Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على مشارف أزمة أمن قومي كمومية في الولايات المتحدة

الصين وروسيا تحصدان الأسرار المشفرة وتقتربان من فك شيفرتها

تدريب على الدفاع السيبراني في كالكار بألمانيا، أبريل (نيسان) 2026 (يانا رودنبوش/ رويترز)

ملخص

تقترب التقنيات الكمومية من فتح أزمة أمن قومي جديدة، إذ قد تتمكن مستقبلاً من كسر أنظمة التشفير التي تحمي أسرار الدول والتعاملات المالية والسجلات الطبية. الصين وروسيا تحصدان اليوم بيانات أميركية مشفرة بانتظار امتلاك أدوات فكها، فيما تسابق واشنطن الزمن لتأمين أسرارها والانتقال إلى تشفير مقاوم للحوسبة الكمومية.

كل عقدين تقريباً تظهر تقنية جديدة تقلب حسابات الأمن القومي رأساً على عقب، ففي أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، أرست القنابل الذرية والهيدروجينية منطق الردع النووي، وفي سبعينياته وثمانينياته قادت الإلكترونيات الدقيقة إلى تطوير الأسلحة الشبحية والدقيقة، وإلى ظهور الشبكات الرقمية الباكرة، وفي تسعينياته أعادت الإنترنت ونشر نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي أس" تشكيل الاتصالات، واليوم يدفع الذكاء الاصطناعي تطوير الأسلحة الذاتية ويعزز القدرات السيبرانية، لكن التقنيات الكمومية ستكون قريباً القوة التي تعيد تشكيل مجالات شتى، من كشف أسرار الأمن القومي إلى إظهار القوة العسكرية.

تعمل التقنيات الكمومية عبر استثمار السلوك الغريب للجسيمات متناهية الصغر، ولذلك تستطيع القيام بأمور تعجز عنها التقنيات التقليدية، مثل تحديد الموقع بدقة من دون أي اتصال بالإنترنت، أو كسر أنظمة التشفير المستخدمة على نطاق واسع اليوم، فمثلاً قد يحتاج الحاسوب الفائق التقليدي إلى نحو 300 تريليون عام باستخدام أسلوب "القوة الغاشمة" [المحاولة المنهجية الشاملة] لكسر مفتاح تشفير شائع من نوع "آر أس أيه" بطول 2048 بت، أما الحاسوب الكمومي فيستطيع نظرياً فك المفتاح ذاته، المستخدم في حماية السجلات الطبية والتعاملات المالية وأسرار الدول، في أقل من ثماني ساعات، وستتيح الابتكارات في مجال الاستشعار الكمومي للجيوش قريباً العمل في بيئات تفتقر إلى نظام تحديد المواقع "جي بي أس"، حيث تُحجب إشارات الأقمار الاصطناعية أو تُشوش أو تنعدم.

قد يبدو هذا المستقبل بعيداً، لكنه ليس كذلك، فوفق تقارير وكالات الاستخبارات الأميركية، بدأ خصوم الولايات المتحدة بالفعل حصاد البيانات الأميركية المشفرة، على أمل أن يتمكنوا، حين يكتسبون قدرات كمومية خلال خمسة أو 10 أعوام، من قراءتها، وتستثمر الصين تحديداً في الاتصالات الكمومية وأدوات التشفير، ولذلك يتعين على واشنطن وحلفائها بذل كل ما في وسعهم للفوز في السباق الكمومي، مع الاستعداد في الوقت ذاته لعالم قد تكون فيه بكين أو موسكو أول من ينجح في بناء حاسوب كمومي، والأولوية العاجلة هي تشفير أسرار اليوم بأنظمة أكثر تقدماً، لا يمكن كسرها في المستقبل.

قفزة كمومية

بما أن الحوسبة الكمومية قادرة على كسر أكثر أنظمة التشفير شيوعاً لدى الحكومات والأفراد على السواء، فمن الصعب المبالغة في تقدير الخطر الذي تمثله على الأمن القومي، فأنظمة التشفير التي تؤمن جانباً كبيراً من الإنترنت اليوم تستند إلى صعوبة حل الحواسيب التقليدية مسائل رياضية بعينها، مثل تحليل الأعداد الضخمة إلى عواملها الأولية، أما الحواسيب الكمومية فمن المتوقع أن تنجز بعض هذه العمليات بكفاءة أعلى بكثير، مما يتيح للمهاجمين كسر الشيفرات والاستيلاء على البيانات الحساسة.

