ملخص
يشهد القرن الـ21 صراعاً محتدماً بين الولايات المتحدة والصين يتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة إلى ميدان التكنولوجيا والابتكار، من أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمومية والمعادن النادرة وشبكات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي، تتسابق القوتان لضمان السيادة التكنولوجية مستخدمتين أدوات اقتصادية ودبلوماسية وصناعية للحد من نفوذ بعضهما بعضاً. فإلى أين يتجه الصراع وما سيناريوهاته المحتملة؟
لا شك في أن نجمي صراع القرن الـ21 هما الولايات المتحدة والصين، دولتان عظميان تتنافسان على النفوذ وقيادة العالم. الولايات المتحدة التي تسلمت دفة القيادة عقب الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم تنيناً عملاقاً ينافسها بشراسة بعدما أسهمت هي نفسها بصعوده من حيث تدري أو لا تدري. غير أن صراع القرن الـ21 لا يقاس حصراً بالجيوش والأراضي، بل يدور في ساحات متعددة أهمها على ما يبدو ساحة التكنولوجيا والابتكار التي تحولت شيئاً فشيئاً من مجال للتعاون إلى معركة جيوسياسية واستراتيجية بامتياز.
خلال الأعوام الأخيرة، تنخرط الدولتان ضمن منافسة محتدمة لقيادة قطاع التكنولوجيا في العالم، وتسعيان لتحقيق السيادة التكنولوجية وفك الارتباط ببعضهما، إذ تحاولان تقليل الاعتماد على بعضهما بعضاً في الصناعات والابتكارات التكنولوجية، من أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي إلى شبكات الاتصالات والكابلات البحرية وغيرها. ولهذا الغرض، استخدمت كل منهما وسائل عدة بما فيها العقوبات وقيود التجارة والاستثمار والسياسات الصناعية والدبلوماسية. وأنفقت الدولتان مليارات الدولارات على الاستثمارات في القطاع التكنولوجي تزامناً مع محاولة تقويض نظام الابتكار التكنولوجي لدى الطرف الآخر.
وفي حين تتسابق واشنطن وبكين لتأمين التفوق التكنولوجي، تعاني البلدان في مختلف أنحاء العالم من تبعات هذا الصراع وتضطر أحياناً إلى اختيار أحد الجانبين وسط إعادة تعريف التحالفات وتحدي قواعد الحوكمة العالمية. كل ذلك يضعنا أمام أسئلة جوهرية، من الذي سيسيطر على القطاع التكنولوجي مستقبلاً وكيف تنعكس هذه الحرب على بقية دول العالم؟ وهل يمكن لواشنطن وبكين أن تعودا إلى التعاون التكنولوجي أم أن المواجهة مصير حتمي؟
قبل التعرف إلى مختلف جوانب الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، نعود أولاً إلى نقطة التحول التي نقلت الدولتان من مرحلة التعاون إلى المنافسة، لنعود لاحقاً ونستعرض مآلات هذا الصراع وتبعاته وسيناريوهاته المحتملة.
لمحة تاريخية: من التعاون إلى المنافسة
خلال مطلع القرن الـ21، شهدت العلاقات الأميركية – الصينية نقطة تحول جوهرية بتوقيع الرئيس الأميركي بيل كلينتون خلال الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2000 قانون العلاقات الأميركية – الصينية، الذي سمح لبكين بإقامة علاقات تجارية طبيعية دائمة مع الولايات المتحدة ومهد الطريق أمام انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
هذه الخطوة سرعت تحول الصين إلى قوة تصنيع عالمية، إذ فتحت صفحة جديدة من التعاون الأميركي – الصيني بدأت خلالها الشركات الأميركية نقل مصانعها إلى الدولة الآسيوية الكبرى للاستفادة من اليد العاملة والموارد الرخيصة فيها والوصول إلى أسواق جديدة، مما أكسب الصين تباعاً لقب "مصنع العالم".
