ملخص
عند احتدام الحرب الأهلية الإسبانية تمكن الكاتب الفرنسي، الوزير لاحقا، أندريه مالرو، من توفير سرب طائرات قديمة من بلاده لصالح قوات الجبهة التقدمية الإسبانية، فكافأته بتعيينه قائدا له هو الذي لا يفقه شيئا في شؤون الطيران والعسكرية
هي حكاية حدثت خلال واحد من أعوام أندريه مالرو الأخيرة، وتحديداً في بلدة كريتاي الاشتراكية غير البعيدة من باريس. كان ثمة حفل لتكريمه من قبل عمدة المدينة الاشتراكية الجزائري كاتالا وفي مركز ثقافي يحمل اسم مالرو نفسه. خلال الحفل وقف شاب من أصل إسباني ومن سكان البلدة بدا واضحاً أنه من ذوي الرؤوس الحامية، وراح يوجه حديثه إلى مالرو ومأخذه عليه أنه لم يقدم للثوار الإسبان الذين حاربوا فرانكو سوى الثرثرة وبضعة نصوص لم تفد الثورة في شيء. ثم راح يذكر بأن "هذا الكاتب كان سبباً في اندلاع أحداث ربيع 1968، بسبب مواقفه اليمينية والحرب التي شنها على السينماتيك الفرنسي".
بدا واضحاً حينها أن مالرو لا يريد أن يجيب على ما يقوله الشاب فهو هنا ليكرم لا ليحاكم، ولا للدفاع عن نفسه. اكتفى بأن ابتسم، ولكن من بين الحضور كان ثمة شيخ من الواضح أنه إسباني، وقف ليرد على مواطنه بعنف قائلاً له بفرنسية ركيكة بعض الشيء: "كل ما تقوله هراء في هراء. بل أن السنيور مالرو إضافة إلى كل ما فعله من أجلنا، كان يتولى خلال تلك الحرب الأهلية منصب قائد القوات الجوية الثورية". قوات جوية؟ ومالرو قائدها؟ حاول البعض أن يضحك، لكن الشيخ كان من الجدية والتيقن مما يقول إلى درجة أن صديقة صحافية تكتب في صحيفة "ليبراسيون" تحمست وقررت أن تحقق حول الأمر. فالعجوز الإسباني بدا واثقاً مما يقوله. وربما بدا لها أن مالرو نفسه وبإيماءة منه قد صادق على الأمر. وبالفعل قامت الصحافية خلال الأيام التالية، بما وعدت به وجاءت النتيجة أن "نعم كان مالرو خلال حقبة منسية من الحرب الإسبانية قائداً لسرب الطائرات الوحيد الذي توافر للثورة" مع أنه لم يقد طائرة في حياته بل لم يركب أية طائرة حربية في أية حرب من الحروب. فما الحكاية؟
في قلب المعركة
كان ذلك في شتاء العام 1936 حين فازت الجبهة الشعبية التقدمية والجمهورية بالانتخابات في إسبانيا. وراحت تعاني ما تعانيه من صراعات منذرة بالشر بين الكتائب الفاشية اليمينية المتطرفة، والتنظيمات اليسارية المعادية للفاشية. وعندما بدا أن القوات الجمهورية على وشك السيطرة على الموقف، انتفض الجنرال فرانكو قائد القوات الإسبانية المرابطة في شمال المغرب، ومد سيطرة قواته إلى الأراضي الإسبانية لتقرر الحكومة الشرعية تسليح الشعب على الفور لمجابهة فرانكو المدعوم من هتلر وموسوليني. ولقد وصل الصراع إلى ذروته خلال ما سمي بانتفاضة برشلونة التي حركت قوى تقدمية وديمقراطية في العالم الأوروبي، والأميركي، للتحرك لدعم المدافعين عن الجمهورية.
ومن هنا تحرك أندريه مالرو وامرأته كلارا متوجهين إلى مدريد التي لم يكن أحد لا في فرنسا ولا حتى في إسبانيا يعرف حقاً ما إذا كانت تحت سيطرة الفرانكويين أو الديمقراطيين. ومنذ وصول مارلو وضعه الكاتب خوسيه برغامين على اتصال مع الأوساط الجمهورية. ثم في الأيام التالية شهد مالرو وغيره من المثقفين الداعمين للمعسكر التقدمي وقوع من تبقى من طيارين موالين للحكومة الشرعية في قبضة الانقلابيين مع طائراتهم. وحينها وعلى رغم أن جماعة فرانكو لم يكن في حوزتهم طائرات، إلا أن نازيي هتلر وفاشيي موسوليني بدوا مستعدين لتزويدهم بما يحتاجونه في ذلك المجال ما سيفتح لهم الطريق للسيطرة على مدريد.