لا توجد حتى الآن آلات من هذا النوع، ومن الصعب التنبؤ بموعد ظهورها، لكن التطورات الأخيرة توحي بأن حاسوباً كمومياً قد يتمكن خلال الأعوام القليلة المقبلة من كسر بعض أشكال التشفير الشائعة الاستخدام، والأهم أن منافسي الولايات المتحدة لا ينتظرون ظهوره، إذ حصدت الصين وروسيا بالفعل أسراراً أميركية مشفرة، مراهنة على أن بعض هذه المعلومات سيظل ذا قيمة حين تتوافر لهما الأدوات اللازمة لفك تشفيره.

ولا تقتصر تداعيات التقنيات الكمومية على الأمن القومي في مجال التشفير، فالمجسات الكمومية تستطيع قياس الزمن والفروق في مجالي الجاذبية والمغناطيسية بحساسية ودقة غير مسبوقتين، وقد تُستخدم هذه المجسات لاحقاً في رصد المركبات الشبحية أو توجيه الجيوش في بيئات تفتقر إلى "جي بي أس"، وهذا مهم للولايات المتحدة تحديداً، لأن الصين تحقق تقدماً في التشويش على "جي بي أس"، الذي يعتمد عليه الجيش الأميركي وحلفاؤه في الذخائر الموجهة بدقة والطائرات المسيرة.

تاريخياً، كان أي بلد يشوش على "جي بي أس"، المملوك والمدار من الحكومة الأميركية، يخاطر بتعطيل قواته هو أيضاً، غير أن الصين تمتلك اليوم منظومة الملاحة الفضائية "بايدو-3" التي تتيح لها نشر أجهزة تشويش قوية على "جي بي أس"، في مسارح عمليات كبحر الصين الجنوبي، مع بقاء أصولها العسكرية قادرة على العمل، وتوافر المجسات الكمومية مساراً للتحرر من هذا القيد، إذ تمنح مصدراً محلياً دقيقاً لتحديد الموقع والتوقيت، لا يعتمد على "جي بي أس" أو أية إشارة من الأقمار الاصطناعية.

وحتى الآن تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق تقني في العتاد الكمومي، ويأتي قدر كبير من تقدمها من شركات خاصة مثل "آي بي أم" و"غوغل" وعدد من الشركات الناشئة، أما الصين فجعلت التقنيات الكمومية من أولوياتها الكبرى ضمن خطتها الخمسية للأعوام 2026 - 2030، وتركز معظم أبحاثها وتطويرها داخل مراكز تقودها الدولة، مثل مختبر "هيفاي" الوطني، ومع أن استثماراتها الأولى ركزت على بناء شبكة اتصالات كمومية آمنة، فإنها حققت أيضاً تقدماً في الحوسبة الكمومية خلال الأعوام القليلة الماضية، وهي تطور بالفعل مجسات كمومية لغواصاتها وطائراتها الشبحية، مدفوعة بإمكان بناء أنظمة تتجاوز التقنيات التقليدية، وتفلت من قيود ضوابط التصدير الحالية.

من الصعب المبالغة في حجم التهديد الكمومي للأمن القومي

 

مع انتقال التنافس الأميركي - الصيني في المجال الكمومي من البحث العلمي الصرف إلى استثمارات بمليارات الدولارات في عتاد متخصص، بدأت كتل تكنولوجية متنافسة تتشكل، فالولايات المتحدة، مثلاً، انضمت إلى حلفاء متقدمين في المجال الكمومي مثل فرنسا واليابان والمملكة المتحدة، لتشكيل "مجموعة تطوير التقنيات الكمومية" المؤلفة من 13 دولة، بهدف تأمين سلاسل الإمداد العالمية وحماية مصالح الأمن القومي من التهديدات الكمومية الناشئة، وتتعاون الصين من جهتها مع دول مجموعة "بريكس"، ولا سيما روسيا، التي تمتلك كفاءات عالمية في الفيزياء والرياضيات والتشفير.

ولا تتوافر علناً سوى معلومات شحيحة عن الجهود الكمومية الروسية، ومع أن روسيا تركز حالياً على تطوير أدوات عسكرية لحربها في أوكرانيا، فقد حققت تقدماً في تطوير خوارزميات التشفير، وهو ما قد يساعدها في بناء حاسوب كمومي أصغر حجماً لكنه فعال، ومنذ غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022، وثّقت روسيا علاقاتها بالصين، وفي أواخر عام 2023، عرض البلدان ما سمياه "رابطاً كمومياً آمناً"، أتاح نقل المعلومات فورياً بين أقمار اصطناعية صينية ومحطات أرضية في الصين وروسيا، تفصل بين طرفيها مسافة 2400 ميل، مع انعدام مزعوم لأي خطر تنصت.