الانفتاح الذي أرادته الولايات المتحدة أساساً خطوة نحو تحرير الصين سياسياً واقتصادياً من خلال انخراطها في الاقتصاد العالمي، بات ينظر إليه مع الوقت كنقطة تحول فتحت الباب أمام صعود الصين الكبير وتحولها إلى قوة عالمية منافسة لأميركا، التي بدأت منذ نحو عام 2010 اتخاذ إجراءات لاحتواء خصمها الصاعد.
خلال عام 2015، أطلقت بكين خطة "صنع في الصين 2025"، وهي خطة استراتيجية للارتقاء بالصناعة الصينية لا سيما ضمن 10 قطاعات تكنولوجية عالية التقنية، مثل الروبوتات والفضاء وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة، عبر استثمارات مدعومة من الدولة تركز على البحث والتطوير بهدف تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية وزيادة الابتكار المحلي وتعزيز القدرة التنافسية.
هذه الخطة أثارت مخاوف الدول الغربية والولايات المتحدة من المنافسة غير العادلة وسرقة التكنولوجيا وحقوق الملكية، خصوصاً أنها قامت على الاستثمارات الحكومية والمشاريع المشتركة التي ألزمت الشركات الأجنبية بإنشاء مشاريع مع الشركات الصينية، مما أسهم في نقل التكنولوجيا الغربية إلى الصين.
في ضوء الخطة الصينية، بدأت التوترات التجارية تتصاعد بين واشنطن وبكين، إذ بدأت الإدارات الأميركية تتخذ إجراءات لتقويض التعامل مع شركات التكنولوجيا الصينية، محذرة من أخطار تمس الأمن القومي الأميركي. وبذلك، بدأت حرب التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين تتوسع لتشمل مجالات عدة ووسائل مختلفة، في ما يلي أبرزها.
أشباه الموصلات
في قلب الحرب التكنولوجية بين أميركا والصين، رقائق إلكترونية في منتهى الصغر تعرف بأشباه الموصلات. هذه الرقائق هي بمثابة "أدمغة الآلات"، إذ تعالج المعلومات وتصدر الأوامر وتتحكم في أداء الأجهزة الإلكترونية كافة، من الحواسيب والهواتف الذكية والسيارات الإلكترونية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي والأسلحة.
تهيمن الولايات المتحدة على تصميم الرقائق وحقوق الملكية الفكرية الخاصة بها من خلال شركات مثل "إنفيديا" و"إنتل" و"كوالكوم"، في حين تتصدر شركة "TSMC" التايوانية و"سامسونغ" الكورية الجنوبية تصنيع هذه الرقائق. أما الصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأجنبية في هذه الصناعة، فقد استثمرت مليارات الدولارات لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات عبر شركات مثل "SMIC".
ولإبطاء تقدم بكين في هذا المجال، فرضت واشنطن قيوداً صارمة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، وضغطت على حلفائها لاتباع النهج نفسه. وفي مثال على فصول هذا الصراع، وجد مصنع للرقائق الإلكترونية تملكه شركة "نكسبريا" الصينية ومقره في هولندا، نفسه خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في خضم نزاع قانوني، بعدما أصدرت الحكومة الهولندية قراراً بوضع يدها عليه عقب تبلغها من واشنطن بإدراج "نكسبريا" على لائحة الولايات المتحدة للشركات التي تشكل تهديداً للأمن القومي والمصالح الخارجية، والتي تخضع بالتالي لقيود التصدير الأميركية. هذا فصل مما تشهده المعركة من أجل السيطرة على سلسلة توريد أشباه الموصلات والصراع على السيادة التكنولوجية والأمن القومي.
الذكاء الاصطناعي
أشباه الموصلات جزء أساس من سباق تكنولوجي آخر محتدم بين واشنطن وبكين، وهو سباق الذكاء الاصطناعي الذي يراه بعض الخبراء المفتاح من أجل الهيمنة العالمية خلال القرن الـ21.
