Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحياة تحاكي الفن إذ يستحضر ألمودوفار قرية إسبانية إبان الحرب الأهلية

ما زالت قضية المختفين قسراً خلال الحرب الأهلية تشغل إسبانيا، وقد اكتسبت القضية اليوم صوتاً جديداً عالياً بواسطة [عدسة] هذا المخرج السينمائي الكبير، وفق ما يكتب غراهام كيلي من مدريد

المخرج بيدرو ألمودوفار والممثلة بينيلوبي كروز في دورة مهرجان البندقية الدولي الـ78 (غيتي) 

مع العاصفة التي أثارها فيلمه الجديد "أمهات متوازيات" Parallel Mothers هذا الأسبوع في مهرجان البندقية السينمائي، لم يتهاون بيدرو ألمودوفار في مصارحة العالم علناً بأن على بلده (إسبانيا) مواجهة أشباح [أطياف] الحرب الأهلية.

ويقارب "أمهات متوازيات" قصة جانيس، المصورة الفوتوغرافية التي تؤدي دورها بينيلوبي كروز، والتي تقرر العثور على رفاة جدها الأكبر (جدّ أمها أو أبيها) الذي أعدمته قوات موالية للدكتاتور الجنرال فرانسيسكو فرانكو بسبب معارضته نظام الحكم القومي (في إسبانيا).

وتحدث المودوفار مع الصحافيين عن هذا الأمر، فقال "المجتمع الإسباني مدين بدين أخلاقي كبير للعائلات التي اختفى أفراد منها قسراً". تابع "بعد 85 سنة، وإلى أن يتم تسديد هذا الدين للمختفين، لن يكون بوسعنا ختام تاريخنا الأحدث [طي صفحته] وما حصل خلال الحرب الأهلية".

ويستحضر الفيلم، على نحو لا يشبه طريقة الإبهار الهوليوودية المعتادة، جانباً من حياة واقعية مستمدة من ذاك الفصل القاتم في التاريخ الإسباني، فتدور الأحداث في محيط ريفي شاحب بعض الشيء لبلدة فيلادانغوس ديل بارامو.

وكانت هيئة محلية في القرية المذكورة، التي لا يزيد عدد سكانها على 800 نسمة والواقعة في شمال إسبانيا، قد صوتت ضد التماس يطالب بالتنقيب في مقبرة البلدة لمحاولة العثور على رفاة 71 شخصاً أعدمهم أتباع الجنرال فرانكو (خلال الحرب).

والأمر مثل الفرصة الأخيرة لـ روفينو خواريز كي يقيم لوالده، الذي يحمل الاسم ذاته، روفينو خواريز، مدفناً عادياً (مثل بقية الناس). إذ إن الوالد المذكور هو واحد من المدفونين في قبر جماعي. وقد توفي خواريز الابن عن عمر ناهز الـ 86 سنة، قبل إجراء تلك التنقيبات المخطط لها.

في بداية الحرب الأهلية الإسبانية التي دامت من 1936 إلى 1939، وبموازاة زحف قوات الجنرال فرانكو في أنحاء البلاد، تعرض كل من اشتبه بولائه للحكومة الجمهورية ذات التوجه اليساري، إلى الإعدام من دون محاكمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى منوال الشخصية التي تؤديها بينيلوبي كروز في فيلم ألمودوفار، كانت الصحافية أولغا رودريغيز تبحث طوال سنوات عن رفاة جدها الأكبر (جد والدها أو أمها). أما سانتوس فرانسيسكو دياز، فكان من بين 71 سجيناً أخذوا من معسكر اعتقال في ليون شمال إسبانيا وأعدموا عند ناصية طريق قرب فيلادانغوس ديل بارامو. وفي البداية ظلت جثث المقتولين ملقاة على الأرض، ثم وجهت الأوامر لأبناء القرية لنقل الجثث بواسطة عربات، ودفنها في المقبرة (مقبرة البلدة). أحد الرجال الذين شاركوا في عملية الدفن ظل على مدى أسابيع عاجزاً عن الكلام جراء الصدمة، وفق ما يروي ابنه. كذلك فإن أقارب له كانوا أطفالاً آنذاك، لم يتمكنوا من نسيان المشهد.