ذلك أن الاتصالات الكمومية تعتمد على الخصائص الفيزيائية للجسيمات الكمومية، وأية محاولة تنصّت تزعزع الإشارة وتنبه الطرفين فوراً إلى اختراق الاتصال، وفي مطلع عام 2025 أجرت الصين تجربة مماثلة مع جنوب أفريقيا، ربطت فيها بين محطات تفصل بينها مسافة تزيد على 8 آلاف ميل.

ويشكك علماء في الولايات المتحدة وأوروبا في قيمة هذه التقنيات، لأنها تحتاج إلى تشفير تقليدي للتحقق من هوية طرفي الاتصال، وبالتالي تظل فيها نقاط ضعف، ومع ذلك توحي هذه التجارب مع دول "بريكس" بأن بكين ربما تمهد لتعاون كمومي أوسع داخل التكتل، قد يمتد إلى الحوسبة والاستشعار أيضاً.

كاسرو الشيفرات

بدأت واشنطن بالفعل اتخاذ خطوات للاستعداد لعالم يمتلك فيه خصومها تقنيات كمومية، فمنذ عام 2016 تنافس خبراء التشفير حول العالم في مشروع أطلقه "المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتقنية" لتطوير خوارزميات جديدة، قادرة على مقاومة هجوم من حاسوب كمومي، وفي أغسطس (آب) 2024، اعتمد المعهد مجموعة أولى من هذه الخوارزميات معياراً رسمياً، وشرعت شركات كبرى لبنية الإنترنت التحتية في نشرها دولياً، وتستخدم كل شركة إنترنت كبرى، بما فيها "غوغل" و"فيسبوك"، تشفيراً مقاوماً للحوسبة الكمومية بدرجة ما، لكن هذه المعايير الجديدة لم تمتد بعد إلى سائر بروتوكولات الإنترنت، بما في ذلك الأنظمة التي تصادق على أن المواقع آمنة للاستخدام، وقد أعلنت الحكومة الأميركية أن جميع الوكالات الفيدرالية ستعتمد تشفيراً مقاوماً للحوسبة الكمومية بحلول عام 2035، غير أن الحواسيب الكمومية قد تكسر التشفير الحكومي قبل ذلك الموعد.

وتشير ورقة بحثية حديثة من "غوغل" إلى أن كسر نوع من التشفير، يحمي معظم اتصالات الإنترنت، قد يحتاج إلى موارد أقل بكثير مما كان يعتقد، ولهذا سرّعت "غوغل" الجدول الزمني للانتقال نحو التشفير الآمن كمومياً إلى عام 2029، وحثت الآخرين على الاقتداء بها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى إذا اكتمل الانتقال إلى هذه الخوارزميات المقاومة للحوسبة الكمومية، قبل اختراع حاسوب كمومي كامل القدرات، فإن الكميات الهائلة من المواد الحساسة التي حصدتها الصين وروسيا بالفعل، ستتعرض على الأرجح للاختراق، وبطبيعة الحال ستكون بعض المعلومات المجمّعة اليوم قد فقدت قيمتها وقت فك تشفيرها، فمواقع القوات الأميركية الحالية ستكون قد تغيرت بحلول عام 2030، لكن معلومات أخرى بالغة الحساسية، مثل أسرار تصميم الأسلحة النووية، ستظل ذات قيمة فترة طويلة، وتشكل أكبر خطر إذا جمعها الخصوم، وفكوا تشفيرها لاحقاً.

وللتعامل مع تحديات الأمن القومي التي تطرحها التقنيات الكمومية، ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها البدء بتأمين المنظومة الكمومية الوطنية المتكاملة، بما يضمن بقاء العتاد والمواد والملكية الفكرية اللازمة لهذه التقنيات تحت سيطرتهم المباشرة، وينبغي للولايات المتحدة توظيف ضوابط التصدير لحماية الإلكترونيات المتخصصة، وأجهزة التبريد، والهيليوم، ونظائر السيليكون الداخلة في بناء هذه التقنيات، وكذلك يتعين على أجهزة الاستخبارات الأميركية والحليفة إيلاء الأولوية لحماية الملكية الفكرية الكمومية، في القطاع الخاص، من التجسس الصناعي، عبر مشاركة المعلومات المتعلقة بالتهديدات والنصائح السيبرانية مع الشركات الأميركية والحليفة، وإلزامها تطبيق أعلى مستويات الدفاع السيبراني.