في الوقت الراهن، تعد الولايات المتحدة رائدة في أبحاث ونماذج الذكاء الاصطناعي عبر شركاتها التكنولوجية العملاقة أمثال "أوبن أي آي" و"غوغل" وغيرهما، فيما نجحت الصين في الالتحاق بالركب سريعاً من خلال استثمارات حكومية ضخمة واستراتيجيات وطنية طموحة مثل "خطة تطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي"، التي أطلقتها بكين عام 2017.
هذا السباق الذي فتح شهية المستثمرين في أنحاء العالم كافة، يستقطب عشرات مليارات الدولارات في البلدين وسط منافسة على الابتكار وجذب المواهب وتوظيف الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الاقتصادية والعسكرية وغيرهما. وقد تمظهر هذا الصراع على سبيل المثال في المنافسة التي يشهدها تطبيقا "تشات جي بي تي" الأميركي و"ديب سيك" الصيني، والذي بدأت شركات الدفاع الصينية استخدامه في منتجاتها العسكرية، إذ كشفت شركة "نورينكو" الصينية العملاقة المتخصصة في الصناعات الدفاعية والمملوكة للدولة خلال فبراير (شباط) 2025، عن مركبة عسكرية قادرة على القيام بعمليات دعم قتالي من دون تدخل بشري يذكر وبسرعة 50 كيلومتراً في الساعة، وذلك بالاعتماد على تقنيات ذكاء اصطناعي من شركة "ديب سيك".
وعلى رغم تفوق واشنطن الحالي في النماذج والخوارزميات المتقدمة، تخشى من قدرة بكين على اللحاق بها بفضل وفرة البيانات وتسارع تطبيقاتها في المجالات الأمنية والعسكرية. ولهذا، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير الرقائق والتقنيات الحساسة إلى الصين، فيما ترد الأخيرة بتعزيز الاكتفاء الذاتي وتوسيع نفوذها التكنولوجي عالمياً.
الحوسبة الكمومية
وجه آخر من أوجه الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين يتجلى في المنافسة على تطوير الحوسبة الكمومية التي تعد واحدة من أكثر الجبهات استراتيجية وأهمية. الحوسبة الكمومية نوع من الحوسبة تستخدم مبادئ فيزياء الكم لمعالجة المعلومات، مما يسمح بإجراء عمليات حسابية متزامنة لحل مشكلات معقدة بسرعة أكبر بكثير من الحواسيب التقليدية، بالتالي يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في مجالات التشفير والأمن السيبراني والاستخبارات العسكرية وتباعاً في الأمن القومي، مما يجعلها مجالاً للمنافسة الحرجة بين القوتين العالميتين.
كما في القطاعات الأخرى، تعتمد الولايات المتحدة بصورة أساس على استثمارات القطاع الخاص في الحوسبة الكمومية، ونجحت شركاتها أمثال "آي بي أم" و"غوغل" و"IonQ" و"مايكروسوفت" في احتلال الريادة في مجال البحث وابتكار أجهزة الحوسبة الكمومية، بالتوازي مع مبادرات حكومية تعزز الاستثمار في هذا القطاع مثل قانون المبادرة الكمومية الوطنية الذي أقره الكونغرس عام 2018.
في المقابل، خصصت الصين مليارات الدولارات لدعم الاستثمارات في هذه التكنولوجيا، ونجحت في تحقيق اختراقات مهمة لا سيما في مجال الاتصالات الكمومية التي باتت صاحبة الريادة فيها، وهو مجال يعتمد على فيزياء الكم لتشفير ونقل المعلومات عبر قنوات اتصال آمنة للغاية محمية من التنصت.
صراع الحوسبة الكمومية يشمل المنافسة على أكثر من صعيد، أولاً تحقيق التفوق التقني لامتلاك الحاسوب الكمومي القادر على حل أية مشكلة يكاد يكون من المستحيل حلها بواسطة أقوى أجهزة الحواسيب التقليدية، وثانياً التفوق في مجال الاتصالات الكمومية والذي حققته الصين حالياً، وثالثاً التشفير ما بعد الكم إذ تتسابق الدولتان لحماية البيانات الحساسة من أجهزة الكمبيوتر الكمومية المستقبلية، ورابعاً التنفيذ العملي إذ ستتصدر السباق الدولة التي يمكنها توفير الحوسبة الكمومية القابلة للاستخدام على نطاق واسع، وهو إنجاز يتطلب تحقيق اختراقات في مسائل تكنولوجية معقدة.
في ضوء ما تقدم، يعد البلدان التفوق في الحوسبة الكمومية مفتاحاً للحفاظ على التفوق التكنولوجي والعسكري وإعادة تشكيل مشهد الأمن السيبراني والعمل الاستخباراتي. بمعنى آخر، تعد الحوسبة الكمومية بمثابة "سلاح نووي تكنولوجي" محتمل يمكن أن يعيد تعريف القوة والأمن والاستخبارات في العصر الرقمي، مما يدفع الولايات المتحدة والصين إلى بذل كل جهد لتحقيق الريادة في هذا القطاع الذي لا يزال في مراحل استكشافه الأولى.
المعادن النادرة
الصراع المتصاعد أخيراً في شأن المعادن النادرة يشكل بدوره فصلاً محورياً من فصول الحرب التكنولوجية العالمية. تشمل المعادن الأرضية النادرة 17 عنصراً كيماوياً، من بينها مثلاً الإيتريوم والسكانديوم واللانثانوم والنيوديميوم، وهي مواد أساس في صناعة أجهزة التكنولوجيا الحديثة، على غرار الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وتقنيات الطاقة النظيفة والمعدات العسكرية المتقدمة كالطائرات المقاتلة وغيرها، مما يجعل هذه المعادن بمثابة المواد الخام للحرب التكنولوجية خلال القرن الـ21.
كميات هذه المعادن ليست نادرة بحد ذاتها، لكن الصعوبة تكمن في استخراجها بكميات اقتصادية تجارية وفي تعقيد عمليات فصلها وتكريرها، بالتالي محدودية الدول القادرة على استخراجها ومعالجتها.
خلال الوقت الراهن، تهمين الصين على سوق المعادن النادرة بسيطرتها على نحو 60 في المئة من الإنتاج العالمي ونحو 90 في المئة من القدرة العالمية على المعالجة والتكرير، مستفيدة من انخفاض كلف الإنتاج لديها والقوانين البيئية الأقل صرامة بالمقارنة مع الدول الغربية. واستغلت بكين هذا التفوق بفرض قيود على تصدير هذه المعادن رداً على القيود الأميركية المتعلقة بتصدير التكنولوجيا إلى الصين.
هذا الواقع يشكل تحدياً استراتيجياً للولايات المتحدة التي أطلقت جهوداً لتنويع سلاسل توريد المعادن النادرة عبر تحول البنتاغون إلى أكبر مستثمر في شركة "أم بي ماتيريلز"، التي تملك منشأة التعدين الوحيدة للمعادن النادرة في أميركا، والاستثمار في شراكات مع دول مثل أستراليا وكندا واليابان وأوكرانيا لتأمين مصادر بديلة.
شبكات الاتصالات
خلال الأعوام الأخيرة، تبلورت الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين في صراع شبكات الاتصالات وتحديداً شبكة الجيل الخامس. وتكمن المنافسة في السيطرة على البنية التحتية التي تحمل البيانات حول العالم، والتي تشكل أساس الاتصالات بصورها المختلفة بدءاً من الهواتف والمدن الذكية إلى الاتصالات العسكرية وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
في هذا القطاع، احتلت الصين الصدارة عالمياً من خلال شركات مثل "هواوي" و"ZTE" تقدم معدات الشبكة المتقدمة بأسعار تنافسية لعشرات الدول. السيطرة الصينية على البنى التحتية لقطاع الاتصالات أثارت قلق واشنطن التي رأت فيها تهديداً محتملاً للأمن القومي، انطلاقاً من مخاوف متعلقة باضطرار الشركات الصينية للتعاون من أجهزة الاستخبارات في بكين وتزويدها بالبيانات وتسهيل أعمال التجسس.