وتمثلت جريمة فرانسيسكو دياز الوحيدة بانتمائه [ولائه] للاتحاد (الحكومة الجمهورية). وهو خلف وراءه إثر أعدامه 7 أولاد، أصغرهم كان رضيعاً، غدوا أيتاماً بكنف زوجته الأرملة. دياز الذي أعدم من دون إدانة أو محاكمة، كان بعمر الـ 39.

وواجهت عائلة دياز، حتى بعد موت الجنرال فرانكو عام 1975، عدائية موصوفة من قبل أهل القرية، حين حاولت تلك العائلة معرفة مصير وموقع رفاة فرانسيسكو. في هذا الإطار كانت "جمعية إحياء الذاكرة التاريخية" The Association for the Recovery of Historical Memory، المنظمة التطوعية التي سعت طوال 20 عاماً لاكتشاف رفاة وبقايا ضحايا فرانكو، طالبت بنبش مقبرة تلك القرية للعثور على رفاة الذين اعدموا فيها. غير أن ألبيرتو غونزاليس، مساعد رئيس البلدية، أصر على قيام أبناء القرية بالتصويت على المسألة قبل إجراء أي خطوة. وقبل حصول عملية التصويت قال بعض أبناء القرية لرودريغيز وأقارب لها آخرين، إنهم غير مرحب بهم في القرية. وذكرت رودريغيز لـ "اندبندنت" عن هذا الأمر "بعض الناس في القرية لا يريدون استحضار الماضي. كانت هناك سنوات من الصمت القسري، ومن الخوف، وساد افتراض أن المرء لا يتحدث في هذا الموضوع، وأنا أعتقد أنه لم يكن هناك طرق جماعية لتبديد تلك الحالة من الشلل والوقوف موقف المتفرج". وأضافت "التنقيب في الأرض ونبشها بهذه الطريقة يمثّل كشفاً للحقيقة. وذاك أمر جيد للديموقراطية".

استكمالاً للموضوع تقول رودريغيز إنها تعتقد أن فيلاداغوس ديل بارامو لا تمثل حالة معزولة في بلاد ما زال يؤرقها الماضي. إذ "ما زالت هناك قرى في أسبانيا حين تسأل عن قمع الفرانكوية فيها، فإن الناس يخفضون أصواتهم أو ينظرون حولهم (للاطمئنان قبل التفوه بأي كلمة). إنه خوف موروث، وطوق هذا الصمت لم يكسر بعد".

وتقول رودريغيز إن قرابة دزينة أشخاص، من سكان فيلادانغوس ديل بارانو، أخبروها أنهم يعتبرون هذه المحاولة لتناول الماضي عبر التنقيب في المقبرة أمراً "مطهراً"، لأنه يكسر الصمت السائد في القرية حول هذه المسألة.

في السياق ذاته، قامت رودريغيز باستخدام علاقاتها الصحافية وتمكنت من سؤال الحكومة الإسبانية ذات التوجه اليساري اليوم، للضغط على المجلس البلدي في القرية. عن هذا الأمر قالت: "تخيل [ما كان الأمر ليكون عليه] لو إنني لا أحظى بهذا الامتياز للقيام بذلك!".

من جهة أخرى وفي سياق مواز، فإن فرانسيسكو إيجيا، نائب رئيس الحكومة المحلية في منطقة كاستيلا إي ليون، قال إن تصويت مجلس قرية (فيلادانغوس ديل بارانو) لا يمنع من إجراء التنقيب في المقبرة لاحقاً. إذ وفق نص "قانون الذاكرة الديمقراطية"، الذي ينتظر إقراره قبل نهاية العام الحالي، سيكون لأقارب "المختفين" الحق في التنقيب عن رفاة أحبائهم. وهناك ما يقدر بـ 114 ألف رفاة لأشخاص مدفونين في مقابر جماعية بمختلف أنحاء إسبانيا، وفق تحقيق قضائي، إلا أن المؤرخين يعتقدون أن عدد المدفونين في مقابر جماعية قد يبلغ الـ 150 ألفاً.

© The Independent

المزيد من منوعات