طائرات ملائمة
وهكذا وجد مالرو نفسه يواجه أول مهمة عسكرية يوكلها الجمهوريون إليه: يجب أن يعود لتوه إلى باريس ليحاول الحصول من حكومتها اليسارية برئاسة ليون بلوم، على ما يحتاجه الجمهوريون من طائرات يمكنها أن تدافع عن الثورة الديمقراطية وعن الحرية. وبالفعل عاد مالرو إلى باريس مقتنعاً بسهولة الحصول على الطائرات من دون أن يعرف عن موضوع مثل ذلك أي شيء. كانت غايته سياسية لا أكثر. وكان واثقاً أن تدخله السياسي ومكانته لدى حكومة الجبهة الشعبية في باريس تكفيانه لتنفيذ ما أتى للحصول عليها. لكنه سرعان ما اكتشف أنه غير قادر على فعل أي شيء. فالسياسة هي السياسة والحكومة اليسارية في بلاده كانت في غيابه قد وقعت اتفاق عدم اعتداء مع الاتحاد السوفياتي وبريطانيا و... إيطاليا وألمانيا. بمعنى أنه والديمقراطيين الإسبان باتوا متروكين وحدهم. فما العمل؟
بشكل أو بآخر وبتدخل شخصي منه على أعلى المستويات، تمكن في نهاية الأمر من الحصول بالفعل على عشرين طائرة ترسل فوراً و12 أخرى ترسل بعد حين. صحيح أنها لم تكن ولن تكون طائرات قوية، لكنها قادرة على أن تقوم بجزء من المهمة، وتبيض وجه فرنسا. ولسوف يعود بالتالي مظفراً إلى إسبانيا مرفقاً بتلك الطائرات بل حتى بعدد من طيارين فرنسيين وأجانب آخرين عرف كيف يسارع بتشكيلهم في سرب أطلق عليه، على أي حال، اسم "سرب طيران إسبانيا".
وفي حين كان كاتبنا يعتقد أن مهمته انتهت ها هنا؛ وجد نفسه، ومن دون مقدمات وعلى سبيل الاعتراف بقيمة ما فعله، يعين من قبل القيادة الجمهورية الإسبانية، قائداً للمجموعة برتبة قومندان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خذوا أسرارهم من أدبهم
قد يكون ذلك التعيين أرضى كبرياء أندريه مالرو، لكنه أرعبه هو الذي لا يفهم شيئاً لا في المعارك الجوية ولا في الطيران ولا في أي شيء من هذا القبيل. ومن هنا، حين سيتحدث عن تلك الواقعة لاحقاً، وبصورة نادرة وربما كاريكاتورية، في حياته، سيكتفي بالتعبير عن كيف أنه، ولبضعة شهور، وجد نفسه حبيس بدلة طيران عسكري مضطراً لأن يشرح لجنوده الذين بالكاد يفهمون بالطيران ما يزيد على فهمه له، ما الذي يتوجب عليهم فعله أو عدم فعله!
والحقيقة أن مما سيسهل الأمور بالنسبة إليه، مقدرته الخطابية التي مكنته من أن يتكلم ويتكلم إلى درجة اعتقد جنوده معها أنه يحكي عن أشياء يتقنها تماماً، ومن دون أن يخمن أي منهم أنه ينتظر اللحظة المناسبة للتخلص من مهمة لا يريد أن يفضح شيئاً أمام الجنود من عدم إدراكه أي تفصيل من تفاصيلها.
ومهما يكن من أمر، إذا كان معارف مالرو لم يفهموا شيئاً مما راح يعتريه في تلك الشهور الرهيبة من حياته، فإن قراء روايته "الأمل"، عمله الكبير عن الحرب الإسبانية ولكن أكثر من ذلك، عن التزام المثقف بالقضايا العادلة، كان بإمكانهم أن يتنبهوا إلى ذلك وعلى الأقل، من خلال بعض المواقف والشخصيات والحوارات التي التقطها القراء بوصفها جزءاً من خيال الكاتب و"ربما مما حكي له"، من دون أن يتنبهوا، على سبيل المثال، أن حوارات تدور في الرواية بين مانيان وبالادو، ليست في الحقيقة من بنات مخيلة الكاتب بل من بنات ذكرياته، هو الذي في نهاية الأمر عرف كيف يوزع المشاعر التي عاشها والمواقف التي مر بها، على عدة شخصيات من بينها هاتان الشخصيتان الرئيسيتان.
وحسبنا أن نشير أخيراً إلى أن الحكاية كلها قد أدت إلى إعادة النظر ليس فقط بتاريخ مالرو وعلاقته بالحرب الإسبانية، بل بخاصة بالنظرة المتجددة إلى رواية "الأمل" نفسها.