لذلك، ومع توسع انتشار الشبكة الصينية حول العالم، أطلقت الولايات المتحدة حملة واسعة لقطع طرق الأسواق أمام "هواوي" عبر ممارسة الضغوط على الحلفاء في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ودفعهم إلى الاستغناء عن خدمات الشركة الصينية في بناء شبكة الجيل الخامس.
تشكل معركة شبكة الاتصالات صراعاً للسيطرة على "الجهاز العصبي" للعالم الحديث الذي يوفر خدمات الاتصالات والإنترنت السريعة، ونقل البيانات التي تقوم عليها أنظمة الحاضر والمستقبل. هذا الصراع امتد أيضاً ليشمل شبكات الكابلات البحرية التي تؤمن حركة الإنترنت عبر العالم عبر خطوط الألياف الضوئية وتضمن نقل البيانات بين القارات، بما في ذلك بيانات المعاملات المالية والاتصالات العسكرية والخدمات السحابية وغيرها. ومع تعزيز بكين لشبكات كابلاتها البحرية حول العالم، أطلقت واشنطن في المقابل خطوطاً تربطها بأوروبا وآسيا والشرق الأوسط لضمان مسارات بيانات آمنة ومتنوعة مع حلفائها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منصات التواصل الاجتماعي
مسرح آخر من مسارح الحرب التكنولوجية الأميركية – الصينية يقوم في عالم منصات التواصل الاجتماعي، ولعل أبرز نجومه تطبيق "تيك توك".
لا شك في أن المنصات الأميركية أمثال "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام" و"يوتيوب" كثيراً ما احتلت صدارة المشهد العالمي في هذا القطاع، لكن الشركات الصينية نجحت في تحقيق اختراقات كبرى عبر تطبيقات مثل "تيك توك" و"وي تشات" التي تلاقي رواجاً عالمياً هائلاً لا سيما في صفوف المستخدمين الأصغر سناً وداخل الأسواق الناشئة.
الانتشار الواسع النطاق لتطبيق "تيك توك" المملكوك لشركة "بايت دانس" الصينية، وتحوله إلى قوة ثقافية واقتصادية عالمية تؤثر في الترندات وحتى الرأي العام السياسي خارج الصين، أثار ريبة الولايات المتحدة التي أعربت مجدداً عن مخاوفها في شأن خصوصية البيانات وإمكانية وصول السلطات الصينية إلى معلومات المستخدمين وتبعات ذلك على الأمن القومي الأميركي. وعلى الإثر، أطلقت الإدارة الأميركية مساعيها لإجبار "بايت دانس" على بيع عمليات "تيك توك" في الولايات المتحدة لشركات أميركية، سعياً للحفاظ على أمن البيانات، وإلا تواجه خطر الحظر.
وتزداد المخاوف الأميركية لا سيما أن الصين تحظر وصول مواطنيها إلى التطبيقات الأميركية تحت مظلة سياسة "جدار الحماية العظيم"، وهي مجموعة إجراءات قانونية وتقنية تفرضها بكين داخل أراضيها لتنظيم الوصول إلى الإنترنت وتعزيز الرقابة عليها، بما يشمل حظر الولوج إلى مواقع أجنبية. وفي هذا الإطار، لا يستطيع مواطنو الصين استخدام التطبيقات الأميركية كـ"فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، بل يستخدمون تطبيقات مماثلة بديلة صينية الصنع وتخضع لرقابة الدولة.
ولا يقتصر هذا الصراع على الحصة في سوق الترفيه أو مواقع التواصل الاجتماعي ومردودها الاقتصادي، بل هو جزء من القوة الناعمة التي تستخدمها الدول الكبرى أمثال الولايات المتحدة والصين لتعزيز نفوذها وهيمنتها حول العالم.
تبعات الصراع: إعادة تشكيل التحالفات الدولية
تصاعد المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين لا يعد مجرد سباق على الابتكار، بل عملية تعيد تشكيل التحالفات العالمية وهياكل الحوكمة الدولية. فبينما تسعى القوتان إلى ترسيخ هيمنتهما في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والاتصالات وغيرها من القطاعات الاستراتيجية، تدفع الدول حول العالم إلى الدخول في تحالفات جديدة قائمة على التكنولوجيا، مثل شراكات واشنطن في مجال الرقائق الإلكترونية مع حلفائها، خلال وقت توسع بكين نفوذها الرقمي من خلال استثماراتها في البنى التحتية المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".