قد تستخدم المجسات الكمومية لاحقاً في رصد المركبات الشبحية

 

لكن ذلك لا يكفي، إذ يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تقود جهداً عالمياً حقيقياً لتحديث جميع بروتوكولات الإنترنت، كي تعتمد تشفيراً مقاوماً للحوسبة الكمومية، فحتى إذا اعتمد بلد واحد معياراً أدنى للتشفير، فإنه يفرز حلقة ضعيفة في منظومة التجارة العالمية، ولهذه الغاية ينبغي لـ "المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتقنية" أن يقود جهداً تعاونياً مع "وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني" والهيئات النظيرة في آسيا، لتطوير خوارزميات قابلة للتشغيل التبادلي، ثم مشاركتها وتقديم الدعم التقني للدول النامية.

غير أن هذه الحلول تفترض أن اختراع حاسوب كمومي، متطور بما يكفي، لكسر تشفير اليوم سيستغرق أعواماً، أما إذا ظهر مثل هذا الحاسوب في المدى القريب أو المتوسط، فسيهدد أمن الأنظمة الحالية والمعلومات المنقولة في الماضي، وللاستعداد لاحتمال اضطراب كهذا، ينبغي للحكومات والشركات إجراء جرد فوري للبيانات التي انكشفت بالفعل عبر قنوات ضعيفة، وتحديد أيها يمثل أكبر خطر إذا فُك تشفيره بعد أعوام قليلة، ثم على هذه المؤسسات الاستعداد لاحتمال انكشافها، ووضع خطط طوارئ لحماية الأصول المعرضة للخطر.

من الفئات المهمة للأسرار بيانات الاعتماد، مثل كلمات المرور ومفاتيح التحقق، فإذا فك مهاجم تشفير اتصالاً يتضمن هذه البيانات، أمكنه استخدامها لاحقاً للدخول عن بعد إلى أنظمة حساسة، حتى وإن كانت تلك الأنظمة قد اعتمدت بعد ذلك تشفيراً مقاوماً للحوسبة الكمومية، ولذلك فحين تطبق أية شركة أو حكومة نظام تشفير أكثر تقدماً، يجب تغيير جميع كلمات المرور ومفاتيح التحقق السابقة.

وأيضاً يتعين على الحكومات وشركات البنية التحتية الرقمية الكبرى الاستعداد لاحتمال تطوير حاسوب كمومي متطور، قبل أن تعتمد بروتوكولات الإنترنت كلها تشفيراً مقاوماً للحوسبة الكمومية، وفي هذه الحال يجب على الحكومات وضع خطط طوارئ للانتقال العاجل، وإلا خاطرت باضطرابات جسيمة في القطاعات المعتمدة على التعاملات الآمنة.

وقد تشمل هذه الخطط نشر التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية سريعاً في قطاعات حيوية مثل المصارف والاتصالات، وقطع الاتصال بالأنظمة التي لم تحدث بعد، وعلى رغم أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين في التقنيات الكمومية سيكون شديداً، فإن البلدين يدركان حاجتهما إلى التعاون عبر هيئات، مثل "المنظمة الدولية للمعايير" وفريق عمل هندسة الإنترنت، لضمان أن تكون بروتوكولاتهما الأساس قابلة للتشغيل التبادلي، فكلاهما حريص على تجنب عالم رقمي مجزأ، تتعطل فيه التجارة العالمية والخدمات اللوجستية، بسبب عدم التوافق.

وقد شارك خبراء تشفير صينيون في المسابقة العالمية للخوارزميات التي نظمتها الحكومة الأميركية، كما شارك باحثون أميركيون وأوروبيون في مسابقة صينية مفتوحة، لكن هذا التعاون لن يمتد على الأرجح إلى مسائل العتاد، فحين يتعلق الأمر بتقنيات ذات تطبيقات عسكرية، ستكون كل قوة عظمى مصممة على التفوق على الأخرى.

 

آن نيوبرغر شريكة عامة ورئيسة الشؤون العالمية في شركة "إيه 16 زد"، وزميلة مرموقة في جامعة ستانفورد، شغلت منصب نائبة مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 2021 و2025.

 ترجمة عن "فورين أفيرز"، 17 يونيو (حزيران) 2026.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء