مارك ريتشاردز أكثر هدوءاً، لكنه يشعر تقريباً بالشيء نفسه. ويقول عن تصويته لمصلحة الخروج: "لم تعجبني فكرة أن تملي علينا دول أخرى ما نفعل".
هل سارت الأمور على نحو جيد منذ ذلك الحين؟ يجيب سائق الحافلات السابق البالغ 53 سنة: "لا أعرف إن كانت كذلك حقاً. لا أرى فوائد كثيرة. الناس لا يزالون يعانون. المتاجر تغلق أبوابها".
ومع ذلك، إذا اضطر إلى الاختيار، فسيصوت بالطريقة نفسها مرة أخرى. ويقول: "أعتقد ذلك. يجب أن نكون نحن من يتحكم في شؤوننا. أظن أن الأمور ستنجح في النهاية".
في كل الأحوال، يبدو واضحاً هنا في بوسطن، بعد عقد على "بريكست"، وتماماً كما قالت موظفة المتجر وفنان الوشم، أن الجراح لم تندمل بعد. ولا يزال الألم كله حاضراً كأنه وقع بالأمس.
© The Independent