في هذا السياق، اتخذت الولايات المتحدة انعطافة مهمة عن نهجها التقليدي القائم على السوق الحرة والمنافسة المفتوحة، لتلعب الحكومة دوراً أكبر في إدارة الصراع عبر الاستثمارات وقيود التصدير وإقامة التحالفات التي تؤمن تفوقها التكنولوجي وتقلل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. وشملت هذه التحالفات مثلاً مبادرات مثل مبادرة "الحوار الأمني الرباعي" (كواد) التي تضم واشنطن وطوكيو وكانبيرا ونيودلهي بهدف الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ "حرة ومفتوحة ومزدهرة"، وأطلقت هذه المجموعة أخيراً "مبادرة كواد للمعادن الحرجة" لتعزيز أمن سلاسل التوريد. ومن المبادرات الأخرى تحالف "شيب 4" لتوريد أشباه المواصلات والذي يضم إلى جانب واشنطن كوريا الجنوبية واليابان وتايوان. وبذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها الاقتصادية وصياغة معايير التكنولوجيا العالمية، مما يولد تبعات تتخطى العلاقات الأميركية – الصينية لتمتد إلى الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة.
الصين من جهتها، تركز على تحقيق استقلالها التكنولوجي والحفاظ على روابط تجارية عالمية لخفض أثر الحرب التجارية مع الولايات المتحدة على قطاعها. وفي هذا السياق، تصنف الصين نفسها رائدة في مجال التكنولوجيا الخضراء كالطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وتعمل على تعزيز تقدمها الرقمي على أكثر من صعيد بما يشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة وغيرهما. ويشهد النفوذ الصيني بواسطة التكنولوجيا تصاعداً مستمراً لا سيما داخل دول الجنوب، إذ توفر خدمات ومنتجات متقدمة بأسعار مقبولة. ولتحقيق كل ذلك، تعتمد الصين على أربع ركائز أساس، هي الدولة الرأسمالية التي توجه السوق، والاستخدام الاستراتيجي لسلاسل التوريد العالمية في قطاع التكنولوجيا، وتحقيق الاستقلال التكنولوجي، والابتكار وتصدير التكنولوجيا.
ولا تقف المواجهة بين الدولتين عند حدود امتلاك التكنولوجيا والسيطرة عليها، بل تتخطاها لتطال الرؤى المختلفة لحوكمة شؤون هذا القطاع من البيانات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى أمن الاتصالات وغيرها، إذ تجد هيئات وضع المعايير والمؤسسات المتعددة الأطراف نفسها تحت تأثير ضغوط من قبل الطرفين الساعيين للسيطرة على قواعد العصر الرقمي.
حتى اليوم، لم تتصدر الصين بعد السباق التكنولوجي بصورة عامة، لأنها بالدرجة الأولى لا تزال خلف الولايات المتحدة والدول الغربية في القدرة على الابتكار بصورة عامة، إذ ينظر إلى الشركات الصينية على أنها قوة إنتاج هائلة قادرة على الاستنساخ بأفضل جودة من دون ابتكارات رائدة وسباقة. غير أن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن الصين تحقق تقدماً سريعاً في تطوير ابتكارات جديدة وقد تكون على بعد بضعة أعوام فقط من التساوي مع الولايات المتحدة وحلفائها على هذا الصعيد. صعود الصين المحتمل كقوة عالمية للابتكار من شأنه أن يؤدي إلى تحول مركز القوة التكنولوجية والاقتصادية في العالم، مما يجعلها أقل تأثراً بالعقوبات الأميركية وأكثر قدرة على تعزيز إمكاناتها العسكرية ونفوذها داخل الدول الناشئة، وهو ما يشكل تهديداً كبيراً لهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد والنظام العالميين.
سيناريوهات الصراع المحتملة
من هنا، تتحول المنافسة التكنولوجية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين إلى ما يشبه الحرب الباردة واسعة الامتداد والتأثيرات، وقد تسلك في المستقبل مسارات مختلفة في ما يلي أبرزها.
- تعايش في منافسة مدارة
ضمن هذا السيناريو، تواصل الولايات المتحدة والصين تنافسهما الشديد في القطاع التكنولوجي لكن من دون الوصول إلى فك ارتباط كامل على الصعيد الاقتصادي ومن دون بلوغ حد المواجهة العسكرية. بدلاً من ذلك، يفرض كلا الجانبين ضوابط انتقائية مثل قيود التصدير وحجب الاستثمارات، لكن مع الحفاظ على تعاون محدود حيث تكون المصالح المشتركة قائمة، بما يعني أن الدولتين تبقيان عاجزتين عن تحقيق استقلالهما التكنولوجي التام. وفي حالة مماثلة، تتحوط الدول الثالثة إزاء أخطار المنافسة، فيما تعمل المؤسسات الدولية متعددة الأطراف على إدارة الخلافات.
- انفصال استراتيجي ونشوء كتل تكنولوجية
قد تسلك الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين مساراً أكثر عدوانية يقوم على فك الارتباط التام بينهما ونشوء كتلتين تكنولوجيتين، الأولى غربية بقيادة الولايات المتحدة والثانية بقيادة الصين. يقوم كل تكتل بتنسيق سلاسل إمداداته التكنولوجية في ما بين دوله ويوحد معاييره وأنظمته ويعزز أمنها، مما يؤدي إلى نشوء "مناطق نفوذ" منفصلة في التكنولوجيا تحد من التعاون العالمي، وتقيد تدفقات البيانات، وتخلق "مناطق محظورة" للتكنولوجيا بين الاقتصادات المتحالفة مع كل من الولايات المتحدة والصين. وسط ذلك، تجد الدول الثالثة نفسها تحت ضغط متزايد لاختيار أحد المعسكرين أو تبني استراتيجية موازنة بين الحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين والروابط الأمنية مع الولايات المتحدة، متى كان ذلك ممكناً. وبهذا، تنتقل حوكمة التكنولوجيا عالمياً من نموذج الشبكات المفتوحة إلى نموذج التكتلات الاستراتيجية والقيود التصديرية والدبلوماسية الصناعية.
- قفزة تكنولوجية وهيمنة لطرف واحد
قد تنجح أي من الولايات المتحدة أو الصين في حسم الحرب التكنولوجية لصالحها إذا تمكنت من تحقيق تفوق حاسم في واحدة أو عدد من التكنولوجيات الرائدة والأساس، مثل تحقيق خرق غير مسبوق ومهم في الحوسبة الكمومية أو الذكاء الاصطناعي، مما يحدث تحولاً في النفوذ العالمي. وبذلك، يكتسب هذا الطرف تفوقاً اقتصادياً واستخباراتياً وعسكرياً يضع أي منافس له في وضع غير متكافئ.
على المدى القصير، يرجح الخبراء أن تستمر المنافسة المدارة بين الولايات المتحدة والصين مع اتجاه نحو الإبقاء على السياسات الدفاعية والضوابط المستهدفة في بعض المجالات التكنولوجية من دون الاتجاه نحو الفصل التام بين الطرفين. غير أن ساحات التنافس بين الدولتين عديدة وغير منفصلة بالضرورة، بالتالي قد يؤدي أي احتكاك في إحداها إلى تصعيد كبير على الجبهات كافة.
في المحصلة، لا تختصر المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين في سباق على الابتكار فحسب، بل هي صراع على من يضع قواعد وقيم ومعايير العالم الرقمي المقبل ومن يقوده. وبينما تتسارع المنافسة بين القوتين للهيمنة على التكنولوجيا الحيوية، قد يتوقف مستقبل العولمة ذاته ليس على من يبتكر أسرع، بل على من يستطيع بناء نظام تكنولوجي أكثر موثوقية وتوازناً وشمولاً.